على مدار أكثر من 4 عقود، استطاع الكينج محمد منير أن يحجز لنفسه مكانة استثنائية في المشهد الغنائي المصري والعربي، ليصبح واحدًا من القلائل الذين لم يرتبط حضورهم بزمن أو جيل بعينه، فمنذ بداياته، صنع منير مشروعًا موسيقيًا خاصًا مزج فيه بين النوبة والشرق والغرب، وقدم لونًا لم يكن مجرد موجة عابرة، وإنما هوية فنية متفردة جعلته يقف في منطقة لا تشبه أحدًا.
اقرأ أيضا: قائد الغواصين بالإسكندرية: تجاهل المصطافين لتحذيراتنا سبب حالات الغرق
ورغم تغير الأذواق وتبدل أجيال الجمهور وصناعة الموسيقى، ظل الكينج حاضرًا وقادرًا على استعادة بريقه، مستندًا إلى إرث فني ضخم صنعه عبر سنوات طويلة، وفي الوقت نفسه رافضًا الاكتفاء بالنجاحات القديمة، إذ يواصل البحث عن أشكال جديدة للتجديد والتعاون مع أجيال مختلفة من الشعراء والملحنين والموزعين، وبينما قد يقل إنتاجه أحيانًا أو لا تحقق بعض أعماله الجديدة الانتشار نفسه لأغانيه القديمة، يبقى اسمه حاضرًا بقوة، وهو ما يؤكد أن محمد منير لم يعد مجرد مطرب له جمهور، بل أصبح حالة فنية قائمة بذاتها.

وفي هذا السياق، تكشف أغنيته الجديدة “يسألوا عنك” جانبًا من هذه الرحلة، بعدما استعاد من خلالها بعض ملامح مشروعه الموسيقي، مستعينًا بتوزيع للراحل رومان بونكا، وتعاون جديد مع الشاعر مصطفى حدوتة، وعن خصوصية الأغنية، وسر استمرارية منير، ولماذا يظل في منطقة فنية منفردة، استطلعت “أخبار النجوم” آراء عدد من النقاد والشعراء في السطور التالية.

في البداية يرى الناقد الموسيقي محمد شميس عن عودة منير بأغنية “يسألوا عنك” أنها تعد من أكثر الأعمال التي تشبه محمد منير خلال السنوات الأخيرة، وتحمل ملامح واضحة من هويته الفنية التي ارتبط بها الجمهور، قائلًا: “أرى أن أغنية (يسألوا عنك) هي أكثر عمل يشبه منير من بين أعماله الأخيرة، وهذا من الأمور التي تضمن استمرارية مشروعه الفني، فالأغنية قريبة جدًا من روح منير، خاصة أنها من توزيع رومان بونكا، أحد أهم صناع الرؤية الموسيقية لمحمد منير وأحد المؤسسين لمشروعه على مدار تاريخه الفني”.
وأضاف: “رومان بونكا تعاون مع منير منذ بداياته مع فرقة يحيى خليل، وبالتالي فهو عاصره لأكثر من ربع قرن، وهما شريكان في النجاح، والموسيقى التي يقدمها بونكا هي الأقرب إلى مشروع منير، ولذلك نشعر في (يسألوا عنك) بروح أغنياته القديمة، مؤكدًا أنها نجحت في تحقيق التوازن بين الهوية القديمة لمنير والتجديد في اختياراته، قبل أن يُضيف: “أعتبر (يسألوا عنك) واحدة من أفضل أغنيات منير خلال السنوات الأخيرة، لأنها حققت المعادلة المطلوبة بين روح منير القديمة والكلمة الجديدة والمختلفة”.
وتابع شميس: “يعجبني أيضًا في منير تعاونه مع الشاعر مصطفى حدوتة، لأنه يمنحه نفسًا وطعمًا مختلفين تمامًا، وهذا ليس التعاون الأول بينهما، فمصطفى حدوتة هو أيضًا صاحب كلمات أغنية “ضي”، التي تعد من أنجح أغنيات منير خلال السنوات العشر الأخيرة، وحققت نسب استماع كبيرة على موقع يوتيوب، وصلت إلى 8 ملايين مشاهدة، وهو رقم كبير مقارنة بأعمال منير الأخيرة، والأهم أنه رقم حقيقي وليس مزيفًا”.
وأشار شميس إلى أن أحد أسرار استمرارية منير، على غرار تجربة عمرو دياب، يتمثل في قدرته على التواصل مع الأجيال الجديدة من خلال أدواتها، دون التخلي عن هويته الفنية، قائلًا: “من أسرار استمرارية منير، مثل عمرو دياب، أنه يحاول دائمًا أن يظل متواصلًا مع الجيل الجديد، ولكن من خلال أدواته الخاصة، عبر التعاون مع شعراء يقدمون كلمات مختلفة وجريئة، مثل مصطفى حدوتة”.
واستكمل: “ما يميز منير وعمرو دياب أيضًا أنهما عندما يتعاونان مع مصطفى حدوتة، يقدمان أغنيات وموسيقى تشبههما، ولا يتخليان عن هويتهما، فنجد منير يتعاون مع حدوتة على مستوى الكلمة، وفي الوقت نفسه يستعين برومان بونكا في التوزيع، حتى يأخذ الأغنية إلى المنطقة التي تشبهه، وبالتالي، قد تكون الكلمة مختلفة بعض الشيء، لكن الهوية الموسيقية تظل حاضرة، وهنا يصبح التجديد في الكلمة مع الحفاظ على روح المشروع، وهذا يعكس خبرة منير وعمرو في إدارة مشروعيهما الفنيين”.
وأوضح شميس أن ارتباط الأجيال الجديدة بأغنيات محمد منير القديمة يعود إلى قدرتها على التعبير عن حالات إنسانية تتجاوز زمن إنتاجها، قائلًا: “منير يستطيع من خلال أغنياته القديمة أن يتواصل مع الجيل الجديد ويؤثر فيه، لأن أغنياته تحمل دائمًا حالة إنسانية، وطالما ظلت هذه الحالة موجودة، ستظل الأغنية حية وقادرة على الوصول إلى الجمهور، وهذه ميزة تفتقدها نسبة كبيرة من مطربي جيله وجيل التسعينيات، لأن جزءًا كبيرًا من أغنياتهم كان مرتبطًا بلحظة معينة وزمن محدد، وبالتالي فقدت تأثيرها مع مرور الوقت، بينما أغنيات منير استطاعت أن تتجاوز اللحظة التي صنعت فيها”.
واختتم شميس حديثه مؤكدًا أن مكانة منير الفنية أصبحت أكبر من أن ترتبط بنتائج أعماله الجديدة، قائلًا: “طوال الوقت الذي كان فيه مشروع منير قائمًا على شعراء عامية مميزين، كان ناجحًا ومحققًا حضورًا قويًا، وعندما تراجع مستوى الكلمة تراجع المشروع إلى حد ما، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، ومع ذلك، لا يزال منير قادرًا على اختيار أغنيات تشبهه وتليق بتاريخه”.
وتابع: “منير كتب بالفعل جزءًا مهمًا من تاريخ الغناء المصري، وهو واحد من أهم نجوم الغناء في تاريخ مصر، وحتى لو لم تحقق بعض أعماله المقبلة النجاح المتوقع، سيظل محمد منير، هو الآن في مرحلة يستمتع فيها بالموسيقى ويجرب ألوانًا وأشكالًا موسيقية مختلفة، ويكفي أن صوته لا يزال حاضرًا”.
“روح منير”

بينما يرى الناقد الموسيقي أمجد جمال عن عودة منير من خلال أغنية “يسألوا عنك” أنها تحمل بوضوح روح وطابع محمد منير الذي اعتاد الجمهور أن يحبه، موضحًا أن اختيار توزيع الموسيقي الألماني الراحل رومان بونكا منح العمل خصوصية إضافية، قائلًا: “الأغنية فيها روح وطعم محمد منير، خصوصًا أنها من توزيع رومان بونكا، الذي يُعد من أوائل الموسيقيين الذين تعاونوا مع منير وأسهموا في تشكيل ملامح مشروعه الفني”.
وأضاف: “رغم أن رومان بونكا يحمل الجنسية الألمانية، فإنه اختار العزف على آلة العود، وهي آلة شرقية بامتياز، وكان واضحًا في أعماله مدى ارتباطه بالثقافة الشرقية وحبه لها، كما أن أسلوبه في العزف على العود كان يحمل نكهة خاصة تجمع بين روح الشرق والغرب، وهو ما جعله يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالموسيقى التي قدمها محمد منير”.
وتابع جمال: “رغم رحيل رومان بونكا منذ سنوات، فإن منير استحضر إحدى توزيعاته في الأغنية، وهي بالنسبة لي لمسة وفاء لرفيق دربه، وفي الوقت نفسه أعادت الأغنية تقديم اللون الموسيقي الذي نحبه في أعمال منير، حيث نلمس فيها حضور السلم الخماسي، وهو من السمات البارزة في الموسيقى النوبية والسودانية، وقد استطاع منير توظيفه في اللحن بصورة تؤكد هويته الموسيقية”.
وعن التعاون بين محمد منير والشاعر مصطفى حدوتة، قال أمجد جمال: “مصطفى حدوتة يحظى بثقة كبيرة من محمد منير خلال الفترة الأخيرة، وهذه الأغنية تمثل ثالث تعاون بينهما بعد أغنيتي (ضي) و(مكاني)، كما أن العلاقة بينهما تتجاوز التعاون الفني إلى وجود حالة من التفاهم والإعجاب المتبادل على المستوى الشخصي”.
وأوضح: “مصطفى حدوتة سبق أن صرح بأن منير يقول له: (أنا بحب النرجسية بتاعتك، متبطلهاش)، وهذا يعكس إعجاب منير بالحالة التي يصنعها مصطفى والجدل الذي يثيره من خلال أفكاره وطريقته في الكتابة، فضلًا عن تشجيعه له على الاستمرار، لذلك أعتقد أن هذه الثنائية مرشحة للاستمرار وتقديم أعمال جديدة خلال الفترة المقبلة”.
و وصف أمجد الأغنية بأنها جيدة على مستوى الكلمات واللحن والموسيقى، مؤكدًا أنها تحمل هوية محمد منير، قائلًا : “الكلمات بسيطة وجميلة، ورغم أن الأغنية لم تحقق الانتشار نفسه الذي حققته أغنية (ضي) على سبيل المثال، فإنني شخصيًا وجدتها أكثر إقناعًا من الناحية الموسيقية”.
وعن سر استمرار محمد منير في المشهد الغنائي حتى الآن، قال أمجد جمال: “السر في استمراريته يعود بالدرجة الأولى إلى الإرث الكبير والمسيرة الطويلة والاستثنائية التي صنعها، والتي تمنحه قوة دفع تجعله قادرًا على البقاء في الصورة حتى في الفترات التي يقل فيها إنتاجه أو لا يصل مستوى بعض أعماله الجديدة إلى ما قدمه في الماضي”.
واستطرد: “منير يمتلك رصيدًا فنيًا وتاريخيًا كبيرًا يجعله حاضرًا وقادرًا على الاستمرار، لكنه في الوقت نفسه لا يكتفي بالحضور لمجرد الحضور، بل يحاول التجديد من خلال التعاون مع أسماء شابة ولامعة مثل مصطفى حدوتة، ومنة عدلي القيعي، وعزيز الشافعي، وعمرو مصطفى، وكذلك أكرم حسني الذي تعاون معه في أغنية (للي)، وهو ما يعكس عصرية اختيارات منير لصناع أعماله في السنوات الأخيرة، فهو لا يعيش على أطلال الماضي ولا يعتمد فقط على نجاحاته السابقة، وهذه نقطة تُحسب له، وفي رأيي هو ليس بحاجة إلى إثبات وجوده أو التواجد لمجرد التواجد، لكنه سبق أن قال: “طول ما فيا نفس مفيش اعتزال”، وهذه الجملة تلخص مدى شغفه وحبه للموسيقى، ورغبته في الاستمرار وتقديم المزيد طالما أنه قادر على العطاء”.
اقرأ أيضا: الحكم في استئناف «طبيب القلب المزيف» على حبسه| اليوم
“منير كَتَبَ التاريخ”

فيما يرى الشاعر صلاح عطية أن الأعمال الجديدة التي يقدمها محمد منير لا تعكس بالضرورة مستوى الرضا نفسه الذي اعتاده جمهوره، موضحًا: “الأغنيات الجديدة التي يقدمها منير أُنجزت منذ فترة، لكن السؤال الأهم: هل جمهور منير راض عن مستواها؟ في رأيي، الإجابة ليست بالإيجاب”.
وعن تقييمه لأغنية منير الجديدة والتعاون مع مصطفى حدوتة أضاف صلاح : “أرى أن مصطفى حدوتة شاعر ناجح وموهوب جدًا، ومن المهم أن ندرك أن الشاعر لا يستطيع إجبار الفنان على التعاون معه، وإنما الفنان هو الذي يبحث عن الكلمة التي “تستفزه” وتدفعه إلى تقديمها، بغض النظر عن خلفية صاحبها، والدليل على ذلك أن عمرو دياب تعاون مع مصطفى حدوتة في عدد من الأعمال، رغم أن بداياته كانت في مجال أغاني المهرجانات، وفي النهاية، ليست العبرة بالخلفية التي جاء منها الشاعر، وإنما بما يستطيع أن يقدمه للفنان”.
وعن الملامح النوبية في أغنية “يسألوا عنك”، قال: “الأغنية تحمل روح الثقافة النوبية بوضوح، فهي مبنية على لحن نوبي، وكانت الكلمات في البداية مكتوبة باللغة النوبية، ثم جرى تمصيرها لتصبح أكثر قربًا من المتلقي المصري، مع الحفاظ على روحها الأساسية”.
وأشار عطية إلى أن منير يسعى من خلال اختياراته الحالية إلى الحفاظ على حضوره والتواصل مع أجيال جديدة، قائلًا: “منير يحاول الاستمرار في المشهد، والوصول إلى جمهور جديد، وتطوير أدوات مشروعه الفني، بالتأكيد، هذا الحضور ليس بالقوة والنجاح اللذين حققهما في بداياته، لكن يُحسب له استمراره ومحاولته الدائمة للتطور، فهو لا يقدم أعماله اليوم فقط للجمهور القديم الذي ارتبط بأغنياته في الماضي، وإنما يحاول أيضًا اكتساب جمهور جديد من جيل الشباب، وهذه في حد ذاتها محاولة للحفاظ على وجوده الفني واستمراريته، وهي نقطة تُحسب له”.
وأكد عطية أن مكانة منير التاريخية لا يمكن اختزالها في تقييم أعماله الحالية، موضحًا: “منير كتب تاريخه بالفعل، فمنذ عام 1977 وهو يضيف فصلًا جديدًا إلى تاريخ الأغنية المصرية والعربية، وحتى لو كان قد قرر الاعتزال بعد ألبوم “طعم البيوت” عام 2008، لكان قد اكتفى بما قدمه، ولكان اسمه قد ظل حاضرًا بوصفه واحدًا ممن كتبوا تاريخ الأغنية العربية”.
واختتم صلاح عطية حديثه مؤكدًا أن الشغف هو العامل الأبرز وراء استمرار محمد منير، قائلًا: “سر استمرارية منير في رأيي هو شغفه بالموسيقى، وحبه لها، وحرصه الدائم على العمل، هذا الشغف هو ما يجعله مستمرًا في تقديم أعمال جديدة ومحاولة التجريب والتطور، رغم مرور كل هذه السنوات على مشواره الفني”.
وأشاد صلاح ببعض تجارب منير في السنوات الأخيرة أبرزها أغنية “للي” التي قدمها بالتعاون مع الفنان أكرم حسني، قائلًا: “أرى أن أغنية (للي) من أنجح أغنيات محمد منير خلال السنوات العشر الأخيرة، لأنها جاءت متكاملة من جميع العناصر؛ سواء على مستوى الأداء الصوتي، أو الكلمات، أو اللحن، أو التوزيع الموسيقي”.
اقرأ أيضا: حكاية صانع النجوم.. كيف تنبأ بمستقبل الهضبة والكينج ؟
اقرأ أيضا: من التبعية إلى الردع.. “المتحري” يتتبع التحول التاريخي في عقيدة السلاح التركي | سياسة