تفتح مصر فى البحر المتوسط نافذة جديدة على سوق الطاقة الإقليمى، تقوم على صناعة لا تقل أهمية عن الإنتاج نفسه، وهى تخزين الخام وتداوله وإدارته وتسويقه وربط حركة الطاقة بالأسواق والممرات التجارية العالمية، من ميناء الحمراء البترولى بالعلمين الجديدة تبدأ خطوة تحمل أكثر من معنى اقتصادى واستثمارى؛ فإتمام إجراءات تأسيس شركة “الفجيرة العلمين للنفط والغاز” لا يُمثل مُجرد ولادة كيان استثمارى جديد، وإنما يُمثل انتقالًا واضحًا من مرحلة الاتفاقات ومُذكرات التفاهم لمرحلة التنفيذ، ويضع جزءًا من البنية الأساسية البترولية المصرية أمام اختبار جديد عنوانه “كم تستطيع مصر أن تحقق من القيمة الاقتصادية لموقعها وإمكاناتها قبل أن تضيف منشآت جديدة؟“.
اقرأ أيضا: «جوليوس نيريري».. القاهرة تبني مستقبل إفريقيا
المشروع االمصرى ـ الإماراتىب الجديد يأتى فى توقيت بالغ الأهمية لقطاع الطاقة، وفى ظل إعادة تشكيل مستمرة لخريطة تجارة النفط والمنتجات البترولية عالميًا، وتزايد أهمية المواقع القادرة على استقبال وتخزين وإعادة تداول شحنات الطاقة بالقرب من الأسواق الرئيسية وخطوط الملاحة الدولية، وهنا تحديدًا تبرز أهمية ميناء الحمراء، الذى لا ينظر إليه المشروع باعتباره مُجرد منشأة لتخزين الخام، وإنما باعتباره نقطة انطلاق لمنظومة لوجستية وتُجارية يمكن أن تجعل من الساحل الشمالى المصرى مساحة أكثر تأثيرًا فى تجارة الطاقة الإقليمية والدولية.
إتمام تأسيس “الفجيرة العلمين” يأتى تتويجًا لمسار بدأ باتفاقات التعاون “المصرية ـ الإماراتية” فى قطاع البترول، وتحديدًا الاتفاقات التى شهدها أكتوبر 2025، والتى استهدفت إنشاء منطقة لوجستية لتخزين وتداول الزيت الخام والمنتجات البترولية بمنطقة العلمين، وتطوير ميناء الحمراء بالتعاون مع مؤسسة الفجيرة للنفط والغاز، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الحديثة فى تشغيل وإدارة هذه الأنشطة، كما شملت عقدًا لتخزين الخام فى تسهيلات ميناء الحمراء، واليوم أصبح هذا المسار أكثر وضوحًا مع إتمام تأسيس الشركة وعقد جمعيتها التأسيسية بميناء الحمراء البترولى التابع لشركة اويبكوب بالعلمين الجديدة، بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 65 لسنة 2026، الذى وافق على إنشاء منطقة حرة خاصة باسم “الفجيرة العلمين للنفط والغاز” لمزاولة أنشطة تخزين وتداول المنتجات البترولية والزيت الخام.

المهنــدس كــريم بـدوى وزيــر البترول والــثروة المعدنية وضع المشروع فى إطاره الأوسع، مؤكدًا أن تأسيس الشركة يُمثل انتقالًا من مرحلة التخطيط والاتفاقات للتنفيذ الفعلى، ويفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمارات المُشتركة باستقبال وتخزين وتداول وتجارة البترول الخام والمنتجات البترولية، مُوضحًا أن المشروع ليس مُنفصلًا عن استراتيجية وزارة البترول والثروة المعدنية، وإنما يأتى فى صميم توجه يستهدف تعظيم الاستفادة الاقتصادية من البنية الأساسية القائمة، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمى لتجارة وتداول البترول والطاقة.
قراءة فنية

وفى قراءة فنية للمشروع يؤكد المهندس مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول السابق والخبير البترولى أن اختيار ميناء الحمراء لم يكن تفصيلًا عابرًا بالمشروع وإنما هو أحد عناصر قوته الرئيسية، فالميناء يقع على ساحل البحر المتوسط، ويتمتع ببنية أساسية وطاقات تخزينية وإمكانات لوجستية، فضلًا عن ارتباطه بمنظومة نقل الخام وإنتاج البترول فى الصحراء الغربية، لافتًا إلى أن منطقة الحمراء تُمثل منطقة مُهمة لتجميع إنتاج الزيت الخام من مناطق الصحراء الغربية، مُشيرًا إلى ارتباط الإنتاج بخطوط نقل ومستودعات شركة بترول الصحراء الغربية “ويبكو” ومنظومة شركة أنابيب البترول، بما يسمح بتوجيه الخام إلى معامل التكرير فى الإسكندرية، مُضيفًا أن هذه الميزة تمنح الحمراء قيمة تتجاوز فكرة التخزين التقليدى؛ فالميناء يقف عند نقطة تلتقى فيها عدة حلقات من سلسلة القيمة البترولية كالإنتاج والنقل والتخزين ثم التداول وإعادة التوجيه للأسواق.
الجانب الإماراتى بالمشروع ليس مُجرد مُساهمة مالية أو استثمارية، وإنما يحمل معه خبرة مُتراكمة بصناعة الخدمات المُرتبطة بالنفط، فإمارة الفجيرة نجحت خلال السنوات الماضية فى ترسيخ موقعها كمركز مُهم لتخزين وتداول المُنتجات البترولية ووقود السفن، وهو ما يجعل الشراكة مع مصر قائمة على تكامل واضح بين مقومات الطرفين.

ووفقًا للنائب محمد زكى وكيل لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ تمتلك مؤسسة الفجيرة للنفط والغاز خبرات وقدرات تسويقية مُهمة بالخليج، وإدخال هذه الخبرات لميناء الحمراء يُمكن أن يُضيف بُعدًا تجاريًا وتسويقيًا للبنية الأساسية المصرية، منوهًا بأن مصر لا تبحث فقط عن مُستثمر وإنما عن شريك قادر على نقل نموذج تشغيل وخبرة تجارية لموقع مصرى يمتلك مقومات النمو.
ويؤكد زكى أن تأسيس الشركة يُمثل خطوة مُهمة على طريق تعزيز التعاون الاقتصادى والاستثمارى بين مصر والإمارات، وفتح مجالات جديدة للشراكة بين البلدين، لافتًا إلى أن تأسيس الشركة يعكس قوة وعمق العلاقات بين البلدين، ويُمثل نقلة مُهمة من مرحلة التخطيط وإبرام الاتفاقات لمرحلة التنفيذ الفعلى، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمارات المُشتركة فى أنشطة استقبال وتخزين وتداول وتجارة البترول الخام والمُنتجات البترولية، مُضيفًا أن المشروع يتماشى مع استراتيجية وزارة البترول الهادفة لتعظيم الاستفادة الاقتصادية من البنية الأساسية البترولية القائمة، والاستغلال الأمثل للمقومات والمواقع الاستراتيجية التى تتمتع بها مصر، بما يدعم جهودها للتحول لمركز إقليمى لتجارة وتداول البترول والطاقة، مُشددًا على أن التوسع بمثل هذه المشروعات المُشتركة يُمثل نموذجًا للشراكات الاقتصادية الفاعلة بين البلدين، ويدعم خطط مصر لجذب الاستثمارات وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية والموقع الجغرافى الاستراتيجى.
مشروعات مُتخصصة
تزداد أهمية المشروع مع إقامة المنطقة الحرة الخاصة للشركة بالعلمين الجديدة على مساحة 738 ألف متر مربع، وفق ما أعلنه د.محمد فريد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، وتستهدف المنطقة إقامة مشروعات مُتخصصـة فـى تخـزين وتداول النفط الخام والمُنتجات البترولية، مؤكدًا أن سرعة تأسيس الشركة تعكس حرص الدولة على الاستخدام الفعال للنظم الاستثمارية المُتاحة، بما يُسهم فى تيسير إقامة المشروعات وتسريع تنفيذها، خاصة المشروعات المرتبطة بقطاع الطاقة.

تجربة تأسيس الشركة تُمثل نموذجًا عمليًا لتحويل الموافقات الاستثمارية لمشروعات فعلية خلال فترة زمنية قصيرة، والاستفادة من النظم الاستثمارية المختلفة، سواء المناطق الحرة أو النظم الاستثمارية الأخــرى، لتعــزيز جـاذبـيـة الســوق المصــرية أمــام الاستثمارات الجــديدة – بحسب الخبير الاقتصادى بلال شعــيب – والذى يُشــير إلى أنـه فى اقتصاد عالمى تتنافس فيه الدول على كل مشروع جديد، لم تعد الحوافز المالية وحدها العامل الحاسم فى قرار المُستثمر، وإنما أصبحت سرعة الإجراءات، ووضوح القواعد، وتوافر الأرض والبنية الأساسية والموانئ والطرق وشبكات النقل، عناصر أساسية فى المنافسة، ومن هنا فإن االفجيرة العلمينب تحمل أهمية تتجاوز حجمها المباشر؛ لأنها تقدم نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه مصر عندما توظف بنيتها الأساسية وموقعها الجغرافى مع منظومة استثمارية أكثر سرعة ومرونة.
وأضاف أن مصر تسعى فى علاقتها بالإمارات لإنشاء مناطق حرة على البحر المتوسط يتم من خلالها نقل وتداول حاويات البترول، وتخزين المواد البترولية، وإقامة صناعات على المواد البترولية، مُشيرًا إلى أن ذلك سيكون له انعكاس كبير على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالقطاعات الاقتصادية بصفة عامة، وفى البترول خصوصًا، لافتًا إلى أنه على مدى عقود ارتبط مفهوم قوة الدولة فى قطاع البترول بحجم الاحتياطيات والإنتاج ومصافى التكرير وشبكات النقل، لكن خريطة الطاقة الحديثة توسع مفهوم القوة البترولية؛ فالدولة التى تستطيع تخزين الخام وتداوله وإعادة تصديره وتقديم الخدمات اللوجستية المُرتبطة به تستطيع تحقيق عوائد حتى من حركة خام ومُنتجات لا تنتجها بنفسها.
اقرأ أيضا: «اليوم العالمي للتراث المغمور بالمياه».. هدية مصر لـ«الدنيا»

تأسيس “الفجيرة العلمين” يُمثل محاولة لتعظيم استغلال البنية الأساسية الموجودة بالفعل بميناء الحمراء، بدلًا من إنشاء منظومة جديدة بالكامل من الصفر، وهذا التوجه يحمل أهمية اقتصادية كبيرة فى ظل ارتفاع تكلفة إنشاء البنية الأساسية للطاقة عالميًا – وفقًا للنائب محمد رشوان عضو مجلس النواب – والذى يُشير إلى حجم النشاط القائم فى ميناء الحمراء، موضحًا تسجيل تداول نحو 74 مليون برميل من الزيت الخام عبر الميناء خلال ا2024 – 2025ب، لافتًا إلى أن هذا الرقم يعكس حجم النشاط والإمكانات المُتاحة، ويؤكد وجود فرص واعدة للتوسع فى أنشطة التخزين والتداول والخدمات اللوجستية المُرتبطة بالبترول، موضحًا أنه بغض النظر عن حجم التوسع الذى سيحققه المشروع فى مراحله المُقبلة، فإن وجود حركة قائمة للخام يمنح المشروع ميزة مُهمة لأنه لا يبدأ من فراغ بل يبنى على نشاط وبنية أساسية وسلاسل إمداد موجودة بالفعل، ومن هنا يُمكن أن تتحول الزيادة بكفاءة التخزين والتداول لزيادة بحجم الأعمال والخدمات المُصاحبة من النقل البحرى لخدمات الموانئ والتأمين والصيانة والتشغيل والخدمات الفنية.
عائد دولارى

الاستثمارات التى ترتبط بقطاع الطاقة والخدمات اللوجستية يُمكن أن تخلق أكثر من قناة للعائد الدولارى سواء من خلال الاستثمارات الأجنبية المباشرة أو الخدمات المقدمة للسفن والشركات أو عوائد التخزين والتداول أو الأنشطة التجارية المُرتبطة بحركة المُنتجات البترولية، وهنا يُشير المُستشار حسين أبو العطا رئيس حزب االمصريينب إلى أن المشروع يمكن أن يسهم فى توفير موارد دولارية وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الوطنى إلى جانب رفع كفاءة سلاسل الإمداد، لافتًا إلى أن الاقتصاد الحديث لا يقيس عوائد الموانئ فقط برسوم العبور وإنما بمُجمل النشاط الاقتصادى الذى ينشأ حول الميناء، فكل شحنة تدخل وتخرج يمكن أن تعنى سلسلة من الخدمات، وكل خزان يتم تشغيله يمكن أن يولد إيرادًا، وكل سفينة تحتاج إلى خدمات يمكن أن تفتح نشاطًا لشركات النقل والصيانة والتموين والتأمين والخدمات البحرية، وبذلك يصبح الميناء مركزًا اقتصاديًا متعدد الأنشطة، لا مجرد نقطة على الخريطة.
أبو العطا يُشير إلى أن المشروع يحمل أيضًا دلالة خاصة بمدينة العلمين الجديدة، التى ارتبط اسمها خلال السنوات الأخيرة بالسياحة والعمران والاستثمار العقارى ولكنها تتجه تدريجيًا لبناء قاعــدة اقتصـاديـة أكــثر تنـوعًا تشمـل الصـناعـة والخدمات واللوجستيات والطاقـة، مُعـــتبرًا أن المشروع يعكس نجاح الرؤية التى تستهدف تحويل العلمين الجديدة والساحل الشمالى من وجهة سياحـــية موســمية لمركـــز اقتصادى ولوجستى وصناعى يعمل على مدار العام، وهذه النقلة مُهمة لأن تنويع الأنشطة الاقتصادية بالمدن الجديدة يرفع قدرتها على خلق فرص العمل ويُقلل من اعتمادها على نشاط اقتصادى واحد ومع وجود ميناء الحمراء ومشروعات الطاقة واللوجستيات، يمكن للعلمين أن تتحول تدريجيًا لنقطة جذب للاستثمارات التى تحتاج لمواقع ساحلية قريبة من الأسواق الأوروبية والعربية والإفريقية.
اقرأ أيضا: عبدالمنعم السيد: «الفجيرة العلمين للنفط والغاز» محور طاقة عالمي يولد إيرادات دولارية لمصر
اقرأ أيضا: هل استعدت «مدارس الثانوي» لاستقبال طلاب «البكالوريا»؟