لعقود طويلة ظلت صورة أميرات مصر القديمة حبيسة إطار تقليدى رسمته بعض الدراسات الأثرية القديمة؛ أجساد رقيقة تحيط بها الحلى والمجوهرات، وأسلحة تُكتشف فى المقابر باعتبارها مجرد رموز جنائزية أو مقتنيات للزينة فى العالم الآخر.. لكن ثورة علمية جديدة قادتها دراسات علم آثار العظام اBioarchaeologyب جاءت لتعيد قراءة التاريخ من جديد، وتكشف أن خلف تلك الصورة النمطية كانت هناك نساء يتمتعن بالقوة البدنية والمهارة، ويمارسن أنشطة تتطلب تدريبًا شاقًا واستخدامًا فعليًا للأسلحة.
اقرأ أيضا: طلاب الدور الثانى بـ«الثانوية» يبحثون عن مدرس خصوصى
فمن خلال فحوص الأشعة السينية والتحليل التشريحى الدقيق لهياكل عظمية تعود لأميرات وملوك من عصر الدولة الوسطى عُثر عليها أسفل أهرامات دهشور كشفت الدكتورة زينب حشيش أستاذ الآثار المصرية القديمة المساعد بجامعة بنى سويف ومدير مشروع توثيق ودراسة البقايا العظمية والمحنطة بالمتحف المصرى بالتحرير ــ وفريقها البحثى ــ عن أدلة بيولوجية تشير إلى ممارسة الأميرات تدريبات بدنية مرتبطة باستخدام القوس والسهم.

علامات الإجهاد العضلى والتغيرات التشريحية والإصابات الملتئمة لم تكن مجرد تفاصيل عابرة، بل أصبحت بمثابة بصمة حركية تكشف جانبًا جديدًا من حياة الأميرات، وتعيد النظر فى الدور الذى لعبته المرأة داخل البلاط الملكى المصرى. الأميرات إيتا وإيتاورت وخنمت ونوب حتب لم يكنَّ مجرد صاحبات تيجان ومجوهرات، بل حملت عظامهن أدلة على نشاط بدنى قوى ومهارات ارتبطت بالقوس والصيد والتدريب الملكى.
وفى هذا الحوار نفتح مع الدكتورة زينب حشيش ملف رفات دهشور المكتشفة منذ أكثر من قرن، ونتعرف على كيف استطاعت الأدوات العلمية الحديثة إسقاط بعض التصورات القديمة، وتحويل الأسلحة التى اعتُبرت يومًا احليًا جنائزيةب إلى أدلة حية ترسم صورة مختلفة لقوة المرأة المصرية القديمة.

بدايةً.. لسنوات طويلة تعامل بعض علماء الآثار فى القرن التاسع عشر مع الأسلحة المُكتشفة فى مقابر النساء باعتبارها رموزًا أو أدوات زينة جنائزية.. كيف استطاعت الأشعة السينية والتحليلات البيوآركيولوجية إثبات أنها كانت أدوات حقيقية للممارسة؟
ـ كان هناك بالفعل نوع من التحيز فى قراءة المكتشفات الأثرية خلال تلك الفترة، إذ كان بعض الباحثين ينظرون إلى الأدوات من خلال تقسيم تقليدى بين مــا هـــو ذكــورى ومــا هـــو أنثــوى، فالسلاح مثل القوس أو السيف أو الصولجان، كان يُربط تلقائيًا بالرجل والمحارب، بينما كانت الحلى والإبر والأوانى تُصنف باعتبارها أدوات مرتبطة بالنساء، لذلك عندما كان يُعثر على سلاح فى قبر رجل، كان التفسير المباشر أنه محارب، أما إذا وُجد السلاح نفسه فى مقبرة امرأة، فكان يُنظر إليه باعتباره قطعة رمزية أو زينة جنائزية، وكأن وجود السلاح بجوار المرأة لا يمكن أن يعنى أنها استخدمته بالفعل! ومن الأمثلة الواضحة على هذا النوع من التحيز ما حدث مع الملكة إعح حتب، فعندما عُثر معها على أسلحة وأوسمة عسكرية، حاول بعض الباحثين تفسيرها باعتبارها مقتنيات رمزية، رغم أن الأدلة كانت تشير إلى مكانتها القيادية. وفى عام 1914، عندما عُثر على رأس صولجان فى قبر امرأة بمنطقة أبيدوس، وصفه أحد العلماء بأنه “شىء يشبه الصولجان”، وكأنه يتجنب الاعتراف بأنه سلاح حقيقى لمجرد أنه وُجد مع امرأة، أما فى دراستنا فقد اعتمدنا على منهج علمى بعيد عن أى افتراضات مسبقة، من خلال فحص الهياكل العظمية باستخدام الأشعة السينية، ودراسة تأثير العضلات على شكل العظام، وتحليل التغيرات التى طرأت عليها نتيجة النشاط البدنى خلال حياة هؤلاء الأميرات.
وقد ركزنا على عدة مؤشرات، أهمها التغيرات فى شكل العظام ومواقع ارتباط الأوتار والعضلات، درجة قوة العضلات وعدم التماثل بين الأطراف، وإعادة بناء الحركات التى كان يؤديها الشخص خلال حياته، وعند فحص عظام اليدين والقدمين ظهرت نتائج مهمة، منها وجود اختلاف واضح فى قوة الأطراف، وظهور تضخم فى مناطق اتصال الأوتار بالعظام، وهى علامات لا تظهر إلا نتيجة استخدام العضلات بكثافة ولسنوات طويلة، وهذا يؤكد أننا أمام نشاط بدنى منتظم وقوى، وليس مجرد أعمال يومية عادية.
هل يمكن اعتبار هذه الأدلة إثباتًا أن الأميرات كنَّ محاربات شاركن فى الحروب؟
ـ علينا أن نكون دقيقين فى تفسير النتائج، الأدلة المتاحة حتى الآن تؤكد أن هؤلاء النساء مارسن أنشطة بدنية عالية الكثافة مرتبطة باستخدام الأسلحة، مثل القوس والسهم، وربما الصيد أو التدريبات أو الطقوس التى تتطلب مهارات قتالية، لكن لا توجد حتى الآن أدلة عظمية أو أثرية قاطعة تثبت مشاركتهن فى معارك حقيقية، فالإصابات التى رصدناها فى العظام لا تشبه إصابات الحروب المباشرة، مثل الجروح الناتجة عن الطعن أو القطع، وإنما تتوافق أكثر مع السقوط أو الارتطام أو الإجهاد الناتج عن أنشطة بدنية شاقة، لذلك فالصورة الأدق أنهن كن رياضيات ملكيات مدربات يمتلكن مهارات استخدام السلاح، وليس بالضرورة محاربات شاركن فى ساحات القتال.
عادة ما تظهر أميرات الدولة الوسطى فى الخيال العام بصورة ناعمة مرتبطة بالجمال والمجوهرات.. هل نحن أمام إعادة كتابة لدور المرأة الملكية فى مصر القديمة؟
ـ بالتأكيد نحن أمام إعادة قراءة لدور النساء فى المجتمع الملكى المصرى القديم، هذه الدراسة تنقلنا من صورة المرأة التى تختزل فى الجمال والزينة فقط، إلى صورة أكثر تكاملًا؛ امرأة تمتلك المهارة والقوة والقدرة على ممارسة أنشطة بدنية تحتاج إلى تدريب وانضباط، فعلى سبيل المثال رصدنا لدى الأميرتين خنمت وإيتاورت تغيرات واضحة فى مناطق ارتباط الأوتار بالعظام، خاصة فى الساعد، وهى مناطق ترتبط بشكل مباشر بحركة شد القوس واستخدامه، كما وجدنا علامات فى المفصل السفلى للساق تتوافق مع وضعية القرفصاء، وهى وضعية ترتبط باستخدام القوس أثناء الصيد أو التدريب، وفى علم آثار العظام، لا ننظر إلى علامة واحدة بمعزل عن باقى الأدلة، وإنما نبحث عن مجموعة من المؤشرات المتوافقة، وعندما نجد تغيرات فى الأطراف العليا، مع وجود أسلحة داخل المقبرة، ومعرفة هوية هؤلاء النساء كأميرات، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحًا.
ذكرتِ فى الدراسة أن الأميرة “إيتا” والأميرة “إيتاورت” أظهرتا علامات ارتباط عضلى قوية فى الجزء العلوى من الجسد.. ما العضلات التى كشفت عن الممارسة المعتادة للسلاح؟ وكيف ميزتم بينها وبين الإجهاد الناتج عن الأنشطة اليومية؟
ـ عند دراسة الهيكل العظمى للأميرة إيتاورت رصدنا مجموعة من العلامات التشريحية المهمة التى ترتبط بميكانيكا استخدام القوس والسهم، خاصة فى الجزء العلوى من الجسد، فقد ظهرت تغيرات واضحة فى مناطق ارتباط العضلات والأوتار، من بينها العضلات المسئولة عن تدوير الساعد وشد الوتر، حيث ظهر تضخم فى مناطق ارتباطها بالعظام، وهو ما يتوافق مع الحركة المتكررة لسحب القوس، وعضلات الصدر والكتف والدالية المرتبطة بتثبيت الذراع والتحكم فى حركة القوس، والأربطة المرتبطة بمفصل الكتف، والتى أظهرت قوة ومتانة تدعم نمط الحركة الخاص بالرماية.
أما الأميرة إيتا فقد ظهرت لديها علامات تشير إلى الاستخدام القوى والدقيق لليد، ومنها قوة واضحة فى مناطق ارتباط عضلات الساعد، وتغيرات تتوافق مع الإمساك المستمر بمقبض السلاح، وتطور فى العضلات المسئولة عن القبض والتحكم الدقيق.
لكن السؤال الأهم كان: كيف نميز هذه العلامات عن التأثير الناتج عن أعمال يومية مثل النسيج أو إعداد الطعام؟ الإجابة تكمن فى طبيعة البصمة العظمية نفسها، فبعض التغيرات مثل انحناء ما يُعرف بــقبضة الرامى لا ينتج عن الأعمال المنزلية، بل يرتبط بحركة محددة ومتكررة لسحب وتر القوس، كذلك لاحظنا وجود عدم تماثل بين جانبى الجسم، حيث كانت العلامات أكثر وضوحًا فى الطرف المسيطر، وهو أمر يتفق مع استخدام السلاح، بينما الأعمال اليومية غالبًا ما تترك تأثيرًا أكثر توازنًا بين الجانبين. إضافة إلى ذلك، فإن وجود الأسلحة نفسها داخل المقابر يعزز هذا التفسير، فلدينا هنا توافق بين الدليل الأثرى والدليل البيولوجى، وهو ما يجعل فرضية الاستخدام الفعلى للسلاح أكثر قوة.
تحدثتِ عن وجود انحناء فى عظمة إصبع الأميرة نوب حتب.. كيف كشف هذا الانحناء عن علاقتها بالقوس والسهم؟
ـ الأميرة نوب حتب قدمت لنا نموذجًا مهمًا جدًا، فقد لاحظنا وجود انحناء غير طبيعى فى إحدى عظام أصابع اليد اليمنى، فى البداية كان هناك أكثر من احتمال؛ هل هو تشوه خلقى؟ هل هو نتيجة إصابة قديمة؟ أم أنه تغير حدث بسبب استخدام متكرر لليد؟ لذلك لجأنا إلى الأشعة السينية، والتى أكدت أن هذا التغير ليس ناتجًا عن كسر قديم أو تشوه خلقى، وإنما هو تغير وظيفى مرتبط بطريقة استخدام اليد، وهنا ظهر مفهوم قبضة الرامى، وهى حالة تنتج عن الضغط المستمر والمتكرر على اليد أثناء الإمساك بالقوس وشد الوتر لفترات طويلة، والأكثر أهمية أن هذا الاكتشاف لم يأت منفردًا، بل تزامن مع العثور على أقواس وسهام ضمن محتويات المقبرة، وهو ما شكل رابطًا قويًا بين شكل العظام والأداة الأثرية، فالعظام هنا لم تكن مجرد بقايا صامتة، بل أصبحت وثيقة تاريخية تكشف لنا ما كانت تفعله هذه المرأة خلال حياتها.
العثور على إصابات ملتئمة فى عظام بعض الأميرات.. هل يشير إلى مشاركتهن فى معارك، أم أنها نتيجة التدريب والصيد؟
ـ طبيعة الإصابات التى رصدناها تعطينا إجابة واضحة إلى حد كبير، هذه الإصابات عبارة عن كسور ناتجة عن السقوط أو الارتطام، وهى تختلف تمامًا عن إصابات المعارك التى تترك عادة آثارًا واضحة مثل الجروح القطعية أو الطعنات المباشرة على العظام، ما وجدناه يتوافق أكثر مع أنشطة تحتاج إلى مجهود بدنى مرتفع، مثل التدريب الرياضى العنيف، والصيد الملكى، وبعض الطقوس التى تتطلب حركة جسدية قوية. كما وجدنا بعض علامات الإجهاد الناتجة عن الضغط الميكانيكى المتكرر، وهو ما يشير إلى نمط حياة نشط ومنضبط. والأهم أن هذه الكسور التئمت بشكل جيد جدًا، دون تشوهات أو التهابات، وهو ما يعكس وجود مستوى متقدم من الرعاية الطبية الملكية آنذاك، لذلك فإن الأدلة لا ترسم صورة أميرات محاربات خضن حروبًا، وإنما تكشف عن صورة أكثر دقة نساء من الطبقة الملكية امتلكن تدريبًا بدنيًا ومهارات استخدام للسلاح ضمن سياق ملكى ورياضى وصيدى.
بالنسبة للأميرة “خنمت“، رغم احتفاظها بعلامات ارتباط عضلى قوية، لوحظ وجود ترقق فى العظام.. كيف تفسرين استمرار هذه البنية العضلية رغم المرض أو التقدم فى العمر؟
ـ حالة الأميرة خنمت تحمل لنا نموذجًا مهمًا لفهم تأثير الزمن على الجسد، التفسير الأقرب هو أنها بدأت ممارسة هذه الأنشطة منذ سن مبكرة، وهى مرحلة يكون فيها الجسم أكثر قدرة على التكيف، فتترك التدريبات الطويلة آثارًا دائمة على سطح العظام ومواقع ارتباط العضلات، وعندما حدث ترقق العظام تأثرت الكثافة الداخلية للعظام، لكن العلامات الخارجية المرتبطة بالعضلات ظلت موجودة، لأنها كانت نتيجة سنوات طويلة من التدريب وليست نشاطًا مؤقتًا، بمعنى آخر حمل جسد خنمت أثر مرحلتين مختلفتين، قوة السطح الناتجة عن سنوات التدريب، وضعف الداخل الناتج عن التقدم فى العمر أو الحالة الصحية، كما لاحظنا وجود عقيدات شمورل فى العمود الفقرى مع بقاء المفاصل فى حالة جيدة، وهو ما يتوافق أكثر مع حركات منضبطة ومتكررة مثل الرماية، وليس مع أعمال بدنية شاقة تؤدى إلى تآكل المفاصل، وعندما اكتُشفت مجموعة رفات دهشور عام 1895 خضعت لفحوص أولية وجزئية فقط، فقد قام أحد المتخصصين فى علم التشريح دانيال فوكيه بفحص بعض البقايا، ثم جاء إليوت سميث عام 1906 لدراسة الجماجم، وبعد وفاة فوكيه قامت زوجته بإهداء المتحف صندوقين يحتويان على هذه الرفات عام 1916، وظلت محفوظة بعد ذلك لسنوات طويلة دون دراسة تفصيلية، حتى جاء مشروع التعاون بين المتحف المصرى بالتحرير وجامعة بنى سويف لتوثيق ودراسة البقايا العظمية والمحنطة الموجودة فى بدروم المتحف. وهنا بدأت مرحلة جديدة، إذ أُعيد فحص هذه المجموعة بعد أكثر من 130 عامًا من اكتشافها، باستخدام أدوات وتقنيات لم تكن متاحة للباحثين الأوائل.
هل يمكن اعتبار تدريب الأميرات على الأسلحة والمقلاع أو القوس جزءًا من دور أمنى أو دفاعى لنساء البلاط؟
اقرأ أيضا: يجسد أروع قيم التسامح والتعايش .. «جامع باسيلى» تحفة معمارية فى قلب الإسكندرية
ـ تدريب الأميرات على الأسلحة فى دهشور لا يبدو ظاهرة منفصلة، بل يأتى ضمن سياق أوسع من الأدلة التى تشير إلى معرفة النساء الملكيات باستخدام أدوات القوة والقتال الرمزى أو التدريبى عبر العصور المصرية القديمة، لدينا على سبيل المثال مناظر من الدولة القديمة فى مقبرة بمنطقة دشاشة فى بنى سويف تظهر مشاركة النساء مع الرجال فى الدفاع عن مدينتهن، وهو ما يشير إلى أن ارتباط المرأة بالسلاح لم يكن أمرًا مستبعدًا فى المجتمع المصرى القديم، كما توجد شواهد على تدريب أبناء النخبة الملكية على فنون القتال والرماية، مثل المناظر التى تصور أبناء الملك ساحورع من الأسرة الخامسة أثناء ممارسة التدريب على الرماية، وهو ما يعكس وجود تقليد ملكى لتعلــيم مهارات القتال، ولا يمكـن فصــل ذلك عن نماذج ملكية لاحقــة لنسـاء ارتبطن بالقوة والقــيادة، مثل الملكــــة إعـــح حـــتب التى عُثر معها على أوسمة عسكرية وأسلحة ارتبطت بدورها القيادى، والملكة نفرتيتى التى ظهرت فى بعض المناظر ذات الطابع الطقسى والملكــى المرتبــط بالقــوة، والملكــة حتشبسـوت التى ورد فى نصوصها ما يشير إلى استخدامها للقوس فى سياقات عسكرية، والملكة تاوسرت التى ظهرت فى مناظر تطلق السهام من على عربة حربية. وهذا كله يؤكد أن صورة المرأة الملكية فى مصر القديمة كانت أكثر تعقيدًا من اختزالها فى الجمال والزينة فقط.
ما الخطوة القادمة للفريق البحثى؟ وهل هناك خطة لتوسيع الفحوص لتشمل مناطق أخرى مثل سقارة؟
ـ بالفعل نعمل على استكمال هذا النوع من الدراسات، وهو مجال يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، لأن كل مجموعة عظمية تحمل معلومات مختلفة تحتاج إلى تحليل دقيق، نعمل حاليًا على دراسة المزيد من الرفات الخاصة بالنساء فى مناطق مختلفة من وادى النيل والنوبة، وهناك نتائج جديدة سيتم الإعلان عنها قريبًا بإذن الله، فالهدف ليس فقط دراسة حالة فــردية، وإنمــا إعـادة بناء صورة أكثر شمولًا لحياة المرأة المصــرية القديمـــة، مـــن خــــلال الأدلة العلمية المباشرة.

ما طبيعة التحديات التى واجهتكم أثناء دراسة عظام دهشور؟ وهل أثرت حالة الحفظ على النتائج؟
ـ بالتأكيـــد لا يمكــن تجــاهــل أن حــالة حــفظ المجموعــة العظــمـية لأمـــيرات دهشـــور ليســت مثالية، فقد تعرضت هذه البقايا لعوامل متعددة من التلف والفقدان عبر آلاف السنين، سواء بسبب عوامل البيئة أو عمليات التنقيب القديمة، ونسبة العظام المتبقية من كل هيكل عظمى تراوحت تقريبًا بين 22% و50% فقط، وهى نسبة محدودة مقارنة بالهيكل الكامل، كما أن غياب الجماجم بشكل كامل عن البقايا المكتشفة حتى الآن يمثل تحديًا مهمًا، لأن دراسة الجمجمة والأسنان كانت ستمنحنا معلومات إضافية عن الهوية، والصحة، والتغذية، وبعض التفاصيل البيولوجية الأخرى. لكن رغم هذه التحديات، اعتمدنا على الأدلة المتاحة، مع الالتزام بالدقة العلمية وعدم تجاوز ما تسمح به النتائج.
هل اعتمدتم على تقنيات المسح ثلاثى الأبعاد؟ وهل هناك نية لإجراء تحليلات الحمض النووى القديم والنظائر المشعة؟
ـ فى هذه المرحلة لم نستخدم تقنيات المسح ثلاثى الأبعاد (3D Surface Scanning)، لكـننـــا نــــدرس تـوســــيـــع نطــاق الأدوات المستـخـــدمـــة مستقـــبلًا، أمــــا بالنسبة لتحليلات الحمـض النـــووى القديم (aDNA) وتحليل النظائر المشـــــعـــــــة (Isotope Analysis) فهـــناك بالفعــل خطــة لإجــرائهـا بعــد الحصـــول عـلـــى الموافقــــات اللازمـــة، هــــذه التحليـــلات يمكـــن أن تســاعـــدنا فى معـرفـة معلومـات مهمـة، مـثل صــلات القرابة الدقيقة، والنظام الغذائى، وأنماط الحياة، بما يضيف طبقات جديدة لفهم هذه الشخصيات التاريخية.
كيف كانت ردود الأفعال الأكاديمية على هذا الكشف؟
ـ كانت ردود الأفعال واسعة جدًا، سواء من الباحثين فى مصر أو من علماء الآثار فى الخارج، تواصل معى عدد كبير من الأساتذة والباحثين للتهنئة، لأن هذه الدراسة أجابت عن أسئلة ظلت مطروحة لفترة طويلة حول وظيفة الأسلحة التى عُثر عليها مع الأميرات، وهل كانت مجرد رموز أم أدوات مستخدمة بالفعل، كما أن إعادة اكتشاف هذه الرفات بعد أكثر من قرن جعلت المشروع يحظى باهتمام إعلامى واسع، لأننا لا نقدم مجرد قصة أثرية، بل نضيف معلومات جديدة إلى التاريخ، واللافت أن الاهتمام لم يقتصر على المتخصصين فقط، بل إن الجمهور العادى تابع الكشف بشغف، لأنه يغير الصورة التقليدية عن المرأة المصرية القديمة، ويكشف جانبًا جديدًا من قوتها ودورها.
اقرأ أيضا: زاهي حواس يكشف حقيقة مشاركته فى رحلات «VIP» لمقابر الفراعنة
اقرأ أيضا: ليس نجما عاديا.. ما رصده “جيمس ويب” في فجر الكون صدم علماء الفلك | علوم