أعاد ظهور قطعة أثرية يمنية نادرة داخل متحف فرنسي الجدل حول مصير التراث اليمني الذي خرج من البلاد خلال العقود الماضية، بعدما كشف خبير آثار عن وجود عرش حجري سبئي معروض في متحف شامبليون «كتابات العالم» بمدينة فيجاك جنوب فرنسا.
اقرأ أيضا: 9 ملايين برميل يوميا.. هل تغني المسارات البديلة عن مضيق هرمز؟ | سياسة
ويرتبط العرش بالعصر السبئي المبكر، ويثير ظهوره خارج اليمن تساؤلات حول الطريق الذي سلكته القطعة منذ العثور عليها وحتى وصولها إلى المؤسسة المتحفية، ومن هم الأشخاص أو الجهات التي امتلكتها قبل عرضها في فرنسا.
اقرا أيضأ|10 ملايين جنيه في السنة تكفي؟.. أحمد السقا يحسم الجدل
عرش من الحجر الجيري يعود إلى مأرب
وأوضح خبير الآثار اليمني عبد الله محسن أن العرش مصنوع من الحجر الجيري، ويبلغ حجمه نحو 99 × 59 × 49 سنتيمتراً، ويعود إلى فترة مبكرة من العصر السبئي،وظهر العرش للمرة الأولى في عام 2013 ضمن دراسة للباحث الفرنسي فرانسوا برون، الذي أشار إلى أن مصدر القطعة يعود إلى وادي رغوان في محافظة مأرب،وبحسب المعلومات التي نشرها برون، جاء العرش ضمن مجموعة تضم ست قطع أثرية يمنية لم تكن منشورة من قبل، وجرى وصف مصادرها بأنها مرتبطة بعمليات نهب طالت مواقع أثرية مختلفة في اليمن.
هل خرج العرش من اليمن بطريقة قانونية؟
يثير هذا الوصف تساؤلات مهمة حول ظروف حصول القطعة على مسارها نحو الخارج، خصوصاً أن ارتباطها بقطع أخرى وُصفت بأنها ناتجة عن نهب مواقع أثرية يستدعي التحقق من تاريخها بشكل دقيق،لكن الباحث عبد الله محسن يشدد على أن هذا الأمر، بمفرده، لا يمثل دليلاً نهائياً على عدم قانونية خروج العرش من اليمن، وإنما يشكل مؤشراً يستوجب البحث والتدقيق في الوثائق التي رافقت انتقاله،ولهذا يطالب بالكشف عن سلسلة حيازة القطعة، ومعرفة من امتلكها قبل وصولها إلى فرنسا، وكيف انتقلت من يد إلى أخرى، وما إذا كانت هناك وثائق رسمية تسمح بتصديرها من اليمن.
ماذا تقول الوثائق؟
يرى الخبير أن الوصول إلى حقيقة العرش لا يبدأ بالجدل حول مكان عرضه حاليا، وإنما بتتبع سجله منذ لحظة خروجه من اليمن،ويشمل ذلك معرفة تاريخ دخوله إلى المتحف الفرنسي، وهوية المالك أو البائع السابق، والوثائق المتعلقة بانتقال الملكية، وأي تصاريح رسمية تثبت قانونية إخراج القطعة من الأراضي اليمنية،وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل القوانين اليمنية التي تفرض قيوداً على تصدير الآثار، ولا تسمح بذلك إلا في حالات محددة ووفق موافقات رسمية.
التراث اليمني أمام تحديات متواصلة
لا تأتي قصة العرش السبئي بمعزل عن ملف أوسع يتعلق بالآثار اليمنية التي وصلت إلى الخارج، في ظل ما تعرضت له المواقع الأثرية من نهب وتجارة غير مشروعة خلال فترات مختلفة،ويمثل التراث السبئي تحديداً جزءاً مهماً من التاريخ الحضاري لليمن، الذي شهد قيام ممالك قديمة وتركت وراءها نقوشاً ومنشآت وقطعاً أثرية ذات قيمة تاريخية كبيرة،ولهذا فإن كل قطعة تظهر خارج البلاد تفتح مجدداً باب التساؤل حول كيفية وصولها إلى هناك، وما إذا كانت قد خرجت بصورة قانونية أم كانت ضحية لعمليات تنقيب ونهب غير مشروع.
اقرأ أيضا: موعد مباراة الزمالك والبنك الأهلي في الدوري
السؤال الأهم: كيف وصلت إلى فرنسا؟
مع عرض العرش داخل متحف فرنسي، يصبح السؤال الأساسي ليس فقط عن مكان وجوده اليوم، بل عن الرحلة الكاملة التي قطعها منذ وجوده في اليمن وحتى وصوله إلى فرنسا،ويؤكد الباحثون أن توثيق هذه الرحلة عبر العقود والوثائق هو الخطوة الأولى لتحديد الوضع القانوني للقطعة، وتقييم ما إذا كانت هناك أسس للمطالبة باستعادتها أو اتخاذ إجراءات أخرى بشأنها.
وفي النهاية، أعاد العرش السبئي من مأرب قضية الآثار اليمنية المهربة إلى الواجهة، ليطرح من جديد ملفا لا يتعلق بقطعة حجرية فحسب، وإنما بذاكرة حضارية كاملة، وبحق بلد في معرفة أين ذهبت آثاره ومن الذي نقلها، تحت أي ظروف.