على مدار عقود طويلة، لم تتغير القاعدة الأساسية في عالم النصب، حتى وإن تغيرت الأدوات والملابس والوسائل والأرقام، النصاب المحترف لا يبدأ مهمته بالبحث عن أموال ضحيته، وإنما يبحث أولًا عن نقطة الضعف التي يمكن أن يدخل منها إلى عقله، ثم يمنحه ما يبحث عنه: فرصة، أو حلمًا، أو ربحًا سريعًا، أو نفوذًا، أو حتى مخرجًا من أزمة يعتقد أنه لا يملك لها حلًا. وبمجرد أن تنجح الحيلة الأولى، تصبح الأموال هي الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الإقناع والخداع.
اقرأ أيضا: المحتالون وجوه مزيفة وجرائم حقيقية .. نصابو المدى الطويل
وبين نصاب يبيع «ترامًا» لا يملكه، ورجل استطاع أن يدخل عالم توظيف الأموال ويجمع مليارات الجنيهات، تتكشف حكايتان من أشهر حكايات النصب التي عرفتها مصر، وتكشفان في الوقت نفسه كيف يمكن للنصاب أن يحول احتياج الإنسان إلى فخ؟ وكيف يمكن لكلمة أو وعد أو مظهر زائف أن يجعل الضحية يسلم أمواله بنفسه، وهو يعتقد أنه أمام فرصة لا تتكرر؟
البداية كانت في أربعينيات القرن العشرين، عندما وقف شاب يدعى «رمضان أبو زيد العبد»، وكان يبلغ من العمر 27 عامًا، في أحد شوارع القاهرة ينتظر الترام رقم 30 بالقرب من شارع قصر العيني، لم يكن الرجل يعلم أن الدقائق القليلة التي ستمر عليه في ذلك المكان ستقوده إلى واحدة من أغرب عمليات النصب التي ستظل حاضرة في كتب وحكايات الجرائم لسنوات طويلة، ليس فقط بسبب قيمة المبلغ الذي استولى عليه، وإنما بسبب الشيء الذي نجح في بيعه لضحيته.
في ذلك اليوم، اقترب من «رمضان العبد» فلاح بسيط يدعى «حفظ الله سليمان»، كان قد جاء إلى القاهرة بحثًا عن عمل بعد أن ضاقت به فرص العمل في بلدته، وكان يحمل معه مبلغًا من المال، يأمل أن يبدأ به مشروعًا صغيرًا يضمن له مصدرًا للرزق، سأل الفلاح الرجل عن موعد وصول الترام، فأجابه، ثم أعطاه سيجارة، لتبدأ بين الاثنين محادثة عادية في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى «رمضان» كانت فرصة للتعرف على الرجل ومعرفة ظروفه وما يحمله من أموال.
وخلال الحديث، عرف النصاب أن الرجل جاء إلى القاهرة بحثًا عن فرصة، وأن معه مبلغا من المال يمكن أن يبدأ به مشروعًا جديدًا، كانت تلك المعلومة هي أهم ما يحتاجه «رمضان» قبل أن يبدأ في نسج خطته، أخذ يعرض على الفلاح بعض الأفكار والمشروعات التي يمكن أن يستثمر فيها أمواله، لكن الرجل لم يقتنع، وكادت الخطة أن تتوقف قبل أن تبدأ.
إلا أن الصدفة تدخلت في اللحظة المناسبة بالنسبة إلى النصاب، وصل الترام رقم 30، وكان مزدحمًا بالركاب، فنظر «حفظ الله» إلى الترام وأبدى ملاحظته على كثرة الركاب، وهنا وجد «رمضان» المدخل الذي يبحث عنه، فألقى أمامه فكرة تبدو للوهلة الأولى غير قابلة للتصديق: لماذا لا يشتري الترام؟
ربما كان من المفترض أن تنتهي الحكاية بمجرد سماع هذه الجملة، لكن النصاب كان قد نجح في بناء الثقة خطوة وراء خطوة، كما أن الضحية كان يبحث بالفعل عن مشروع يضع فيه أمواله، وبشكل يصعب تصوره اليوم، لم يرفض الرجل العرض، وإنما وافق على شراء الترام.
انتقل الطرفان إلى مكتب محامٍ يعمل به أحد معارف النصاب، وهناك جرى إعداد العقود الخاصة بالصفقة، وتحدد ثمن الترام بـ200 جنيه، دفع «حفظ الله» 80 جنيهًا، وهي كل الأموال التي كانت بحوزته تقريبًا، بينما حرر النصاب على باقي المبلغ، وقدره 120 جنيهًا، كمبيالات، وبذلك خرج الفلاح من مكتب المحامي وهو يعتقد أنه أتم صفقة تجارية حقيقية، وأنه أصبح مالكًا لمشروع كبير يستطيع من خلاله تحقيق دخل يومي من ركاب الترام.
ولم يكتف «رمضان» بمجرد تحرير الأوراق، وإنما أراد أن يمنح الخدعة شكلًا واقعيًا حتى اللحظة الأخيرة، توجه مع الفلاح إلى ميدان العتبة، واستقلا الترام نفسه الذي قيل له إنه أصبح مالكه، اقترب النصاب من الكمسرى وأعطاه قرشًا، ثم أوصاه بالفلاح الذي كان برفقته، وأخبره أنه سينزل في نهاية الخط، وطلب منه أن يعامله بشكل جيد.
ثم عاد إلى «حفظ الله» وأخبره أنه في نهاية الرحلة يستطيع الحصول على متحصلات الأجرة من الكمسرى، وطلب منه أن يراقب الركاب أثناء دفع الأجرة، بالنسبة إلى الفلاح، كانت الصورة تبدو مكتملة؛ الترام أمام عينيه، والركاب يدفعون الأجرة، والكمسرى يعرف الرجل الذي يعتقد أنه مالك وسيلة النقل.
لم يكن يعلم أنه يقف داخل الفخ الذي صنعه النصاب بإتقان.
وعندما وصل الترام إلى نهاية الخط، توجه الكمسرى إلى «حفظ الله» وطالبه بالنزول، لكن الرجل فاجأه بطلب الحصول على متحصلات الرحلة باعتباره مالك الترام الجديد، لم يفهم الكمسرى ما يقوله الرجل، وبدأت حالة من الشد والجذب بينهما، بعدما اعتقد أحدهما أنه أمام شخص يتصرف بصورة غير طبيعية، بينما ظن الآخر أن هناك محاولة للاستيلاء على حقه.
انتهت المشادة داخل قسم الشرطة، وهناك بدأت الحقيقة تظهر، الفلاح لم يشترِ ترامًا، ولم يكن الرجل الذي باعه له مالكًا لأي شيء، وكل الأوراق التي حررت لم تكن سوى جزء من الخطة التي أعدها النصاب لإقناع ضحيته بأن الصفقة حقيقية.
ولم يكن الوصول إلى «رمضان أبو زيد العبد» صعبًا على رجال الشرطة، خاصة أن سجله السابق كان معروفًا لديهم، ألقي القبض عليه، وتمت مواجهته بـ«حفظ الله» الذي تعرف عليه واتهمه بالنصب والاحتيال والاستيلاء على مبلغ 80 جنيهًا مقابل بيع الترام، لتنتهي القضية بصدور حكم بحبسه عامين ونصف العام.
لكن الغريب أن هذه القضية لم تختف بانتهاء الحكم، وإنما تحولت إلى واحدة من أشهر قصص النصب في القرن العشرين، وتناولت مجلة «لندن» المصورة تفاصيل الواقعة عام 1948، ثم انتقلت القصة بعد سنوات من صفحات الحوادث إلى السينما، عندما تحولت إلى فيلم «العتبة الخضراء» الذي أنتج عام 1959، وقام ببطولته الفنانان الراحلان أحمد مظهر وإسماعيل ياسين.
وبينما كانت حيلة «رمضان العبد» تقوم على استغلال بساطة رجل جاء إلى القاهرة بحثًا عن مشروع، كان عالم النصب يتجه بعد سنوات إلى مرحلة أكثر اتساعًا، لم يعد فيها النصاب بحاجة إلى الوقوف في الشارع وانتظار ضحية يحمل المال في جيبه، أصبح بإمكانه أن يبني كيانًا كاملًا، ويقدم نفسه أمام الناس باعتباره صاحب مشروع أو رجل أعمال، ويعدهم بأرباح تجعلهم يسلمونه مدخراتهم بإرادتهم.
توظيف الأموال
وهنا تبدأ حكاية أخرى من أشهر حكايات النصب في مصر، حكاية أحمد عبد الفتاح، المعروف باسم «الريان»، التي ارتبطت بظاهرة شركات توظيف الأموال التي انتشرت في مصر خلال فترة كانت فيها قطاعات من المواطنين تبحث عن وسيلة تحقق لهم عائدًا أكبر على مدخراتهم.
استطاعت شركات توظيف الأموال أن تجذب أعدادًا كبيرة من المواطنين من خلال تقديم وعود بعوائد وأرباح تفوق ما اعتاده الناس في المؤسسات المصرفية، واستفادت من رغبة المواطنين في استثمار أموالهم وتحقيق دخل أفضل. ومع اتساع دائرة الثقة، بدأت الأموال تتدفق، وكل شخص يرى غيره يضع أمواله ويحصل على عائد كان يشعر بمزيد من الاطمئنان، حتى أصبحت الثقة نفسها وسيلة لجذب ضحايا جدد.
اقرأ أيضا: حمّامات السباحة.. بيزنس الصيف ومخاطر الغرق
وكان «الريان» أحد أشهر الأسماء التي ارتبطت بهذه الظاهرة، بعدما تمكن من جمع أموال ضخمة من المواطنين، حتى بلغ حجم الأموال التي ارتبطت بالقضية نحو 3 مليارات و280 مليون جنيه، وفق ما ورد في الروايات المتعلقة بالقضية.
لكن كما يحدث في كثير من عمليات النصب، تأتي اللحظة التي لا يستطيع فيها النصاب الاستمرار في الوفاء بوعوده، وتبدأ الأسئلة في الظهور، ثم الشكاوى، ثم البلاغات، ويكتشف الضحايا أن الأموال التي وضعوها بحثًا عن الأرباح أصبحت موضع أزمة.
في عام 1989 ألقت الأجهزة الأمنية القبض على «الريان» في قضية توظيف الأموال الشهيرة، وصدر بحقه حكم بالحبس لمدة 15 عامًا. أمضى سنوات طويلة خلف القضبان، وظلت قضيته واحدة من أشهر القضايا المرتبطة بتوظيف الأموال في مصر.
وبعد سنوات طويلة خلف القضبان، خرج «الريان» من السجن بعد رحلة امتدت لنحو 21 عامًا، ليبقى اسمه مرتبطًا في ذاكرة المصريين بواحدة من أكبر وأشهر قضايا توظيف الأموال التي شهدتها البلاد.
وفي السنوات الأخيرة ظهرت وقائع أكثر تعقيدًا، من بينها وقائع انتحال صفات رسمية، ومنها واقعة القاضي المزيف التي كشفت كيف يمكن لبعض المحتالين أن يستغلوا هيبة الوظائف القضائية والصفات الرسمية في التأثير على ضحاياهم. فمجرد أن يقدم شخص نفسه باعتباره قاضيًا أو مسؤولًا أو صاحب نفوذ يمكن أن يغير طريقة تعامل الضحية معه، ويجعله يتخلى عن الأسئلة التي كان من الممكن أن يطرحها لو تعامل مع شخص عادي.
ولهذا فإن تطور النصب عبر السنوات لم يغير جوهر الجريمة، وإنما غير شكلها فقط. بالأمس كان النصاب يبيع ترامًا لا يملكه، وبعد سنوات أصبح يجمع مليارات تحت غطاء الاستثمار، واليوم يمكن أن ينتحل صفة قاضى أو مسؤول، أو يستخدم هاتفًا وحسابًا وهميًا للوصول إلى ضحية لم يلتقى بها من قبل.
اقرأ أيضا: خرافة الثروة الخيالية.. جرائم المستريحين تسرق أموال المخدوعين
اقرأ أيضا: أبرز مسببات حرائق الصيف .. «التكييفات المستعملة» قنابل موقوتة فى البيوت