مستقبل النفوذ الإسرائيلي في السياسة الأمريكية | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

من أكثر الملاحظات التي أثارت اهتمامي خلال زيارتي الأخيرة إلى واشنطن، وربما يشاركني فيها كثير من المراقبين، تلك المفارقة التي باتت تتسع داخل السياسة الأمريكية بصورة يصعب تجاهلها: ففي الوقت الذي لا يزال فيه نفوذ الجماعات المؤيدة لإسرائيل قويا ومنظما وفاعلا داخل الكونغرس والانتخابات ومؤسسات صنع القرار، يبدو أن الغطاء الشعبي الذي منح هذا النفوذ، لعقود طويلة، قدرا من الشرعية السياسية والأخلاقية بدأ يتآكل بوضوح.

اقرأ أيضا: السيد عيد يعلن تشكيل منتخب السويس بتروجت أمام طلائع الجيش 

وبعبارة أخرى، لم تعد المعضلة الأساسية بالنسبة إلى اللوبي الإسرائيلي هي القدرة على الوصول إلى السياسي الأمريكي أو التأثير في قراره؛ فهذه الأدوات لا تزال متوافرة عبر المال، وشبكات العلاقات، والضغط المنظم. المعضلة الجديدة تكمن في أن السياسي الذي يستجيب لهذا النفوذ قد يجد نفسه، في لحظات متزايدة، يتحرك عكس اتجاه شريحة متنامية من ناخبيه، بما يفتح فجوة جديدة بين حسابات النخبة السياسية، وتحولات المزاج الشعبي الأمريكي.

وهذه تحديدا هي الزاوية الأكثر إثارة التي يتناولها الكتاب الصادر حديثا من عدة أسابيع بعنوان: “اللوبي الإسرائيلي: أمريكا في قبضة قوة أجنبية” “Israel’s Lobby: America in the Grip of a Foreign Power”، للصحفي الاستقصائي إيلي كليفتون وأستاذ العلوم السياسية إيان لوستيك. فالكتاب لا يكتفي بإعادة فتح الجدل التقليدي حول حجم نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، بل يطرح سؤالا أكثر راهنية: ماذا يحدث عندما يستمر النفوذ السياسي في الصعود بينما تبدأ قاعدته الشعبية في التراجع؟ ومن هنا يعيد المؤلفان قراءة هذا النفوذ داخل سياق أمريكي جديد يختلف جذريا عن البيئة التي تشكل فيها التحالف التقليدي بين واشنطن وتل أبيب.

عندما يصل السياسي الأمريكي إلى مرحلة لا يخشى فيها فقط معارضة اللوبي، بل يخشى أيضا أن يُرى وهو يحصل على دعمه، فإننا نكون أمام تحول حقيقي في معنى القوة السياسية

وبالجمع بين الصحافة الاستقصائية والتحليل السياسي، يتتبع الكتاب حركة المال وشبكات المصالح ودور كبار المانحين وجماعات الضغط في التأثير على الانتخابات والكونغرس وصناعة السياسة الخارجية عبر إدارات أمريكية متعاقبة، ليكشف عن مفارقة آخذة في الاتساع بين قوة النفوذ داخل مؤسسات السياسة، وتحولات الرأي العام خارجها.

لكن القيمة الأعمق للكتاب لا تكمن فقط في تشريحه أدوات نفوذ اللوبي وآليات عمله، بل في اللحظة السياسية التي يصدر فيها. فاستطلاعات الرأي تكشف عن تحولات متسارعة في المزاج الأمريكي، خصوصا بين الأجيال الشابة وشرائح متنامية من الديمقراطيين والمستقلين، بما يشير إلى تراجع واضح في الإجماع الشعبي الذي كان يحيط بالعلاقة مع إسرائيل لعقود.

ومن هنا تتجاوز أهمية الكتاب كونه دراسة عن جماعة ضغط مؤثرة؛ فهو يوثق لحظة تتسع فيها الهوة بين ما تواصل النخبة السياسية الأمريكية فعله دفاعا عن إسرائيل، وبين ما أصبح جزء متزايد من المجتمع الأمريكي مستعدا لتبريره أو تحمل كلفته السياسية والأخلاقية.

انقلاب في المزاج الأمريكي

الأرقام هنا أكثر بلاغة من الخطابات؛ لأنها تكشف حجم التحول الذي طرأ على المزاج الأمريكي خلال سنوات قليلة. ففي ربيع 2022، كان 55% من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل بصورة إيجابية، مقابل 42% يحملون تجاهها نظرة سلبية. لكن بحلول ربيع 2026، انقلبت المعادلة تقريبا؛ إذ تراجعت النظرة الإيجابية إلى 37 %، بينما ارتفعت النظرة السلبية إلى 60 %، وفق استطلاعات مركز “بيو” للأبحاث.

وفي الاستطلاع نفسه، قال 59% من الأمريكيين إن لديهم ثقة ضئيلة أو معدومة في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فيما يتعلق بإدارة الشؤون الدولية.

وهذه ليست مجرد تقلبات عابرة في الرأي العام، بل مؤشرات على تحول أعمق في صورة إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، وعلى اتساع المسافة بين الدعم السياسي الذي لا تزال تتمتع به داخل مؤسسات الحكم، وبين التآكل المتسارع لهذا الدعم في الشارع الأمريكي.

والأكثر دلالة أن هذا التحول لم يعد محصورا في الانقسام التقليدي بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل بدأ يمتد إلى داخل القاعدة الجمهورية نفسها. فبحسب بيانات مركز بيو لعام 2026، بات 57% من الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن خمسين عاما يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، وهي نسبة تكشف تغيرا مهما داخل شريحة لطالما اعتبرت أكثر قربا من الموقف التقليدي المؤيد لها. أما بين الديمقراطيين والمستقلين المائلين إليهم، فقد بلغت النظرة السلبية إلى إسرائيل نحو 80 %.

وهذه الأرقام تشير إلى أن التراجع في صورة إسرائيل لم يعد ظاهرة حزبية محدودة، بل أصبح تحولا جيليا وسياسيا أوسع، قد يعيد مستقبلا رسم حدود ما يستطيع السياسي الأمريكي الدفاع عنه من دون دفع كلفة انتخابية متزايدة.

التحول الأهم لا يتعلق بصورة إسرائيل وحدها، بل بدأ يصل إلى الجماعات التي تضغط من أجلها داخل الولايات المتحدة. وهنا تحديدا يصبح كتاب كليفتون ولوستيك أكثر أهمية. فهما لا يناقشان العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية باعتبارها مجرد تحالف بين دولتين، وإنما يركزان على البنية السياسية الداخلية التي تحمي هذا التحالف من التحولات في الرأي العام، وعلى منظومة تمويل انتخابي تجعل تكلفة مخالفة الجماعات المؤيدة لإسرائيل مرتفعة بالنسبة إلى المرشحين.

وقد بدأت آثار هذا التحول تظهر حتى في الحسابات الانتخابية الجمهورية. ففي أغسطس/آب 2026 ذكر موقع “أكسيوس” أن حلفاء المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ميشيغان مايك روجرز طلبوا من “أيباك” عدم إظهار دعمها له علنا، خشية أن يتحول ارتباطه بها إلى عبء انتخابي وسط تغير المزاج تجاه إسرائيل والحرب في غزة. والأهم أن المنظمة كانت قد أنفقت عشرات الملايين من الدولارات في سباقات انتخابية سابقة في الولاية.

عندما يصل السياسي الأمريكي إلى مرحلة لا يخشى فيها فقط معارضة اللوبي، بل يخشى أيضا أن يُرى وهو يحصل على دعمه، فإننا نكون أمام تحول حقيقي في معنى القوة السياسية.

إن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة تدخل ربما مرحلة انتقال من كونها قضية حزبية شبه مقدسة إلى قضية سياسية قابلة للنقاش والمساومة والمحاسبة مثل بقية ملفات السياسة الخارجية

الإشكالية لم تعد في المال وحده

لطالما كان تفسير نفوذ اللوبي الإسرائيلي في واشنطن قائما على ثلاث ركائز: المال، والتنظيم، والقدرة على تحويل قضية السياسة الخارجية إلى قضية انتخابية داخلية. لكن القوة السياسية لا تقوم على المال وحده. فكل جماعة ضغط تحتاج في النهاية إلى بيئة اجتماعية تجعل أهدافها مقبولة أو على الأقل غير مكلفة سياسيا.

الأخطر بالنسبة إلى اللوبي الإسرائيلي ليس ما يعتقده الأمريكي البالغ من العمر سبعين عاما اليوم، بل ما يعتقده الأمريكي ذو الخامسة والعشرين الذي سيصوت لعقود مقبلة. الأجيال الأصغر سنا لم تتشكل سياسيا على صورة إسرائيل ما بعد الهولوكوست وحرب 1967 واتفاقيات السلام، بل على صور غزة والاستيطان والضفة الغربية والاحتجاجات الجامعية والجدل حول حرية التعبير والمساعدات العسكرية.

ولهذا فإن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة تدخل ربما مرحلة انتقال من كونها قضية حزبية شبه مقدسة إلى قضية سياسية قابلة للنقاش والمساومة والمحاسبة مثل بقية ملفات السياسة الخارجية. والتحول بدأ يصل حتى إلى الحزب الجمهوري. فمع أن الجمهوريين ما زالوا أكثر تأييدا لإسرائيل بفارق كبير، أظهرت مؤسسة غالوب في 2026 أن نسبة التعاطف مع الإسرائيليين بينهم تراجعت عشر نقاط، مقارنة بعام 2024، إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقدين.

اقرأ أيضا: قبر “مصاصة دماء” عمره 400 عام.. ماذا كشف العلماء عن شابة دُفنت بمنجل وقفل؟ | منوعات

وهذا يعني أن اللوبي قد يواجه مستقبلا مشكلة لم يعرفها من قبل: لم يعد الاعتراض يأتي فقط من اليسار التقدمي، بل من جيل جديد من الديمقراطيين، ومن المستقلين، وحتى من أجزاء من اليمين الأمريكي الذي يسأل بلغة “أمريكا أولا”: لماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تتحمل تكاليف سياسات دولة أخرى إذا تعارضت مع مصالحها؟

في الديمقراطيات، يمكن للمال أن يؤخر تغير السياسة، ويمكن لجماعات الضغط أن ترفع كلفة المعارضة، ويمكن للمؤسسات أن تقاوم الرأي العام سنوات طويلة. لكنها لا تستطيع إلى الأبد إلغاء التحولات الاجتماعية العميقة

نفوذ المؤسسات وضعف الشرعية

من المبكر بالتأكيد الحديث عن نهاية نفوذ “أيباك” أو اللوبي المؤيد لإسرائيل. فالمنظمات المؤيدة لإسرائيل لا تزال تمتلك موارد مالية كبيرة، وشبكات سياسية قوية، وعلاقات متجذرة داخل الحزبين، وقدرة مثبتة على التأثير في الانتخابات التمهيدية.

لكن النفوذ والشرعية ليسا الشيء نفسه. يمكن لمنظمة سياسية أن تصبح أكثر قدرة على جمع الأموال في اللحظة نفسها التي تصبح فيها أقل شعبية. ويمكن للوبي أن ينجح في إسقاط مرشح داخل انتخابات تمهيدية، لكنه يفشل في إقناع الجيل الجديد بالرواية التي يقوم عليها نفوذه.

وهذه تحديدا هي المفارقة الكبرى التي يكشفها كتاب “Israel’s Lobby” من دون أن تكون بالضرورة أطروحته الوحيدة: ربما بلغ النفوذ المؤسسي للوبي الإسرائيلي مرحلة عالية في اللحظة نفسها التي بدأ فيها الأساس الاجتماعي لذلك النفوذ بالتآكل.

لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان اللوبي الإسرائيلي قويا في واشنطن؛ فهو لا يزال قويا. السؤال الأكثر أهمية هو: إلى متى تستطيع مؤسسة سياسية الاحتفاظ بنفوذ يفوق حجم التأييد الشعبي للسياسات التي تدافع عنها؟

في الديمقراطيات، يمكن للمال أن يؤخر تغير السياسة، ويمكن لجماعات الضغط أن ترفع كلفة المعارضة، ويمكن للمؤسسات أن تقاوم الرأي العام سنوات طويلة. لكنها لا تستطيع إلى الأبد إلغاء التحولات الاجتماعية العميقة.

ولهذا قد تكون المعركة المقبلة حول إسرائيل في الولايات المتحدة أقل ارتباطا بمستقبل الشرق الأوسط وحده، وأكثر اتصالا بسؤال أعمق يتعلق بمستقبل الديمقراطية الأمريكية نفسها: من يملك القرار فعلا، ومن يمول صناعته، وأين تنتهي حدود نفوذ جماعات الضغط وتبدأ إرادة الناخبين؟

فكلما اتسعت الفجوة بين اتجاهات الرأي العام ومواقف المؤسسة السياسية، لم يعد الجدل حول إسرائيل مجرد نقاش في السياسة الخارجية، بل أصبح اختبارا لمدى قدرة النظام الديمقراطي الأمريكي على ترجمة التحولات الاجتماعية والانتخابية إلى سياسات تعكس ما يريده المواطنون، لا فقط ما تستطيع شبكات المال والنفوذ فرضه داخل واشنطن.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: الهلال الأحمر المصري ينتشر على الشواطئ للتوعية وتقديم الإسعافات الأولية للمصطافين

‫0 تعليق

اترك تعليقاً