Published On 26/8/2026
اقرأ أيضا: الهلال الأحمر المصري ينتشر على الشواطئ للتوعية وتقديم الإسعافات الأولية للمصطافين
|
آخر تحديث: 18:05 (توقيت مكة)
منجل حديدي فوق العنق، وقفل عند إصبع القدم، وشابة ماتت في سن صغيرة قبل نحو 400 عام. هكذا عُثر على أحد أكثر القبور إثارة للجدل في بولندا، قبل أن تكشف دراسة أثرية حديثة تفاصيل جديدة عن صاحبته والطقوس الغريبة التي رافقت دفنها.
وبينما اشتهرت إعلاميا باسم “مصاصة الدماء”، يرى الباحثون أن القبر يكشف شيئا آخر؛ خوف الأحياء من ميت اعتُقد أنه قد يعود لإيذائهم.
منجل فوق العنق وقفل في القدم
في عام 2022، عثر علماء آثار من معهد الآثار بجامعة نيكولاس كوبرنيكوس في تورون على قبر شابة في مقبرة بمنطقة بيين شمالي بولندا، يعود تاريخ دفنها إلى القرن السابع عشر.
كانت الشابة -التي يقدّر الباحثون عمرها عند الوفاة بنحو 17 إلى 19 عاما- مدفونة بطريقة غير معتادة، إذ وُضع منجل حديدي مقوس فوق عنقها، وثُبّت قفل مثلث الشكل في إصبع قدمها الكبير.
لماذا خافوا من عودتها؟
تكشف طبقات التربة ووضعية العظام أن القبر تعرض لاضطراب بعد الدفن، على الأرجح قبل اكتمال تحلل الجثمان. ويربط الباحثون هذا التدخل اللاحق بوضع المنجل فوق العنق، بحيث كان نصله موجها نحو الحلق.
أما القفل المثبت في إصبع القدم، فيبدو أنه كان جزءا من الإجراء نفسه، أي تقييد الجثمان ومنع حركته بعد الموت.
ويضع الباحثون هذه الممارسات في إطار ما يُعرف بالطقوس المضادة للشياطين أو الممارسات الرامية إلى حماية الأحياء من الموتى الذين يُعتقد أنهم قد يعودون لإلحاق الأذى بهم.
وتكتسب الحالة أهمية خاصة لأن اجتماع المنجل والقفل في قبر واحد لم يُسجَّل من قبل في الأدبيات الأثرية المنشورة، وفقا للدراسة.
ماذا كشف القبر عن حياتها؟
لم يقتصر البحث على طريقة الدفن، إذ أخضع العلماء بقايا الشابة لسلسلة من التحليلات الأثرية والبيولوجية، شملت التأريخ بالكربون المشع وتحليل الحمض النووي والنظائر المستقرة وفحص المواد والعناصر المرتبطة بالقبر.
وتشير النتائج إلى أنها نشأت على الأرجح في المنطقة نفسها، بينما كشف تحليل الحمض النووي عن سلالة أمومية نادرة، ذات جذور في شمال أوروبا، ولا تكفي هذه النتيجة وحدها لتحديد أصولها الجغرافية بدقة.
كما عثر الباحثون قرب جمجمتها على خيوط دقيقة من الفضة وذهب مطلي، كانت جزءا من نسيج حريري فاخر، مما يشير إلى أنها ربما كانت تنتمي إلى أسرة ذات مكانة اجتماعية مرتفعة.
لكن المكانة الاجتماعية لا تعني حياة مرفهة بالضرورة، إذ أظهرت تحليلات الكربون والنيتروجين أن نظامها الغذائي كان منخفضا في البروتين الحيواني مقارنة بعدد من البالغين المدفونين في المقبرة، وهو ما قد يشير إلى فترات من سوء التغذية. أما سبب وفاتها فلا يزال غير معروف.
أثر غامض في الفم
ومن بين النتائج التي أثارت اهتمام الباحثين وجود بقعة خضراء مميزة في سقف حلقها وعظام الرقبة.
في البداية، طُرح احتمال أن تكون البقعة ناتجة عن عملة معدنية، لكن التحليلات لم تؤيد ذلك. ويرجح الباحثون بدلا من ذلك احتمال تماس المنطقة مع جسم أو مادة تحتوي على النحاس قرب وقت الوفاة، من دون أن يتمكنوا حتى الآن من تحديد ماهيتها على وجه اليقين.
اقرأ أيضا: برلماني: توجيهات الرئيس السيسي بالمولد النبوي تعكس انحياز الدولة للمواطن
ولا يعرف الباحثون أيضا إن كانت لهذه المادة علاقة بسبب وفاة الشابة أو بطقوس دفنها.
“مصاصة دماء” أم ميتة خشيها الأحياء؟
ارتبط قبر الشابة منذ اكتشافه بتعبير “قبر مصاصة دماء”، وهو وصف ساعد على انتشار القصة، لكنه لا يصف ما أثبته علماء الآثار فعليا.
فالممارسات التي عُثر عليها تنتمي إلى تقاليد أوسع للتعامل مع موتى كان يُخشى أن يعودوا إلى عالم الأحياء. وفي أوروبا الوسطى والشرقية، استُخدمت عبر فترات مختلفة وسائل مثل المناجل والأقفال والأحجار وغيرها لتقييد الجثامين أو منعها من الحركة.
وفي القرن السابع عشر، كانت الأمراض والمجاعات وغيرها من المصائب تضرب المجتمعات بصورة متكررة، وقد يجد الناس في الموتى تفسيرا لما يعجزون عن فهمه. ويرى الباحثون أن هذه الظروف قد تساعد في تفسير سبب التعامل مع بعض الجثامين باعتبارها مصدرا محتملا للخطر.
مقبرة تكشف خوف مجتمع
ولم يكن قبر الشابة الحالة الغريبة الوحيدة في موقع بيين، فقد عثر علماء الآثار في المقبرة على مدافن أخرى ذات ترتيبات غير معتادة، مما يشير إلى أن التعامل مع الموتى والخوف من عودتهم كان جزءا من معتقدات أوسع لدى بعض أفراد المجتمع.
كما أن طبيعة المقبرة نفسها تثير تساؤلات، فهي لا تظهر في الخرائط التاريخية المعروفة، وتقع بعيدا عن القرية وبالقرب من مفترق طرق، في حين تخلو القبور من الصلبان الكاثوليكية والرموز التعبدية المعتادة. ويرجح الباحثون ارتباط الموقع بمجتمع بروتستانتي، مع احتمال استخدامه لدفن أشخاص واجهوا الرفض أو الخوف الاجتماعي.
لكن القبر لا يقدّم دليلا على وجود “مصاصة دماء” ، بقدر ما يقدّم أثرا ماديا على خوف حقيقي عاشه أشخاص قبل أربعة قرون؛ خوف من الموتى ومن الأمراض والمصائب ومن المجهول.
وبعد نحو 400 عام، يحاول علماء الآثار قراءة المنجل والقفل ليس باعتبارهما بقايا قصة رعب، وإنما بوصفهما آثارا لمعتقدات مجتمع حاول -بأدوات عصره- أن يضمن بقاء الموتى في قبورهم.
اقرأ أيضا: جولة لأوائل الجمهورية داخل جامعة مصر الجديدة