يصلح النهر كمدخل لفهم العلاقات والروابط التاريخية بين الحضارتين المصرية والصينية، فكلاهما نشأ على ضفاف النيل واليانجستى وتأثرت شعوبها بثقافة الأنهار والمعروفة بصفات الصبر، وقوة التحمل، والبناء المستمر، وهى قواعد بيئية فرضتها طبيعة الأنهار نفسها.
اقرأ أيضا: صحيفة إسرائيلية: حماس ترفض تسليم سلاحها وكوشنر محبط من نتنياهو | أخبار
لم تكن هذه الصفات مجرد ثوابت أخلاقية، بل استراتيجية بقاء أساسية تحولت مع الوقت إلى جينات ثقافية تشكل شخصية هذه الشعوب، فالنهر هو مدرسة «الصبر» فى انتظار المواسم الزراعية وارتبط هذا الانتظار بظواهر فلكية ومناخية لا يمكن تعجيلها، مما غرس فى وجدان هذه الشعوب مفهوم «الصبر الاستراتيجى»، فالطبيعة لها توقيتها الخاص ولا سبيل أمام الإنسان سوى احترامها.
وكانت تقلبات المزاج النهرى خلال أوقات الفيضان والجفاف هى المدرسة التى علّمت المصرى والصينى القديم أهمية الادخار والثقة فى المستقبل، فالنهر مهما تقلبت أحواله سيعود حتمًا للعطاء.
شق الترع وتوجيه المياه غرس فى شعوب الأنهار قيمة العمل الجماعى وقوة التحمل، كما عرفت حضارات الأنهار فلسفة التجدد، خرج المصرى والصينى القديم بعد الفيضان وبمجرد انحسار المياه ليبدأ إعادة البناء بعقلية تعشق التشييد حتى إنها تحولت لديهم إلى فلسفة خاصة تلتحم فيها الحياة مع الخلود وكان أثرها المباشر بناء الأهرامات الخالدة، وسور الصين العظيم.
ولعل هذا المفهوم يقدم مدخلًا مختلفًا وواقعيًا لفهم العلاقات المصرية الصينية القوية والمتطورة والقائمة على ثوابت الدولتين وتتلخص فى كلمتين هما صناعة السلام والتنمية، والإصرار عليها فى ظل عالم متغير يتقلب ما بين عدم اليقين والصراعات الجيوسياسية العاصفة.
وقد تجلّت هذه الثوابت فى مواقف وتحركات الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس الصينى شى جينبينغ على الساحة الدولية، كلاهما تتسم حركته بالصبر والحكمة ويقدر التوازن ويتبنى قيم الحوار بديلًا عن الصراع ويقدر التنمية المستدامة ويعمل على تحقيقها فى ظل أصعب الظروف، وتقرأ ذلك بوضوح فى مسار العلاقات بين البلدين، وترجمتها البيانات والمواقف المشتركة، وفى مقدمتها البيان الصادر فى ختام زيارة الرئيس الصينى إلى القاهرة، والتى حظيت بترحاب واسع على المستويين السياسى والشعبى.
تقدر الصين لمصر أنها كانت أول دولة عربية وإفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية وتقيم معها علاقات دبلوماسية عام ١٩٥٦ وهو ما أسهم فى تطور علاقات التعاون والصداقة بين البلدين ومثلت قاطرة فى تطوير روح الصداقة والتعاون بين الصين والدول العربية والإفريقية ولقد كان للزعيم الصينى الكبير «ماو تشى تونج» مقولة شهيرة وهى: «إخوتنا الأفارقة هم الذين حملونا إلى الأمم المتحدة».
طفرة نوعية فى العلاقات
وعقب تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى مقاليد الحكم عام 2014 شهدت العلاقات طفرة نوعية وبدأت تتجه لمسار الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين وترجمة ذلك فى المواقف المصرية الصينية الداعية إلى التنمية وخفض التصعيد فى الصراعات والعمل من أجل إحلال السلام وتبنى الحلول الدبلوماسية، كما توسع التنسيق المصرى الصينى ليشمل قضايا الحوكمة العالمية والدفاع عن مصالح الدول النامية والجنوب العالمى.
وتتفق مصر والصين على أهمية مبدأ الاتزان الاستراتيجى الذى أرسته مصر فى سياستها الخارجية، باعتباره ركيزة داعمة للتعددية فى النظام الدولى، وهنا تتجلى حكمة «صداقة الحضارات»؛ فالصداقة بين دولتين لا تعنى صناعة خصومات جديدة، ولا يفترض أن تتحول الشراكة مع طرف إلى عداء مع طرف آخر، فالعلاقات المتوازنة لا تُبنى على منطق المحاور، وإنما على القدرة على التعاون مع الجميع، واحترام المصالح المتبادلة، ورفض تحويل العالم إلى معسكرات متقابلة.
ولعل من أهم ما تكشف عنه التجربة المصرية فى عالم مضطرب، تتزاحم فيه المحاور وتتسع فيه دوائر الاستقطاب، أن الاتزان الاستراتيجى هو الانفتاح على الدول والقوى الدولية وبوصلتها واضحة، حيث تحتفظ بعلاقات ممتدة مع قوى دولية كبرى تختلف مصالحها وتتنافس استراتيجياتها، وترفض أن تتحول علاقتها بطرف إلى قيد يمنعها من التواصل مع طرف آخر، أو أن يصبح التحالف فى ملف معين تفويضًا مفتوحًا لطرف خارجى كى يحدد لها موقفها فى كل الملفات.
وتعدد الشراكات الدولية لا يمكن النظر إليه باعتباره ترفًا دبلوماسيًا، بل أحد شروط الاتزان الاستراتيجى، وكلما تعددت خيارات الدولة، اتسع هامش قرارها؛ وكلما تنوعت مصادر قوتها، وهنا يصبح الانفتاح على الشرق لا يعنى إدارة الظهر للغرب، والتعاون مع الغرب لا يعنى القطيعة مع الشرق، والاقتراب من قوة دولية فى مجال لا يفرض بالضرورة الابتعاد عن قوة أخرى فى مجال مختلف، فالمصلحة الوطنية لا تتحرك فى خط مستقيم، والعلاقات الدولية الحديثة لم تعد تحتمل ذلك النوع من التفكير الذى يختزل العالم فى سؤال واحد: مع من أنت؟ والأدق أن تسأل الدولة نفسها: ماذا تريد؟ وما الذى يحمى مصالحها؟ وأى علاقة تعزز قدرتها على تحقيق أهدافها من دون أن تنتقص من حريتها فى المستقبل؟
ويحتفظ الرئيس السيسى بعلاقات جيدة وقوية مع كل زعماء العالم ويتحرك من خلال ما يمكن تسميته بـ«دبلوماسية التنمية»، أى أن تتحول السياسة الخارجية لمصر من مجرد إدارة للعلاقات بين الدول إلى أحد روافع العمل الوطنى فى الداخل، فالعلاقة القوية لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقات الموقعة، وإنما بما تستطيع أن تضيفه إلى قوة الدولة وقدرتها على الحركة، وبما يمكن أن يعود فى النهاية على حياة الناس، ومن هنا جاءت أهمية توظيف شبكة العلاقات الواسعة التى نسجتها مصر مع مختلف دول العالم وحالة الانفتاح على الجميع، وما وفرته اللقاءات والاتصالات على مستوى القيادة السياسية من جسور ثقة وتفاهم مع عواصم القرار، فى خدمة هدف أكبر: جذب الاستثمارات، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، وتوسيع دوائر التجارة، وجذب المعرفة والتكنولوجيا، وتحويل العلاقات السياسية إلى شراكات اقتصادية قادرة على أن تضيف إلى قاعدة الإنتاج، وأن تفتح فرصًا للعمل، وأن تدفع عجلة النمو. وقد انعكس هذا الفهم فى اتساع دوائر الحركة المصرية، وفى السعى إلى بناء علاقات قوية مع القوى الكبرى والتجمعات الاقتصادية المختلفة، مثل بريكس ومنظمة شنجهاى وتقوية العلاقات مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى من دون أن يعنى الاقتراب من طرف الابتعاد بالضرورة عن طرف آخر، فمصر تستطيع أن تحافظ على شراكاتها التاريخية، وأن تطورها، وفى الوقت نفسه تفتح نوافذ جديدة للتعاون مع قوى صاعدة وتجمعات دولية وإقليمية متعددة، وهى فلسفة تتقاطع مع توجه الدولة المعلن نحو استهداف الاستثمارات الأجنبية، وتنويع الأسواق، وتعزيز القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وربط الشراكات الدولية بأهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.
مقومات القوى الشاملة
وهكذا يصبح امتلاك مقومات القوة الشاملة هو الحلقة التى تصل بين السياسة الخارجية والتنمية والأمن القومى. فمصر لا تتحرك فى العالم لمجرد إثبات حضورها فيه، ولا تنسج علاقاتها لأن العلاقات فى ذاتها غاية، وإنما لأن دولة بحجم مصر وموقعها وطموحات شعبها تحتاج إلى اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة، وتكنولوجيا أكثر تقدمًا، وصناعة أكثر عمقًا، وأسواق أكثر اتساعًا، ومصادر متعددة للقوة تحميها من تقلبات عالم لا يكف عن التغيُّر.
وعند هذه النقطة تحديدًا تتضح فلسفة الاتزان الاستراتيجى فى السياسة المصرية: أن تكون علاقاتك واسعة من دون أن تكون تابعًا، وأن تنفتح على الجميع من دون أن تذوب فى أحد، وأن تبنى شراكات قوية من دون أن تمنح أى شريك حق احتكار قرارك، فالسياسة الخارجية، فى نهاية الأمر، ليست رحلة بحث عن الأصدقاء بقدر ما هى فن إدارة المصالح، والصداقة الحقيقية بين الدول لا تنشأ من التبعية، وإنما من احترام المصالح المتبادلة. أما المقياس الأخير لكل ذلك، فهو أن تعود قوة الدولة فى الخارج قوةً فى الداخل، وأن تتحول الاتفاقات والعلاقات والشراكات إلى استثمار وفرصة عمل وصناعة وسوق جديدة ومعرفة تنتقل إلى الوطن، بحيث يجد المواطن، فى نهاية هذه الدائرة كلها، نصيبه الحقيقى من السياسة: اقتصادًا أقوى، وفرصًا أوسع، ومستوى معيشة أفضل.
اقرأ أيضا: مجدى حجازى يكتب: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾
وفى هذا السياق، يصبح الاتزان الاستراتيجى، فى جوهره، فنًا لتحويل التناقضات الدولية من مصدر دائم للضغط إلى مساحة أوسع للحركة، فالعالم الذى تتنافس فيه القوى الكبرى ليس بالضرورة عالمًا تضيع فيه خيارات الدول المتوسطة والصاعدة؛ بل يمكن، إذا أحسنت إدارة موقعها، أن يصبح عالمًا تتعدد فيه الفرص. ومصر تجيد استخدام موقعها السياسى والجغرافى والاقتصادى والحضارى فى توسيع مساحة تأثيرها، ومن ثم فإن الاتزان لا يعنى غياب الموقف، بل يعنى ألا يصبح الموقف رهينة لاستقطاب الآخرين.
وتتحرك مصر فى سياسة الاتزان بثوابت واضحة خاصة فى القضايا التى تمس أمنها القومى، مصر تتمسك بقيام الدولة الفلسطينية وفى ذلك لا تقبل أى أمر واقع عكس ذلك وتتمسك دائمًا بالقانون الدولى، وبسيادة الدول، وبرفض التهجير أو الاحتلال أو تصفية القضايا العادلة، وفى الوقت نفسه تحتفظ بقنوات الحوار مع الأطراف المختلفة.
قيمة الإتزان السياسى
وفى الشرق الأوسط، تبرز قيمة الاتزان فى إدراك أن إدارة الأزمات، على أهميتها، ليست بديلًا عن البحث فى جذورها، فالمنطقة العربية دفعت ثمنًا باهظًا لسياسات اكتفت، فى كثير من الأحيان، بتجميد الصراعات أو احتواء انفجاراتها من دون الاقتراب من أسبابها الحقيقية، وكل أزمة مؤجلة تحمل فى داخلها احتمال أزمة جديدة، وكل صراع يظل بلا تسوية عادلة يترك الباب مفتوحًا أمام دورات أخرى من العنف والتطرف والتدخل الخارجى، ولذلك فإن السعى إلى حل الصراعات ليس نوعًا من المثالية الدبلوماسية، بل جزء من الدفاع الوقائى عن الأمن القومى بمفهومه الشامل.
وهذا الفهم يجعل من العمل من أجل التسوية، ومن الدفاع عن الدولة الوطنية ومؤسساتها، ورفض تفكيك المجتمعات وتحويلها إلى ساحات للميليشيات والحروب الأهلية، جزءًا من رؤية استراتيجية متكاملة، لا مجرد مواقف منفصلة تجاه أزمات متفرقة.
ومن هنا تتجاوز فكرة الاتزان الاستراتيجى معناها السياسى المباشر لتلتقى مع الفكرة الأوسع التى يقوم عليها مفهوم صداقة الحضارات، فكما أن الدولة القوية ليست مطالبة بأن تختار بين الحفاظ على هويتها والانفتاح على العالم، كذلك الحضارات ليست مطالبة بالاختيار بين الخصوصية والحوار، والخطأ الذى صنع كثيرًا من صراعات العصر الحديث يبدأ من افتراض أن الاختلاف مقدمة حتمية للخصومة، وأن تعدد الهويات لا بد أن ينتهى إلى صدام، وأن قوة حضارة ما لا يمكن أن تتحقق إلا على حساب حضارة أخرى، لكن التاريخ نفسه يقدم صورة مختلفة؛ فالحضارات لم تتقدم فقط فى لحظات الانغلاق، بل فى لحظات التفاعل أيضًا، ولم تكن الحدود بين الثقافات جدرانًا صماء على الدوام، بل كانت فى كثير من الأحيان مناطق عبور للأفكار والعلوم والتجارة والفنون.
ومن ثم فإن صداقة الحضارات لا تعنى ذوبان حضارة فى أخرى، ولا إلغاء الفوارق بين الثقافات، ولا إنتاج عالم بلا خصوصيات، وإنما تعنى إدارة هذا الاختلاف على أساس أن التنوع يمكن أن يكون مصدرًا للقوة والمعرفة، لا مجرد وقود للصراع.
اقرأ أيضا: 40 عاماً من السحر المنفرد والعطاء المستمر.. نقاد الموسيقى: منير كتب التاريخ