«جوليوس نيريري».. القاهرة تبني مستقبل إفريقيا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

فى قلب إفريقيا، حيث تتقاطع أحلام التنمية مع تحديات الطاقة والبنية الأساسية، لا يقف سدجوليوس نيريرىالكهرومائى مجرد منشأة خرسانية ضخمة تحبس المياه وتديرها وتحوّلها إلى كهرباء، وإنما يقف شاهدًا حيًا على فكرة أكبر من حدود المشروع نفسه؛ فكرة تقوم على أن العلاقات بين الدول يمكن أن تنتقل من دفاتر البروتوكولات إلى أرض الواقع، ومن بيانات التضامن السياسى إلى شراكات تنتج الكهرباء، وتبنى القدرات، وتنقل التكنولوجيا، وتفتح الأسواق، وتخلق مصالح مشتركة يصعب فصلها عن مستقبل الشعوب.

اقرأ أيضا: «اليوم العالمي للتراث المغمور بالمياه».. هدية مصر لـ«الدنيا»

هناك فى تنزانيا لا تضع مصر توقيعها على مشروع جديد فحسب، وإنما تضع بصمة هندسية واقتصادية وسياسية فى واحدة من أهم مناطق القارة الإفريقية، فالمشروع الذى نفذه التحالف المصرى المكون من شركتى “المقاولون العرب” و”السويدى إليكتريك” بتكلفة 2.9 مليار دولار، وبقدرة توليد تصل إلى 2115 ميجاوات يُمثل واحدًا من أضخم مشروعات الطاقة الكهرومائية بالقارة، ويمنح العلاقات “المصرية ـ التنزانية” مضمونًا عمليًا يتجاوز الشعارات التقليدية إلى شراكة قائمة على الإنجاز.

ولذلك لم يكن حضور الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسى مراسم افتتاح المشروع مُجرد مُشاركة فى احتفال تنزانى بإنجاز وطنى كبير، وإنما حمل الحضور المصرى رسالة سياسية واقتصادية واضحة، تؤكد أن مصر ترى فى إفريقيا شريكًا فى التنمية، وفى شركاتها الوطنية أدوات لبناء جسور جديدة مع دول القارة، وفى المشروعات الكبرى مدخلًا لترجمة الإرادة السياسية إلى مصالح اقتصادية مستدامة.

مساحة للتعاون

المعنى الأهم فى مشروع “جوليوس نيريرى” وفقًا للسفير أحمد حجاج الأمين العام المساعد الأسبق لمنظمة الوحدة الإفريقية أن المشروع لم يبدأ وينتهِ عند حدود إنتاج الكهرباء، وإنما تحول، خلال سنوات التنفيذ إلى مساحة واسعة للتعاون “المصرى ـ التنزانى”، فقد شارك فى تنفيذ المشروع 1700 مهندس وفنى مصرى ضمن فريق عمل ضخم، بينما استفاد آلاف العمال التنزانيين من الخبرات والتجارب الفنية التى أتاحها المشروع، وهو ما يجعل الإنجاز فى جوهره عملية نقل خبرة وبناء قدرات بقدر ما هو عملية تشييد هندسى.

وأضاف حجاج: “وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمشروع؛ فالدول لا تبنى علاقات استراتيجية مستدامة بالاتفاقيات وحدها، وإنما عندما تصبح لديها مصالح مشتركة، وخبرات متبادلة، وشركات تعمل على الأرض، وموارد يتم استثمارها، وأسواق تتكامل، ومشروعات تربط الاقتصاد بالاقتصاد، ومن هذه الزاوية، يمثل “جوليوس نيريرى” نموذجًا مصريًا واضحًا لترجمة التنمية إلى شراكة، والشراكة إلى مصالح، والمصالح إلى روابط طويلة المدى.

ويلفت حجاج إلى أن ذلك هو ما أكده الدكتور مصطفى مدبولى خلال كلمته فى افتتاح المشروع، عندما وصف السد بأنه “حلم تنزانى كبير” تحقق على أرض الواقع، وشاهد على الإرادة التنزانية والقدرات والخبرات الفنية المصرية، مؤكدًا أن الإنجاز يعكس ما يمكن لشعبى البلدين تحقيقه عندما تسود روح التآخى والتفاهم والتعاون، فلم يكن ذلك مجرد توصيف سياسى للمشهد، فالمشروع نفسه يقدم الدليل العملى على هذه الفكرة؛ إذ وجدت الحكومة التنزانية فى الشركات المصرية شريكًا قادرًا على تنفيذ مشروع بالغ الضخامة والتعقيد، بينما وجدت الشركات المصرية فى السوق التنزانية فرصة لاختبار قدراتها فى مشروع استراتيجى كبير، ثم البناء على النجاح لفتح أبواب جديدة أمامها فى تنزانيا والقارة بأكملها.

ويرى حجاج أن افتتاح سد ومحطة “جوليوس نيريرى” يمثل نموذجًا مهمًا للتعاون “المصرى ـ التنزانى”، ويعكس قوة العلاقات التاريخية بين البلدين وقدرة الشركات المصرية على تنفيذ المشروعات الكبرى داخل القارة، ويُشير إلى أن قدرة المشروع البالغة 2115 ميجاوات ستسهم فى تلبية احتياجات تنزانيا من الكهرباء، مع إمكانية الاستفادة من الفائض فى دعم دول مجاورة، فضلًا عن أدواره المرتبطة بالحد من مخاطر الفيضانات، وتنظيم الرى، ودعم النشاط الزراعى، والأهم، بحسب حجاج، أن افتتاح المشروع لا يمثل نهاية مرحلة، وإنما بداية لمزيد من مشروعات التعاون والتنمية، خصوصًا فى ظل الأهمية الاستراتيجية لتنزانيا فى شرق إفريقيا.

شهادة دولية

ويُشـير الخُـبراء إلى أن القيمـة الأهـم للمشروع بالنسبة لمصر تتمثل فى أنه يقدم شهادة عملية على قدرة الشركات المصرية على المنافسة فى المشروعات العملاقة خارج الحدود، وكما يؤكد المهندس أحمد السويدى الرئيس التنفيذى والعضو المنتدب لشركة “السويدى إليكتريك” فإن إنجاز “جوليوس نيريرى” يمثل علامة فارقة فى مسيرة التعاون والشراكة الاستراتيجية بين مصر والدول الإفريقية، وتجسيدًا للثقة التى تحظى بها الكفاءات والشركات الوطنية المصرية على الساحتين القارية والدولية، مُشيرًا إلى أن التحالف نجح فى تنفيذ واحد من أضخم مشروعات البنية التحتية وتوليد الطاقة النظيفة فى إفريقيا، وفق أعلى المعايير والمواصفات العالمية، أما المهندس أحمد العصار، رئيس مجلس إدارة “المقاولون العرب”، فأكد أن التجربة عززت مكانة الشركات المصرية فى تنفيذ المشروعات الكبرى داخل إفريقيا، وأثبتت قدرتها على إنجاز المشروعات المعقدة بدقة وجودة، بما يرفع فرصها فى المنافسة على مشروعات تنموية جديدة فى القارة.

ويرى رامى زهدى الخبير فى الشئون الإفريقية، أن “جوليوس نيريرى” يمثل رسالة مصرية قوية من قلب القارة، مفادها أن التعاون والتنمية المشتركة هما الطريق إلى النهضة الإفريقية، مُشددًا على أن المشروع لا يقتصر على توليد الكهرباء، وإنما يمثل مشروعًا تنمويًا مُتكاملًا يُمكن أن يدعم الأنشطة الزراعية والصناعية، ويُسهم فى الحد من مخاطر السيول وتنظيم الصرف والحفاظ على البيئة، فضلًا عن نقل التكنولوجيا والخبرات المصرية إلى الكوادر التنزانية، وهنا تبرز فلسفة مختلفة للتعاون؛ فبدلًا من أن يكون التعاون قائمًا على تقديم مساعدات محدودة أو منح منفصلة، يصبح قائمًا على بناء أصل تنموى طويل العمر، قادر على توليد قيمة اقتصادية لسنوات طويلة، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتحسين قدرة الدولة المستفيدة على استغلال مواردها.

وأضـاف زهـدى أن المشروع يُمثل شهادة نجاح جديدة للخبرة المصرية وقدرة الشركات الوطنية على تنفيذ المشروعات العملاقة داخل مصر وخارجها، مؤكدًا أن تنفيذ أكبر مشروع كهرومائى فى تاريخ تنزانيا بواسطة شركات مصرية يُمثل نموذجًا عمليًا للقوة الناعمة المصرية فى القارة، كما يبعث المشروع برسالة واضحة بأن مصر موجودة بجانب الدول الإفريقية وتشارك فى بناء مشروعاتها التنموية، بما يُعزز الثقة فى الخبرات والشركات المصرية، ويفتح المجال لمزيد من التعاون مُستقبلًا، مُشيرًا إلى أنه على مدار عقود طويلة ارتبطت مصر بالقارة الإفريقية بعلاقات سياسية وتاريخية عميقة، خصوصًا مع دول حوض النيل، لكن التحدى الحقيقى خلال السنوات الأخيرة تمثل فى كيفية تحويل هذه الروابط إلى مصالح اقتصادية مستدامة، وهنا يأتى “جوليوس نيريرى” ليقدم إجابة عملية؛ فالمشروع يؤكد أن العلاقة “المصرية ـ الإفريقية” يمكن أن تقوم على شركات مصرية تعمل فى دولة إفريقية، وتمول وتنفذ مشروعًا يخدم الاقتصاد المحلى، وتوظف العمالة، وتنقل الخبرات، وتفتح المجال أمام شركات أخرى، ثم تعود فى مرحلة لاحقة لتنفيذ مشروعات جديدة، وهذه هى الشراكة التنموية فى صورتها الأكثر عملية.

الشراكة الاقتصادية

يُمثل افتتاح المشروع محطة فارقة فى مسار العلاقات “المصرية ـ الإفريقية”، ويعكس تحول التعاون بين مصر ودول القارة من إطار العلاقات السياسية والدبلوماسية لشراكات تنموية حقيقية تنتج مشروعات ملموسة تخدم مصالح الشعوب، وكما يؤكد النائب الدكتور أيمن محسب عضو مجلس النواب فإن ذلك ينسجم مع رؤية الدولة المصرية التى تسعى لتعظيم دور القطاع الخاص والشركات الوطنية بإفريقيا، ليس باعتبارها مُنفذة لمشروعات مُنفردة، وإنما باعتبارها جزءًا من استراتيجية اقتصادية أوسع تستهدف زيادة التجارة والاستثمار والتكامل الإقليمى.

اقرأ أيضا: هل استعدت «مدارس الثانوي» لاستقبال طلاب «البكالوريا»؟

ويضع محسب المشروع فى سياق أوسع، معتبرًا أن مشاركة رئيس الوزراء – ممثلًا للرئيس السيسى – فى افتتاح “جوليوس نيريرى” تجسد القفزة النوعية التى شهدتها العلاقات “المصرية ـ الإفريقية”، والانتقال الفعلى من مرحلة التضامن السياسى إلى الشراكة الاقتصادية والتنموية الشاملة، وهذه القفزة تعنى أن إفريقيا لم تعد بالنسبة لمصر مجرد ملف سياسى أو دبلوماسى، وإنما أصبحت كذلك مجالًا للاستثمار والتصدير وتبادل الخبرات والتكامل فى مجالات البنية الأساسية والطاقة والنقل والزراعة والصناعة والدواء، ومن هنا تبدو أهمية الزيارة الرئاسية المصرية إلى تنزانيا فى يوليو الماضى، وما صاحبها من تأكيد على زيادة التبادل التجارى، وتشجيع الاستثمارات، وتكثيف مشاركة القطاع الخاص فى قطاعات التشييد والبناء، والطرق، والنقل البحرى، والموانئ، والمناطق اللوجستية، والكهرباء والطاقة، والزراعة، والدواء، والمستلزمات الطبية.

الأسواق الإفريقية

إذا كان “جوليوس نيريرى” قد أثبت قدرة الشركات المصرية على تنفيذ المشروعات العملاقة، فإن التحدى المقبل يتمثل فى تحويل هذا النجاح إلى “منصة تصدير” للخبرة المصرية، فالشركات التى نجحت فى تنزانيا أصبحت تمتلك خبرة محلية فى التعامل مع البيئة التنظيمية والسوق والعمالة وسلاسل الإمداد، كما أصبحت لديها سابقة أعمال قوية يمكن تقديمها أمام حكومات ومؤسسات تمويل ودول إفريقية أخرى.

وهو ما يوضحه النائب حلمى جاويش عضو لجنة الإسكان بمجلس الشيوخ، قائلًا إن المشروع يحمل أبعادًا اقتصادية واستثمارية تتجاوز تنفيذ بنية تحتية، لأنه يؤكد تنامى حضور الشركات المصرية فى الأسواق الإفريقية وقدرتها على المنافسة فى تنفيذ المشروعات القومية الكبرى.

ويرى جــاويش أنه لا يمكن فصل أهمية المشروع عن أزمة الطاقة التى تواجهها العديد من الدول الإفريقية؛ فالكهرباء ليسـت مجرد خدمة أساسية، وإنما شرط لقيام الصناعة، وتشغيل المصانع، وتطوير الزراعــة، وتحسـين الخــدمات الصحــية والتعليمـية، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، ومن هنا تأتى قدرة اجوليوس نيريرىب البالغة 2115 ميجاوات لتضع المشروع فى قلب استراتيجية تنزانيا للتنمية، منوهًا إلى أن المشروع يمكن أن يسهم – إلى جانب تلبية احتياجات تنزانيا – فى دعم إمكانية تصدير فائض الكهرباء إلى دول مجاورة، وهو ما يضيف بعدًا إقليميًا إلى المشروع، ويعزز فكرة التكامل بين دول شرق إفريقيا، وبذلك، يتحول المشروع من مجرد محطة لتوليد الكهرباء إلى جزء من شبكة مصالح إقليمية أوسع، ومن منشأة هندسية ضخمة إلى نقطة ارتكاز فى مسار تنموى يمكن أن يمتد أثره إلى قطاعات الاقتصاد المختلفة، وإلى دول أخرى فى الإقليم، مُختتمًا بأن أهمية “جوليوس نيريرى” تتجاوز حدود السد ومحطة التوليد؛ فالمشروع يقدم نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه الشراكة “المصرية ـ الإفريقية” عندما تتحول الإرادة السياسية لمشروعات، والمشروعات لخبرات، والخبرات لفرص استثمار، وفرص الاستثمار لمصالح مشتركة، بما يجعل التنمية نفسها جسرًا دائمًا للعلاقات بين الشعوب والدول.

اقرأ  أيضا: ما هو سد جوليوس نيريري.. ولماذا حمل هذا الاسم؟

اقرأ أيضا: الجماعة تتحرك من وراء قناع «الإغاثة».. سموم الإخوان تتوغل في جسد ألمانيا

‫0 تعليق

اترك تعليقاً