مصر تقود معركة إنقاذ السلام بغزة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تنتهِ الحرب فى غزة حين هدأت بعض أصوات المدافع، ولم يبدأ السلام بمُجرد الإعلان عن خطة لإنهاء النزاع، فخلف الركام ما زالت هناك عائلات تبحث عن بقايا بيوت، وأطفال يحملون ذاكرة ثقيلة من الخوف والفقد، ومرضى ينتظرون دواءً قد يتأخر وصوله، ومُستشفيات تكافح لتبقى واقفة فى وجه دمار طال الحجر والبشر معًا، وفى كل زاوية من القطاع تبدو آثار الحرب شاهدة على أن الوصول للهدوء لا يعنى بالضرورة الوصول للأمان، وأن الاتفاقات السياسية لا تصبح سلامًا حقيقيًا إلا عندما تتحول لحياة يستعيد فيها الناس أبسط حقوقهم، والآن تبدو غزة أمام مرحلة جديدة لا تقل صعوبة عن سنوات الحرب نفسها؛ مرحلة الانتقال من وقف القتال لتثبيت السلام، ومن إنقاذ الأرواح لإعادة بناء ما دمرته الحرب، ومن إدارة الأزمة الإنسانية لمعالجة جذورها السياسية، وهى مرحلة تزداد تعقيدًا مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، واستهداف المنشآت الصحية والبنية التحتية المدنية، وسقوط المزيد من الضحايا، رغم إقرار خطة إنهاء النزاع والإعلان عن الانتقال لمرحلتها الثانية.

اقرأ أيضا: د. زينب حشيش : أميرات الفراعنة كُنَّ مُحاربات l حوار

بينما كانت الأنظار تتجه لما بعد الحرب وللمرحلة الثانية من خطة إنهاء النزاع بغزة جاءت الوقائع الميدانية لتكشف أن الطريق لا يزال محفوفًا بالعقبات، فالانتهاكات الإسرائيلية لم تتوقف، وفق البيان المشترك الصادر عن وزراء خارجية مصر وقطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية، والذى أدان بأشد العبارات استمرار استهداف المنشآت الصحية والبنية التحتية المدنية وسقوط الضحايا من المدنيين، مؤكدًا أن حماية المدنيين والمرافق الطبية والعاملين فى المجالين الصحى والإنسانى ليست منحة سياسية، وإنما التزام قانونى لا يجوز الانتقاص منه، مُحذرًا من أن استمرار الانتهاكات يقوِّض الجهود الدولية والإقليمية لتنفيذ المرحلة الثانية، ويهدد بإعادة المنطقة لدائرة التصعيد.

الرئاسة الفلسطينية اعتبرت بيان الوسطاء نقطة مُهمة وركيزة يُمكن البناء عليها خلال الفترة المُقبلة، حيث قال الدكتور محمود الهباش مستشار الرئيس الفلسطينى إنه ينبغى ترجمة هذا البيان إلى إجراءات عملية، من خلال متابعة حقيقية من جانب هذه الدول، وجميع الدول والهيئات العربية والإسلامية، لحشد أكبر قدر مُمكن من الدعم والضغط لوقف السياسات الإسرائيلية، التى تغول والانتهاكات والعدوانية المتواصلة بحق الشعب الفلسطينى والمقدسات، والمخالفة الواضحة للقانون الدولى، مُشددًا على أنهم لا يستطيعون وحدهم التصدى للعدوان الإسرائيلى، وأن الإطار العربى والإسلامى يمثل الحاضنة الأساسية للجهد الفلسطينى فى ظل محدودية الإمكانات وعناصر القوة المُتاحة لمواجهة الاحتلال، بينما قالت حركة المقاومة الفلسطينية احماسب، إن البيان يؤكد خطورة ما تقوم به حكومة الاحتلال من تصعيد وانتهاكات تُهدد مستقبل الاتفاق برمته، داعية الدول المُشاركة فى البيان والوسطاء والإدارة الأمريكية، للتحرك العاجل والفاعل لمنع حكومة الاحتلال من إفشال الاتفاق عبر استمرار القتل والعدوان والتنصل من الالتزامات التى يفرضها اتفاق وقف إطلاق النار.

حائط صد

البيان المُشترك جاء فى توقيت بالغ الأهمية، حسبما يُشير الدكتور أحمد سيد أحمد خبير العلاقات الدولية، موضحًا أن هذا التحرك يُمثل حائط صد دبلوماسيا أمام المحاولات الإسرائيلية المُستمرة لعرقلة تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام والتهدئة، مُشيرًا إلى أن البيان يعكس إرادة إقليمية ودولية حازمة لوقف حرب الإبادة والانتهاكات المُمنهجة فى غزة والضفة، مُضيفًا أن إسرائيل تحاول استغلال التوترات الإقليمية، وخصوصًا الصراع االإيرانى ـ الإسرائيلىب، لصرف انتباه المجتمع الدولى عن “المرض الحقيقى” وهو استمرار الاحتلال بفلسطين، مؤكدًا أن كل الأزمات الراهنة هى أعراض لغياب الحل العادل للقضية الفلسطينية، مُشددًا على أن أى استقرار بالمنطقة لن يتحقق إلا بإنهاء العدوان وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وأضاف أن إعلان إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب كان يفترض أن يُمثل نقطة تحول جوهرية بمسار الحرب، فالمرحلة الجديدة لا تقتصر على وقف إطلاق النار، وإنما تمتد لترتيبات إدارة القطاع، ونزع السلاح، ونشر قوة للاستقرار، وبدء إعادة الإعمار، وتهيئة الظروف لعودة السلطة الفلسطينية لممارسة مسئولياتها بغزة، غير أن الانتقال من النصوص للتنفيذ اصطدم بعقبات سياسية وأمنية وميدانية، منوهًا بأن القاهرة أعلنت بوضوح أن الاتفاق لا يُمكن التعامل معه بمنطق الانتقاء، بحيث يجرى التركيز على البنود التى تخدم طرفًا واحدًا وتجاهل البنود الأخرى.

وفى قلب هذا المشهد تقف مصر – التى تحولت منذ اندلاع الحرب لأحد أهم مفاتيح التعامل مع الأزمة – بحكم الجغرافيا والتاريخ والخبرة السياسية والاتصالات المفتوحة مع مُختلف الأطراف، فالقاهرة لم تتعامل مع غزة باعتبارها أزمة إنسانية مُنفصلة، ولا باعتبارها ملفًا أمنيًا محدودًا، وإنما باعتبارها قضية ترتبط مُباشرة بالأمن القومى المصرى، وبمُستقبل الدولة الفلسطينية، وباستقرار المنطقة كلها، وكمـا يُشـير الدكتـور طـارق فهمى أسـتاذ العلــوم السياسية بالجامعة الأمريكية فقد وضعت مصر القضية الفلسطينية فى قلب أجندتها الدولية رغم الانشغالات العالمية بصراعات أخرى، مُشيرًا بالأرقام إلى أن مصر قدمت ما بين 75 لـ80% من المُساعدات الإنسانية التى دخلت القطاع، وتنوعت جهودهــا بين القوافــل البريــة، والإسقاط الجوى للمُساعــدات بالمناطــق المعـزولة بشـمال غــزة، وإنشاء المُستشفيات الميدانية، مؤكدًا أن المُقاربة المصرية ترفض تسييس الإنسانية، وتُطالب بوصول الدعم كحق أصيل للشعب الفلسطينى، مُختتمًا بتأكيده على نجاح الدبلوماسية المصرية فى حشد اعترافات دولية متزايدة بالدولة الفلسطينية، حيث وصل عدد الدول المعترفة بها لـ159 دولة، مُشيرًا إلى أن الضغط المصرى المُستمر نجح فى تغيير مواقف دول أوروبية كبرى كانت حليفة تاريخية لإسرائيل، مما يضع حكومة الاحتلال فى عُزلة دولية مُتزايدة ويجعل من “حل الدولتين” المسار الوحيد القابل للتطبيق لضمان السلم والأمن الدوليين.

هدف ثابت

ويؤكـد السفــير حسـين هــريدى، مُسـاعد وزيـر الخارجية الأسبق أن الموقف المصرى تجاه غزة ظل ثابتًا منذ بداية التحركات الدبلوماسية، ويتمثل فى استكمال تنفيذ الاتفاق، وتثبيت وقف إطلاق النار، ودفع مسار التسوية السياسية، مُشيرًا إلى أن الاجتماعات التى استضافتها القاهرة للفصائل الفلسطينية جاءت ضمن سلسلة تحركات تستهدف تقريب وجهات النظر بين القوى الفلسطينية المختلفة، وهذا الدور يكتسب أهمية مضاعفة لأن مصر لا تتحرك فى فراغ سياسى، وإنما تحاول بناء شبكة ضمانات تجعل الاتفاق قابلًا للاستمرار، فوقف إطلاق النار فى الرؤية المصرية ليس هدفًا نهائيًا، وإنما بوابة لمرحلة أكبر تبدأ بإدخال المساعدات بصورة مُنتظمة، ثم استعادة الحياة الطبيعية، ثم التعافى المُبكر، ثم إعادة الإعمار، بالتوازى مع ترتيب فلسطينى داخلى يتيح عودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى القطاع، ومن هنا ترفض القاهرة أى تصور يفصل غزة عن الضفة الغربية، أو يحول القطاع لكيان مُنفصل سياسيًا وجغرافيًا، لأن مثل هذا السيناريو، فى الحسابات المصرية، لا يعنى حل القضية وإنما إعادة إنتاجها فى صورة أكثر تعقيدًا.

أضـــاف هـــريـــدى أن اســـتـمـرار الســياســـات والمُمارسات الإسرائيلية بغزة يكشف أن مُخطط التهجير القسرى للفلسطينيين لم ينته، حتى مع تراجع الحديث العلنى عنه، موضحًا أن الاعتماد الإسرائيلى المستمر على القوة العسكرية وفرض الأمر الواقع لن يقود إلى الأمن أو الاستقرار، وإنما لدائرة مُفرغة من العنف تُهدد مُستقبل المنطقة بالكامل، مُختتمًا بأن القاهرة لا تنظر إلى منع التهجير باعتباره قضية إنسانية فحسب، وإنما باعتباره شرطًا لحماية الدولة الفلسطينية نفسها ومنع تصفية القضية من خلال تحويل الفلسطينيين للاجئين خارج أرضهم.

الدور المصرى فى غزة لا يبدأ مع الاتفاق الأخير، ولن ينتهى بمجرد تثبيت وقف إطلاق النار، فالقاهرة كانت ولا تزال طرفًا رئيسيًا فى الاتصالات الخاصة بالتهدئة وتبادل الأسرى والمُحتجزين، وفى إدخال المساعدات، والتواصل مع الفصائل الفلسطينية وإسرائيل والولايات المتحدة وقطر، كما استضافت لقاءات مُتكررة للفصائل الفلسطينية بهدف تقريب المواقف والتمهيد لمرحلة سياسية جديدة، وهو ما تؤكده هبة غالى عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، مُشيرة إلى أن الموقف المصرى بقيادة الرئيس السيسى يواصل أداء دوره التاريخى والإنسانى تجاه القضية الفلسطينية، من خلال التحرك السياسى والدبلوماسى المكثف لوقف العدوان، وضمان حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية للقطاع، بجانب العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين للحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار واستكمال مراحله.

اقرأ أيضا: طلاب الدور الثانى بـ«الثانوية» يبحثون عن مدرس خصوصى

وحدة الوسطاء

وثمنت هبة غالى البيان المشترك الصادر عن الوسطاء وبمُقدمتهم مصر، مؤكدة أنه يعكس وحدة موقف الدول الوسيطة وإصرارها على حماية المدنيين والحفاظ على مسار التهدئة، بما يُسهم فى الوصول لوقف دائم لإطلاق النار، مُشددة على أن استهداف المستشفيات والمنشآت الصحية وسقوط المزيد من الضحايا المدنيين، خاصة النساء والأطفال، يُمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولى والقانون الدولى الإنسانى، ويستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا لوقف هذه الانتهاكات ومحاسبة المسئولين عنها، مُشيرة إلى أن البيان حمل رسائل واضحة للمُجتمع الدولى بضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها الواردة باتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أن استمرار الانتهاكات يقوض الجهود التى تبذلها الدول الوسيطة لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، ويُهدد فرص تحقيق التهدئة والاستقرار بالمنطقة.

وعن إعلان حماس والفصائل الفلسطينية موافقتها على خارطة الطريق الخاصة بالمرحلة الثانية قالت عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب إن ذلك يُمثل فرصة حقيقية يجب البناء عليها، وهو ما يتطلب التزامًا مُتبادلًا من جميع الأطراف، خصوصًا الجانب الإسرائيلى لتنفيذ بنود الاتفاق وعدم اتخاذ إجراءات من شأنها تعطيل مسار السلام، مُختتمة بأهمية الدعوة التى تضمنها البيان المشترك لتوفير الحماية الكاملة للمدنيين والمنشآت الطبية والعاملين فى المجال الإنسانى، وضمان دخول المساعدات والإمدادات الطبية لجميع أنحاء غزة دون عوائق، مؤكدة أن استمرار الحصار والقيود المفروضة على المساعدات يُفاقم الكارثة الإنسانية التى يعيشها سكان القطاع. 

اقرأ  أيضا: مجلس السلام: خطة ترامب بشأن غزة لا تزال سارية وتتقدم بشكل كبير رغم رفض نتنياهو الانسحاب

اقرأ أيضا: يجسد أروع قيم التسامح والتعايش .. «جامع باسيلى» تحفة معمارية فى قلب الإسكندرية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً