إسلام عفيفى يكتب: مصر والصين و«إسفين» تل أبيب والإخوان

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

قد ينظر البعض لزيارة الرئيس الصينى شى جين بينغ إلى مصر باعتبارها محطة دبلوماسية فى علاقة قديمة بين دولتين، بينما القراءة الأهم ليست فى حفاوة الاستقبال ولا فى عدد الاتفاقات ولا فى التعبير عن الصداقة التاريخية، بل فى القلق الإسرائيلى، فحين تنشغل صحف ومواقع إسرائيلية بالسؤال: هل تدير مصر ظهرها لأمريكا؟ وهل تتحول بكين إلى بديل عسكرى وتكنولوجى لواشنطن فى القاهرة؟ فهذا لا يكشف حقيقة عن نوايا مصر بقدر ما يكشف خوفًا إسرائيليًا من مصر أكثر استقلالًا فى قرارها، وأكثر قدرة على تنويع خياراتها ومحاولة شيطانية مفضوحة لدق إسفين بين القاهرة وواشنطن، لذلك لا تدهشنى ولم أتفاجأ بأبواق الإخوان الإرهابية التى تروج للتفسير والرواية الإسرائيلية فهما فى خندق واحد يقاتلون صفًا كالبنيان المرصوص.

اقرأ أيضا: الذكاء الاصطناعي يدخل منطقة الخطر.. سباق الصين وأمريكا يقترب من الصدام | تكنولوجيا

الصحافة الإسرائيلية لم تقل إن القاهرة قطعت علاقتها بواشنطن، لكنها التقطت ما هو أهم: أن مصر تبنى بدائل، والبدائل فى السياسة الدولية ليست إعلان خصومة، بل إعلان نضج، الدولة التى لا تمتلك إلا بابًا واحدًا للتعاون فى التكنولوجيا والاستثمار تظل مكشوفة للضغط، أما الدولة التى تفتح أبوابًا متعددة، فهى لا تعادى أحدًا، لكنها تمنع أى طرف من احتكار قرارها.

وهنا جوهر الموقف المصرى، فالعلاقة مع الصين ليست بديلًا عن العلاقة مع الولايات المتحدة، وليست قطيعة مع الغرب، وليست انتقالًا من محور إلى محور، مصر تبحث عن مصالحها: تصنيع، تكنولوجيا، استثمار، ذكاء اصطناعى، طاقة، موانئ، بنية تحتية، تدريب عسكرى، وتنويع مصادر السلاح، من يستطيع أن يقدم قيمة حقيقية لمصر وفق الاحترام المُتبادل وعدم التدخل فى الشئون الداخلية واحترام السيادة، فهو شريك، هكذا الأمر ببساطه لا أكثر ولا أقل، إذن لماذا تقلق تل أبيب؟!

التفوق العسكرى الإسرائيلى لا يقوم فقط على قوة إسرائيل، بل على بنية كاملة من الضمانات والقيود والتوازنات التى تجعل قدرات الآخرين قابلة للمتابعة والضبط، فهى تفضل دائمًا أن يبقى تسليح مصر داخل دائرة يمكن لواشنطن أن تتحكم فى مفاتيحها: الصيانة، قطع الغيار، التحديثات، التكنولوجيا، ووتيرة التطوير، فحين تنفتح مصر على مصادر أخرى، يصبح القلق الحقيقى فى تل أبيب ليس أن القاهرة تريد الحرب، بل أن القاهرة تريد ألا يكون قرارها العسكرى مرهونًا بالكامل بمزاج طرف واحد.

وهنا يجب الرد بوضوح: مصر لا تبنى قدراتها لكى تهدد أحدًا، لكنها أيضًا لا تقبل أن تُدار قدراتها بما يطمئن الآخرين أكثر مما يحمى أمنها القومى، الدولة المسئولة لا تنتظر لحظة الخطر كى تبحث عن البدائل، والدولة التى تعيش فى إقليم مشتعل، من غزة إلى السودان وليبيا والبحر الأحمر وشرق المتوسط، لا تستطيع أن تربط أمنها بمنظومة واحدة أو مورد واحد أو عاصمة واحدة، تنويع السلاح ليس إعلان حرب، بل تأمين للقرار الوطنى.

ولذلك فإن التدريب الجوى المصري- الصينى، وما صاحبه من اهتمام إسرائيلى بالمقاتلات الصينية فى مواجهة الرافال، يجب أن يُقرأ فى إطاره الصحيح، فالمناورات ليست رسالة عداء، بل رسالة كفاءة وانفتاح وتبادل خبرات، مصر تتدرب مع أطراف مختلفة لأنها دولة تعرف أن الجاهزية لا تُبنى من مدرسة واحدة، كما أن امتلاك معرفة بأنظمة متعددة، شرقية وغربية، يمنح مرونة أكبر فى الفهم والتشغيل والتقييم، وهذا حق طبيعى لأى دولة تحترم أمنها القومى.

لكن المكاسب المصرية من العلاقة مع الصين لا تقف عند السلاح، فى الحقيقة اختزال الزيارة فى بعدها العسكرى يخدم القراءة الإسرائيلية القلقة أكثر مما يخدم فهم الرؤية المصرية، فالصين بالنسبة لمصر ليست طائرة فقط، بل مصنع، وميناء، ومنطقة صناعية، وتكنولوجيا، وذكاء اصطناعى، وطاقة جديدة، ومراكز بيانات، وربط بين قناة السويس وسلاسل الإمداد العالمية، مصر تريد أن تتحول من سوق كبير إلى قاعدة إنتاج، ومن موقع جغرافى مهم إلى مركز صناعى وتجارى فعلى، وهو ما يحدث على أرض الواقع ويؤكده البيان المصرى- الصينى.

الصين تنظر إلى القناة بوصفها شريانًا للتجارة العالمية وجسرًا بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، ومصر تنظر إلى هذا الاهتمام بوصفه فرصة، لا تنازلًا والفارق كبير، أن تستثمر الصين فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لا يعنى أنها تسيطر عليها، بل يعنى أن مصر تستطيع تحويل موقعها إلى قيمة مُضافة إذا أحسنت إدارة التفاوض، وفرضت شروط التصنيع المحلى، ونقل التكنولوجيا، والتشغيل، والتصدير، فالسيادة لا تُحمى بإغلاق الأبواب، بل بفتحها وفق قواعدك وثوابت قرارك الوطنى.

هذا هو المعنى الذى لا تريد بعض القراءات الإسرائيلية والمتربصين الاعتراف به، مصر لا تتحرك بعقل الدولة التابعة، ولا بعقل الدولة المتمردة بلا حساب، تتحرك بعقل الدولة التى تعرف بوصلة مصالحها، لذلك تحتفظ بعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وتوسع تعاونها مع الصين، وتدير علاقة مُميزة مع روسيا، وتفتح مساراتٍ أعمق مع الهند، وتتحرك داخل بريكس، وتبنى شراكات مع إفريقيا وشرق المتوسط وهذه ليست ازدواجية، بل سياسة خارجية متوازنة فى عالم لم يعد يسمح للدول بالرهان على طرف واحد.

ومن المهم هنا أن نشير إلى الهند تحديدًا، فمصر لا تنظر شرقًا إلى بكين فقط، بل تنظر إلى آسيا كلها بوصفها مركز ثقل جديدًا فى الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا، فالعلاقة مع الهند، كما العلاقة مع الصين وروسيا والغرب، جزء من استراتيجية أوسع لتنويع الشركاء على أسس من الندية لا الولاءات، القاهرة لا تريد أن تكون ذيلًا فى محور، بل مركز توازن بين محاور، وهذه هى قيمة الدولة التى تملك تاريخًا وجغرافيا وجيشًا وسوقًا وممرًا ملاحيًا وقدرة دبلوماسية.
أما على المستوى السياسى، فمصر تقدم نفسها ركيزة استقرار لا كمنصة صراع، هذه نقطة لا بد من تثبيتها، القاهرة لا تبحث عن أحلاف تُشعل المنطقة، ولا عن شراكاتٍ هدفها تطويق طرف أو إشعال حرب، مصر تمد يدها للتعاون مع القوى الكبرى لأنها تريد التنمية والاستثمار والاستقرار، لا لأنها تريد أن تكون جزءًا من معارك الآخرين، سياستها فى غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر وشرق المتوسط تقول ذلك بوضوح: الحلول السياسية، رفض التهجير، حماية الدولة الوطنية، فض النزاعات بالحوار، واحترام سيادة الدول.

ومن هنا يبدو القلق الإسرائيلى متناقضًا، حين تكون مصر حاضرة دبلوماسيًا، يُقال إنها توسع نفوذها، وحين تطور قدراتها، يُقال إن ذلك يثير القلق، وحين تنوع شراكاتها، يُقال إنها تبتعد عن أمريكا، المطلوب من مصر، وفق هذه القراءة، أن تبقى قوية بما يكفى لحماية الاستقرار، وضعيفة بما يكفى كى لا تملك قرارًا مستقلًا كاملًا، وهذا منطق لا يمكن أن تقبله دولة بحجم مصر.

الحقيقة أن القاهرة لا تدير ظهرها لواشنطن، هى فقط ترفض أن تدير ظهرها لبقية العالم، الولايات المتحدة شريك استراتيجى مهم، لكن الصين أيضًا قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى، والهند قوة صاعدة، وروسيا لاعب مؤثر، وإفريقيا مجال حيوى، وأوروبا شريك اقتصادى وأمنى، مصر لا تختار بين هؤلاء بمنطق العداوة، بل بمنطق المصلحة.

اقرأ أيضا: دراسة «مصرية – فرنسية»| الفراعنة استخدموا «سدود دهشور» لبناء الهرم الأحمر

فى رأيى، زيارة الرئيس شى إلى مصر تكشف لحظة جديدة فى السياسة المصرية: لحظة الانتقال من الاكتفاء بعلاقات تقليدية إلى بناء شبكة أوسع من الخيارات، وهذا لا يزعج إلا من اعتاد على أن يرى المنطقة من زاوية السيطرة، أما من يفهم منطق الدول، فيعرف أن تنويع الشراكات هو جوهر الاستقلال، وأن الدولة التى تطلب التكنولوجيا والاستثمار والتصنيع من أكثر من طرف لا تشعل صراعًا، بل تحمى نفسها من الابتزاز.

المكسب المصرى واضح: استثمارات أوسع، فرص أكبر لتوطين الصناعة، انفتاح على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والطاقة الجديدة، حضور أعمق فى قناة السويس وسلاسل الإمداد، وتنويع فى مصادر التسليح والتدريب، مصر ليست ساحة تنافس بين الكبار، ويجب ألا يُقرأ الانفتاح شرقًا باعتباره قطيعة غربًا، مصر شريك للجميع، وليست تابعًا لأحد.

القلق الإسرائيلى من العلاقة المصرية- الصينية ليس دليلًا على خطأ القاهرة، بل دليل على أن القاهرة تتحرك فى مساحة مؤثرة، إسرائيل لا تخاف من علاقة تجارية عادية، بل تخاف من علاقة تمنح مصر هامشًا أوسع فى التكنولوجيا والسلاح والاقتصاد والقرار، وهذا الهامش هو بالضبط ما تحتاجه أى دولة تريد أن تحمى أمنها القومى فى عالم مضطرب.

مصر لا تدير ظهرها لأمريكا، ولا ترتمى فى أحضان الصين، مصر تفعل شيئًا أبسط وأقوى: تدير وجهها نحو مصالحها، تفتح أبوابها للشراكة، وتُبقِى بوصلة قرارها فى القاهرة، لا تبحث عن خصومة، لكنها لا تقبل الاحتكار، لا تصنع أحلاف حرب، بل تبنى جسور تنمية، لا تهدد أحدًا، لكنها أيضًا لا تسمح لأحد بأن يحدد لها سقف قوتها.

وهذا هو جوهر الرسالة: مصر التى تتعاون مع الصين لا تغادر الغرب، بل ترفض أن تُختصر فى علاقة واحدة، دولة تعرف أن الاستقرار يحتاج قوة، والتنمية تحتاج شراكاتٍ، والسيادة تحتاج بدائل، ومن لا يفهم ذلك سيظل يقرأ كل باب تفتحه القاهرة كأنه باب خطر، بينما هو فى الحقيقة باب إضافى للاستقلال.

اقرأ أيضا: تجدد المعارك في تعز وقصف جوي يمني يستهدف مواقع الحوثيين بالساحل الغربي | أخبار

‫0 تعليق

اترك تعليقاً