يصعب تعريف الهندوسية بوصفها دينا واحدا بالمعنى المعروف في الأديان الأخرى؛ فهي ليست عقيدة موحّدة، ولا تستند إلى مؤسس واحد، ولا تلتزم بنظام عقدي متفق عليه بين جميع أتباعها. والأدق أنها منظومة دينية واسعة نشأت في الهند، وترجع أصولها إلى ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة، واحتضنت عبر تاريخها الطويل عددا كبيرا من المعتقدات والاتجاهات الفلسفية والطقوس المتنوعة، حتى أصبحت أقرب إلى “أسرة من الديانات” منها إلى دين ذي إطار واحد.
اقرأ أيضا: مكافحة الإدمان: 3000 شاب وفتاة جدد انضموا لرابطة متطوعي الصندوق
ويمتد تنوع الهندوسية إلى العقائد والممارسات اليومية، فبين الهندوس من يؤمن بإله واحد، ومن يعبد آلهة متعددة، ومن يتبنى تصورات فلسفية مثل وحدة الوجود أو الثنائية. كما تختلف أساليب التدين، فهناك من يلتزم بالزهد والتقشف، ومن يحيا حياة دنيوية عادية، ومن يحرص على أداء الطقوس المنزلية أو زيارة المعابد، ومن لا يرى ذلك ضروريا. ويجمع هؤلاء جميعا الانتماء إلى التراث الهندوسي، مع الاعتقاد بأن الالتزام بالواجبات الدينية والاجتماعية يؤثر في مصير الإنسان في حياته القادمة.
وبحسب أبي الريحان البيروني (262-440 هـ) أحد أشهر العلماء في أديان الهند في التاريخ، فإن العقيدة الأساسية لهذه المظلة من الديانات هي الإيمان بتناسخ الأرواح. فهو يرى أن تناسخ الأرواح عندهم يحتلّ موقع التوحيد عند المسلمين، وموقع التثليث عند النصارى، ومكانة السبت عند اليهود، فهو علم الملة الهندية، ومن لم ينتحله فليس منهم.

تناسخ الأرواح أساس المعتقد
يرتكز الفكر الهندوسي على عقيدة تناسخ الأرواح (سامسارا)، وهي من أشهر معتقداته وأكثرها تأثيرا. وتقوم على أن الموت ليس نهاية الحياة، بل بداية ولادة جديدة في صورة أخرى، قد تكون في إنسان أو حيوان أو نبات، ثم تستمر هذه الدورة بلا نهاية حتى يتحقق التحرر النهائي. وبذلك تكون الحياة في الهندوسية دائرية، بينما هي مستقيمة في الديانات السماوية.
ويرتبط بذلك مفهوم الكارما، وهو القانون الذي يجعل أفعال الإنسان وأقواله وحتى نواياه سببا مباشرا في تحديد مصيره في الولادة التالية، فالإنسان الصالح قد يولد في منزلة أرفع، بينما تقوده الأعمال السيئة إلى حياة أدنى أو إلى ولادة في صورة كائن آخر.
ولهذا ارتبط نظام الطبقات بعقيدة الكارما، فأصبحت المكانة الاجتماعية تُفسَّر بأنها نتيجة طبيعية لأعمال الإنسان في حياة سابقة، وهو ما منح النظام الطبقي تبريرا دينيا وأخلاقيا، وجعل الاعتراض عليه يبدو اعتراضا على النظام الكوني نفسه!

قصة الخلق ونظام الطبقات
ليس في الهندوسية قصة خلق تذكر آدم وحواء، بل يتحدثون عن كائن كوني أولي عملاق يسمى بوروشا، أشار إليه البيروني باسم برهم. ويضفون عليه صفات كثيرة، ومن جسد بوروشا ظهرت طبقات البشر الأربع في الهند، وهنا اكتسب النظام الطبقي مفهومه الحاد والمغلق.
فالبشر عندهم أربع طبقات، تبعا لجسد بوروشا:
- البراهمة: وهم طبقة الرأس والفم، وبما أن الرأس منبع الفكر والكلام؛ فقد آمن الهنود أن الكهنة والعلماء والمفكرين خُلقوا من رأس هذا العملاق، ولذلك وُضعوا في أعلى الهرم الاجتماعي، ونالوا أرفع مكانة. ورغم أن الواقع الاجتماعي تغيّر كثيرا مع مرور الزمن؛ فإن هذه المكانة الرمزية لم تختف تماما، ولا يزال البراهمة يحظون باحترام واسع في قطاعات من المجتمع الهندي، حتى إن مارسوا مهنا مدنية لا علاقة لها بالكهانة أو التعليم الديني.
- الكشاتريا: وهم طبقة الأذرع والأكتاف، والأذرع ترمز إلى القوة والدفاع، ولذلك خُلق منها الحكام والملوك والمحاربون ليتولوا قيادة الدولة وحمايتها.
- الفايشيا: وهم طبقة الفخذين والبطن، والفخذان يمثلان دعامة الجسد، بينما يرمز البطن إلى الغذاء، ولذلك خُلق منهما التجار والمزارعون وصناع الاقتصاد.
- الشودرا: وهم طبقة القدمين، ولأن القدمين تقعان في أسفل الجسد وتتحملان العبء الأكبر، فقد خُلق منهما العمال والخدم وأصحاب المهن البسيطة، وكانت وظيفتهم خدمة الطبقات الثلاث التي تعلوهم.
وفي أسفل هذا الهرم الاجتماعي كانت توجد فئة عُرفت باسم المنبوذين، أو “الذين لا يُلمسون“، وهم الذين امتهنوا الأعمال التي عُدت نجسة، مثل دباغة الجلود وتنظيف القاذورات والتعامل مع الجثث. وقد تعرض هؤلاء عبر قرون طويلة لتمييز شديد، إذ حُرموا من دخول بعض المعابد، أو استخدام الآبار العامة، أو الاختلاط بالطبقات العليا، بل كان مجرد لمسهم أو الاقتراب منهم يعد سببا للتنجس في نظر كثير من الهندوس. وبذلك أصبحت الطبقية رؤية دينية كونية في الهندوسية، ففرضت قيودا على الزواج والعلاقات الاجتماعية، وعلى الاشتراك في الطعام والشراب بين الطبقات المختلفة.
ويذكر البيروني أن من أبرز ما حال بين كثير من الهندوس وبين الإسلام غياب النظام الطبقي فيه، وتقريره مبدأ المساواة بين الناس. وقد ظهرت حركات إصلاحية داخل الهندوسية رفضت نظام الطبقات وتجاوزته، لكنها استحالت في النهاية أديانا جديدة، كالبوذية والجاينية، إذ نادتا بإنشاء جماعات دينية تقوم على المساواة بين أعضائها، بينما فضّلت حركات أخرى إصلاح النظام من داخله، مثل المهاتما غاندي، الذي كان من أبرز الداعين إلى إلغاء التمييز ضد المنبوذين مع الإبقاء على بعض الجوانب المهنية التقليدية.
وبعد استقلال الهند، ألغى الدستور الهندي عام 1948 نظام “عدم اللمس”، ومنع ممارسته قانونيا، إلا أن إزالة آثاره الاجتماعية ما تزال تظهر بدرجات متفاوتة في بعض المناطق. كما أسهم التصنيع والتعليم والهجرة إلى المدن، في إضعاف القيود الطبقية التقليدية، وأصبح الاختلاط بين الطبقات في المدارس ووسائل النقل وأماكن العمل أكثر شيوعا من السابق، وإن لم تختف الفوارق تماما.

الهندوسية والتأليه
تحدث البيروني عن تفاوت درجات التحقيق العلمي والعقلي بين طبقات المجتمع الهندوسي؛ فبينما يعتقد الخاصة بالإله براهمان الواحد الأزلي الذي لا ابتداء له ولا انتهاء؛ تقف العامة عند المحسوس، ونتج عن ذلك تبني تصورات وثنية كثيرة. ولذلك يقول أستاذ الفلسفة وتاريخ الأديان جون بي نوس (John B. Noss): إن الإنسان الهندوسي العادي هو بلا شك وربما بلا حدود إنسان مشرك. فعلى الرغم من أن كل أسرة تختار إلها أو إلهة تتخذها راعيا خاصا، وتحتفظ بصورته أو رمزه داخل المنزل، فإن ذلك لا يمنعها من التوجه إلى آلهة أخرى كلما اقتضت الحاجة. ولهذا يردد الهندوس مقولة شائعة مفادها أن عدد الآلهة يبلغ نحو 330 مليون إله، وهو رقم يعكس فكرة التنوع الهائل في الكائنات المقدسة التي يمكن اللجوء إليها.
فمن أراد إزالة العقبات توجه إلى غانيشا ابن شيفا صاحب رأس الفيل، ومن طلب القوة استغاث بهانومان، ومن خشي على مريض يحتضر دعا راما، أما من طلب الثروة أو الحماية من الأمراض أو كثرة الأبناء أو سلامة المواشي فقد يلجأ إلى آلهة أخرى بحسب الغاية المطلوبة.
وبوجه عام، تندرج تحت مظلة الهندوسية طوائف متعددة، منها أتباع الإله فيشنو، والإله شيفا، أو الإلهة شاكتي، أو تجسداتهم ومظاهرهم هم وأزواجهم وذريتهم. ولا تقتصر العبادة على المعابد؛ إذ يستطيع الهندوسي أن يؤديها في أي مكان، فقد يرى في حجر مستدير على ضفة نهر رمزا لشيفا، أو في شجرة معينة مظهرا لقوة الخصب، أو في كهف موضعا تحلّ فيه قوة إلهية، ولذلك تنتشر المظاهر التعبدية في مختلف أنحاء البيئة المحيطة.
أما الآلهة الكبار عند الهندوس فهم: براهما الخالق، وشيفا المدمر، وفيشنو الحافظ. وتمثل هذه الآلهة، وفق التصور الهندوسي القوى الأساسية التي يقوم عليها الكون. ومع مرور الزمن لم تقتصر مكانتها على هذه الوظائف الثلاث، بل استوعبت تدريجيا وظائف عشرات بل مئات الآلهة المحلية التي كانت تُعبد في مناطق الهند المختلفة.
ويفسّر البراهمة ذلك بالقول إن الحقيقة المطلقة -أو “براهمان آتمان”، وهي الحقيقة الإلهية العليا- تتجلى للبشر في ثلاثة مظاهر رئيسية، هي: براهما، وشيفا، وفيشنو، بحيث يجسد كل واحد منها وظيفة كونية محددة وهي: الخلق، والتدمير، والحفظ.

براهما.. الإله الخالق
يُعدّ براهما إله الخلق، إلا أن عبادته اليوم هي الأقل انتشارا مقارنة بعبادة شيفا وفيشنو، إذ لا يوجد سوى عدد محدود من المعابد المخصصة له. ويُفسَّر هذا التراجع بأن دوره وفق المعتقد الهندوسي انتهى بعد أن أتم خلق العالم، فلم يعد يتدخل بصورة مباشرة في شؤون الكون، وإن ظلّ يحظى بمكانة رفيعة واحترام كبير.
وتصوّره الفنون الهندوسية في هيئة ملك مهيب ذي أربعة رؤوس، يقرأ كتب الفيدا من جميع الجهات، ويركب أوزة برية بيضاء، في إشارة إلى سموّه وبعده عن العالم وانشغاله بالحكمة أكثر من تدبير شؤون الحياة اليومية.

شيفا.. إله التدمير والخلق
يُعدّ شيفا أحد أكثر الآلهة تأثيرا وشعبية في الهندوسية، حتى إن أتباعه يطلقون عليه لقب “الإله العظيم”. وتجمع شخصيته بين صفات تبدو متناقضة للوهلة الأولى، فقد ورث كثيرا من صفات الإله الفيدي القديم رودرا، ولذلك ارتبط بالتدمير والموت والكوارث. وتصفه نصوص الياجور فيدا بأنه المتوعد وشديد البطش والمتسبب بالألم والكرب، ويرتبط حضوره بسقوط أوراق الأشجار والمرض والموت، كما يُكرَّم في أماكن حرق الجثث.
ومع ذلك؛ لا يُنظر إليه باعتباره رمزا للشر، بل يحمل اسمه نفسه معنى “الميمون” أو “المبارك”. ويرى أتباعه أن التدمير الذي يقوم به ليس غاية في ذاته، وإنما هو تمهيد لبداية جديدة، فكل نهاية تفتح الطريق أمام ميلاد جديد. ولذلك أصبح شيفا رمزا لدورة الحياة التي تتكرر فيها الولادة والموت بصورة مستمرة، كما يحدث في الطبيعة عندما تتساقط الأوراق لتفسح المجال لنمو غيرها، أو كما يعتقد الهندوس في انتقال الروح من حياة إلى أخرى عبر التناسخ.
ومع تطور العقيدة، اتسعت وظائف شيفا، فلم يعد إلها للتدمير فحسب، بل أصبح يمثل أيضا قوة الحياة والخصوبة والتكاثر في الإنسان والحيوان والنبات. ولهذا ارتبطت عبادته برمزين معروفين هما: “لينغام” (lingam) و”يوني” (yoni) اللذان يرمزان إلى العضوين التناسليين الذكري والأنثوي، ويُنظر إليهما بوصفهما رمزين للقوة الخلاقة في الكون. ويُظهر أتباع شيفا احتراما بالغا لهذين الرمزين داخل المعابد والبيوت، ويعدونهما تعبيرا عن سر الخلق واستمرار الحياة. ومن أشهر الجماعات الشيفية طائفة “اللينغايات”، التي ظهرت في القرن الثاني عشر الميلادي، ويحرص أتباعها على حمل تمثال صغير للينغام معلقا في أعناقهم، ولا يظهرون في الأماكن العامة من دونه.
كما يُصوَّر شيفا في كثير من التماثيل راقصا فوق جسد شيطان الوهم، في مشهد يرمز إلى انتصار الحقيقة على الوهم، وإلى استمرار حركة الكون بين الموت والحياة. ويظهر بأربع أذرع، يحمل في إحداها طبلة ترمز إلى بداية الخلق، وفي الأخرى شعلة ترمز إلى الفناء، بينما توحي رقصته بالدورة الدائمة للكون. ويُرسم كذلك بعين ثالثة في منتصف جبهته، وبعنق أزرق تحيط به الأفاعي، وأحيانا بعدة وجوه للدلالة على تعدد قدراته وصفاته.
ورغم اقترانه بالقوة والحركة، يُعد شيفا أيضا راعيا للنساك والزهاد. فكثيرا ما يُصوَّر جالسا في حالة تأمل عميق، وقد غطى الرماد جسده، واتخذ هيئة الناسك المنقطع عن الدنيا. ويُفسَّر ذلك بأن الناسك في الفكر الهندوسي يدمر رغباته وشهواته ليحرر روحه، وهي الفكرة نفسها التي يمثلها شيفا؛ فالتدمير هنا ليس إلغاء للحياة، بل وسيلة للوصول إلى حياة روحية أسمى.
ولهذا رأى عدد من الباحثين أن الشيفية تقدم تصورا فلسفيا للقوة التي تدير الكون؛ فهي القوة التي تهدم لتبني، وتفني لتمنح حياة جديدة، بحيث يصبح الخلق والتدمير وجهين لعملية واحدة هي التغيير المستمر.

زوجات شيفا وأتباعه
يرتبط شيفا بعدد من الشخصيات الإلهية التي تمثل جوانب مختلفة من قوة الحياة. فأشهر زوجاته هي ديفي التي تظهر بأسماء متعددة في أنحاء الهند، منها بارفاتي ربة الجبال اللطيفة، وأوما التي ترمز إلى النور، ودورغا المحاربة، وكالي السوداء، التي تجمع بين القوة والرهبة.
وتُعد كالي من أكثر الشخصيات إثارة في الميثولوجيا الهندوسية؛ إذ تُصوَّر ناشرة للمرض والموت، وترتدي عقدا من الجماجم، وتُهلك أعداءها بقوة هائلة. لكنها في الوقت نفسه تُعد أمّا رحيمة وحامية للمؤمنين بها، ولذلك تحظى بمكانة كبيرة، ولا سيما في إقليم البنغال، حيث كرَّس لها عدد من كبار الزهاد والمصلحين حياتهم.
ويرتبط بشيفا أيضا الإله غانيشا صاحب رأس الفيل، وهو ابنه من بارفاتي، ويُعد في المعتقد الهندوسي مزيل العقبات، لذلك يلجأ إليه الناس عند بداية الأعمال الجديدة. كما يرتبط به ناندي الثور الأبيض، الذي يُمثل الحارس الأمين لمعابد شيفا، ورمزا للقوة والإخلاص.

الشاكتية: عبادة القوة الأنثوية
ترى بعض مدارس الهندوسية أن زوجات شيفا يمثلن الشاكتي، أي الطاقة الأنثوية الفاعلة التي تتحرك بها قوى الكون. ومع مرور الزمن نشأ تيار ديني مستقل عُرف باسم الشاكتية، جعل من عبادة هذه القوة محورا أساسيا له، ولا سيما في شمال شرق الهند.
وتنقسم الشاكتية إلى اتجاهين رئيسيين:
الأول هو اتجاه اليد اليمنى، ويتميز بطابع فلسفي وروحي، إذ ينظر إلى الإلهة بوصفها الأم الكبرى التي تجمع بين الحياة والموت، ويُفسِّر العالم على أنه تجلٍّ لقوة إلهية واحدة. وقد تبنى هذا الاتجاه عدد من المفكرين والمتصوفة الهنود، مثل راما كريشنا الذي كان يرى أن براهمان الحقيقة المطلقة، وشاكتي القوة الفاعلة؛ حقيقتان لا تنفصلان، تماما كما لا ينفصل الضوء عن الشمس.
أما الاتجاه الثاني، المعروف باسم اتجاه اليد اليسرى، فيغلب عليه الطابع السحري والباطني، ويقوم على طقوس سرية تتضمن تجاوز عدد من المحرمات الدينية، باعتبار أن الهدف ليس المتعة الحسية، وإنما السيطرة على الشهوات وتجاوزها للوصول إلى الاتحاد بالقوة الإلهية.

فيشنو.. الإله الحافظ
يُعرف فيشنو بأنه الإله الحافظ الذي يرعى العالم ويحمي الخير والقيم كلما تعرضت للخطر. وعلى خلاف شيفا الذي يجمع بين التدمير والبناء، يُنظر إلى فيشنو بوصفه رمزا للحب والرحمة والصبر.
وتصوره الفنون الهندوسية بأربع أذرع يحمل فيها رموز سلطانه وقوته، ويظهر مرتديا ثيابا صفراء وعلى رأسه تاج، بينما يستلقي في بعض الصور فوق الأفعى الكونية شيشا، ويتخذ من الطائر الأسطوري غارودا مركبا له، أما زوجته فهي الإلهة لاكشمي، ربة الثروة والجمال.
ويرجع جانب كبير من شعبية فيشنو إلى الاعتقاد بأنه لا يترك العالم دون عون، بل يتجسد كلما اقتضت الحاجة لإنقاذ البشر وإعادة النظام إلى الكون. ولذلك تؤمن الهندوسية بأنه ظهر في صور متعددة عبر التاريخ منها: القزم الذي استعاد الأرض من ملك الشياطين، كما تجسد في شخصيات بطولية مثل راما بطل ملحمة الرامايانا، وكريشنا بطل الماهابهاراتا، إضافة إلى عدد من التجسّدات البشرية والحيوانية الأخرى التي تحتل مكانة مركزية في العقيدة الهندوسية.

تجسدات فيشنو.. كيف يحضر الإله إلى العالم؟
تقوم عقيدة فيشنو على فكرة محورية، هي أن الإله لا يترك العالم إذا اختل فيه ميزان العدل أو غلب عليه الشر، بل يتجسد في صور مختلفة ليعيد النظام ويحمي الخير. ولهذا عُرفت هذه الصور باسم التجسدات أو “الأفاتارات”، وهي من أشهر العقائد في الهندوسية وأكثرها حضورا في الوجدان الشعبي.
ويحدد التقليد الهندوسي عدد تجسدات فيشنو بعشرة تجسدات رئيسية، مع أن المعتقدات الشعبية توسع هذا العدد ليشمل صورا أخرى. وتؤمن الهندوسية بأن تسعة من هذه التجسدات قد ظهرت بالفعل، بينما لا يزال التجسد العاشر منتظرا.
وتروي الأساطير أن فيشنو ظهر في أزمنة مختلفة بأشكال بشرية وحيوانية لتحقيق غايات متنوعة، فقد تجسد في هيئة سمكة أنقذت الإنسان الأول مانو من الطوفان العظيم، وتجسّد في صورة سلحفاة حملت جبلا استخدمته الآلهة لاستخراج رحيق الخلود من المحيط، كما ظهر في هيئة خنزير بري رفع الأرض من أعماق البحر، وفي صورة كائن نصفه إنسان ونصفه أسد ليقضي على أحد الشياطين، ثم ظهر في صور بشرية أخرى ارتبطت بالدفاع عن النظام الديني والاجتماعي.
ومن اللافت أن القائمة التقليدية للتجسّدات تضمّ أيضا بوذا، مؤسس الديانة البوذية. ويرى بعض الباحثين أن إدراج بوذا ضمن تجسدات فيشنو كان محاولة لاستيعاب البوذية داخل الإطار الهندوسي والتقريب بين الديانتين.
أما التجسد العاشر فهو كالكي، الذي تؤمن الهندوسية بأنه سيظهر في نهاية العصر الحالي ممتطيا حصانا أبيضا، حاملا سيفا من لهب، ليقضي على الشر ويعيد العدل، قبل أن تبدأ دورة كونية جديدة.

راما.. نموذج الإنسان الكامل
يُعدّ راما أشهر تجسّدات فيشنو، وهو بطل ملحمة الرامايانا، ويُنظر إليه بوصفه المثال الأعلى للرجل الصالح، كما تُعد زوجته سيتا النموذج المثالي للمرأة الوفية.
وتروي الملحمة أن حياة راما الهادئة انقلبت عندما اختطف ملك الشياطين رافانا زوجته سيتا ونقلها إلى جزيرة سيلان، عندئذ بدأ راما رحلة طويلة لاستعادتها، استعان خلالها بهانومان القرد البطل الذي أصبح لاحقا إلها مستقلا في الهندوسية. وبعد معارك عديدة تمكن راما من هزيمة رافانا واستعادة زوجته التي أثبتت طهارتها باجتياز اختبار النار.
وقد انتشرت قصة الرامايانا في أنحاء الهند بصيغ متعددة، حتى أصبح راما من أكثر الشخصيات تبجيلا، بل إن ملايين الهندوس لا يرونه مجرد بطل أسطوري، وإنما يعدونه تجسدا للإله فيشنو، بينما تذهب بعض الطوائف إلى عبادته باعتباره الإله الأعلى نفسه.
كما نشأت حول راما نقاشات لاهوتية تتعلق بطريقة النجاة والخلاص؛ فبعض أتباعه يرون أن الإنسان لا ينال الخلاص إلا إذا تعاون بإرادته مع الإله، كما يتعلق صغير القرد بأمه أثناء تنقلها بين الأشجار. وفي المقابل ترى جماعة أخرى أن الخلاص يتحقق بفضل الإله وحده الذي يحمل المؤمن إلى النجاة كما تحمل القطة صغيرها من رقبته، من غير أي جهد منه.

كريشنا.. الإله المحارب والراعي العاشق
وإذا كان راما يمثل نموذج البطولة والالتزام الأخلاقي؛ فإن كريشنا هو الشخصية الأكثر شعبية في الهندوسية، إذ يجمع بين صورتين مختلفتين: الصورة الأولى يقدمها كتاب الماهابهاراتا، حيث يظهر قائدا حكيما ومحاربا، ويؤكد أن الخلاص يتحقق بالإيمان المطلق بفيشنو الذي يُعدّ كريشنا تجسده الأرضي، وفي هذا السياق يدعو الناس إلى العبادة الكاملة والتسليم للإله. أما الصورة الثانية فتظهر في الحكايات الشعبية، حيث يبدو كريشنا طفلا مرحا يحب اللهو وسرقة الزبدة، ثم شابا وسيما يعمل راعيا للأبقار، يعزف الناي فيجذب إليه الحلابات اللاتي يفتتن بجماله وعذوبة موسيقاه.
وتحتل راذا مكانة خاصة في هذه القصص، إذ تُصوَّر بوصفها أحب النساء إلى كريشنا، وأصبحت رمزا للحب الإلهي في عدد من المدارس الهندوسية. ولذلك تؤمن بعض الطوائف بأن المؤمنين الصالحين سينتقلون بعد الموت إلى عالم روحي يعيش فيه كريشنا وراذا في سعادة أبدية.
اقرأ أيضا: صدمة في الهند.. شاهد طفلا يفارق الحياة إثر صفعة معلمته | أخبار
ورغم أن القصص الشعبية تصف علاقة كريشنا بالنساء بلغة عاطفية؛ فإن أتباعه يؤكدون أن المقصود بها ليس الحب الجسدي، وإنما التعبير الرمزي عن شوق الإنسان إلى الاتحاد بالإله، وأن المحبة الإلهية هي المعنى الحقيقي الذي ترمز إليه هذه الروايات.

الكتب المقدسة.. سروتي وسمرتي
تنقسم الكتب المقدسة في الهندوسية إلى قسمين رئيسيين: سروتي وسمرتي. أما سروتي، وتعني “كل ما سُمِع”، فيؤمن الهندوس بأنها إلهام إلهي، وأنها ثمرة اتصال جماعة من الملهمين بالمعرفة المتعالية. وتمثلها الفيدات، وكلمة فيدا تعني “العلم المقدس”، ويعتقد الهندوس أن الفيدات أزلية وأبدية، وتنقسم إلى أربعة كتب، هي:
- الريج فيدا: وهو أشهر الفيدات وأهمها وأشملها، ويرجع تأليفه إلى نحو 3000 ق.م، ويضمّ 1017 أنشودة دينية كان أتباعها يتضرعون بها إلى الآلهة.
- الياجور فيدا: ويشتمل على العبارات النثرية التي يتلوها الكهنة عند تقديم القرابين.
- الساما فيدا: ويضم الأغاني والأناشيد التي تُنشد أثناء إقامة الصلوات وتلاوة الأدعية.
- الآثارفا فيدا: ويشتمل على نصوص تتناول السحر والرقى والمعتقدات الخرافية ذات الطابع الهندي القديم.
وفي أواخر الفيدات تأتي الأوبانيشادات، وهي مجموعة من النصوص التي تضم حكم المعلمين الروحيين، وتتناول قضايا فلسفية ودينية، مثل مفهوم الإله والروح والكون وطبيعة الوجود.
أما سمرتي، وتعني “كل ما يُتذكر”، فتضم مجموعة واسعة من الكتب التي تمثل التقاليد الهندوسية ورواياتها، لكنها لا تُعد عند الهندوس في منزلة سروتي؛ لأنها ليست إلهاما. وتشمل كتب القانون، مثل قانون مانو الذي يضم قواعد ومبادئ اجتماعية تنظم حياة الهندوسي، وكتب البورانا التي تتناول أخبار الآلهة وأسرهم وذرياتهم، إضافة إلى الملاحم الكبرى، مثل الرامايانا والماهابهاراتا التي تروي سير الأبطال وتعرض تصورات عن الجزاء وفق العمل، فضلا عن الكتب التي تتناول طقوس الفرق الهندوسية المختلفة، والمؤلفات الفلسفية التي تبحث في قضايا الوجود والإله والكون.

مكانة البقرة
تمثل البقرة إحدى أبرز الرموز الدينية في الهندوسية، ويرى عدد من الباحثين أن التركيز على عقيدة تناسخ الأرواح دفع بعض الدارسين إلى إغفال المكانة الكبيرة التي تحتلها البقرة في الحياة الدينية للهندوس، مع أنها تمثل ركنا أساسيا في الممارسة الشعبية.
ولا تقتصر مكانة البقرة على رمزيتها الدينية، فالنصوص التقليدية تعدّها أقدس الحيوانات، وتذهب بعض المعتقدات إلى أن الآلهة تحل في أجزائها المختلفة، وأن منتجاتها كاللبن والبول والروث؛ تتمتع بقداسة خاصة، وتستخدم في طقوس التطهير والعبادة، كما تدخل في بعض الاستخدامات اليومية داخل القرى الهندية.
وامتدت هذه القداسة إلى الثور أيضا، ولا سيما الثور الأبيض المرتبط بالإله شيفا، إذ يعد إطلاق الثيران لتجوب الطرقات عملا فضيلا، خاصة إذا كان ذلك عن روح شخص متوفى.
وفي فترات تاريخية مختلفة كان قتل البقرة يُعد من أعظم الجرائم، وقد تصل عقوبته إلى الإعدام أو النبذ الاجتماعي. كما كان هذا الأمر من أسباب التوتر بين المسلمين والهندوس، بسبب ذبح الأبقار في عيد الأضحى، وهو ما أدى بعد استقلال الهند وتقسيمها إلى فرض قيود على هذه الممارسة في عدد من الولايات الهندية.
وتشهد بعض مناطق الهند احتفالات خاصة بالأبقار، حيث تُزين بالقلائد، وتُدهن رؤوسها بالزيوت، وتُغسل أقدامها بالماء، تعبيرا عن التقدير والامتنان لما تقدمه للإنسان من غذاء وخدمة. وفي الريف الهندي يستخدم روثها وقودا، ويدخل في طلاء الجدران والأرضيات، ويستعمل في بعض الممارسات التقليدية المتعلقة بالنظافة والعلاج. كما لا يزال بعض الناس في المناطق الريفية يربطون المحتضَر بذيل بقرة، أو بحبل متصل بها، اعتقادا بأن ذلك يساعده على العبور الآمن إلى الحياة الأخرى.

اليوغا
شهدت الهندوسية تحولات فكرية عميقة غيّرت كثيرا من ملامحها؛ إذ انتقل الاهتمام تدريجيا من الطقوس الجماعية والقرابين التي يؤديها الكهنة إلى التركيز على التجربة الفردية، والبحث عن الحقيقة في داخل النفس، والاعتماد على التأمل والزهد باعتبارهما طريقا للخلاص.
وفي هذا السياق، برزت اليوغا التي تعني في أصلها “الاتحاد” أو “الوصل”، بوصفها طريقا يجمع بين تهذيب الجسد والعقل للوصول إلى التحرر الروحي. ومع مرور الزمن، أصبحت اليوغا منظومة متكاملة من الرياضات النفسية والجسدية، ولم تعد مجرد وسيلة للتأمل، بل تحوّلت إلى أحد أبرز المظاهر المرتبطة بالتراث الهندوسي.
وتقوم اليوغا الكلاسيكية على مراحل متدرجة تبدأ بالانضباط الأخلاقي، وضبط الشهوات، والمحافظة على الطهارة، ثم الانتقال إلى أوضاع جسدية خاصة، وتنظيم التنفس، وسحب الحواس من المؤثرات الخارجية، فالتركيز والتأمل وصولا إلى حالة السامادي، وهي حالة من الصفاء الروحي الكامل، يعتقد صاحبها أنه يتحرر فيها من قيود العالم المادي ويتحد بالحقيقة المطلقة.
كما ظهرت لاحقا مدارس أخرى، مثل هاثا يوغا التي ربطت بين التمارين الجسدية ومفهوم مراكز الطاقة في جسم الإنسان، واعتبرت أن تنشيط هذه المراكز يقود إلى الاستنارة الروحية. ونُسب إلى بعض ممارسيها امتلاك قدرات خارقة، إلا أن الغاية الأساسية بقيت، بحسب التراث الهندوسي: تحرير النفس من التعلق بالعالم المادي.

الحج والأماكن المقدسة
يشغل الحج مكانة بارزة في الحياة الدينية للهندوس، ويتمثل في زيارة الأماكن المقدسة التي يعتقدون أنها تمنح الزائر بركات خاصة وتقرّبه من الآلهة، وتساعده على التطهّر من الذنوب. ولذلك يحرص ملايين الهندوس كل عام على شد الرحال إلى هذه المواقع التي تمثل جزءا أساسيا من تجربتهم الدينية.
وتتنوع الأماكن المقدسة في الهندوسية، ويزداد عددها مع مرور الزمن. وقد اكتسب بعضها قداسته بسبب خصائصه الطبيعية، كالجبال والكهوف والينابيع والصخور ذات الأشكال المميزة، أو بسبب ارتباطه بروايات وأساطير تتحدث عن ظهور إله أو وقوع معجزة في ذلك المكان. أما بعضها الآخر فأصبح مقدسا بعد تشييد المعابد والمزارات فيه، حتى غدا مع مرور الوقت مركزا للحج والعبادة.
وتنتشر نسبة كبيرة من هذه المواقع على ضفاف الأنهار، لأن الهندوس ينظرون إلى الأنهار الكبرى بوصفها أنهارا مقدسة تمتد قداستها من المنبع إلى المصب. وقد زخرت الأساطير الهندوسية بقصص تربط أجزاء هذه الأنهار بزيارات قامت بها الآلهة، مثل شيفا أو فيشنو أو راما أو كريشنا، وهو ما منحها مكانة خاصة في الوعي الديني للهندوس.
ولهذا يرى كثير من المؤمنين أن السير على امتداد النهر المقدس، وزيارة المعابد المنتشرة على ضفتيه، والاستماع إلى الروايات المرتبطة بكل موضع، عمل تعبدي يجلب البركة والثواب. غير أن معظم الحجاج يكتفون بزيارة بعض هذه المواقع، حيث يقدمون الزهور للنهر، ويغتسلون بمياهه طلبا للتطهر، ثم يحملون شيئا من مياهه إلى منازلهم لاستخدامها في الطقوس الدينية، ولا سيما تلك المتعلقة بالموت والجنائز.

ويحتل نهر الغانج المكانة الأولى بين الأنهار المقدسة في الهندوسية، ويعرف في أنحاء الهند باسم “الأم غانجا”. وترجع هذه المكانة إلى أسطورة تقول إن مياهه تنبع من تحت قدمي الإله فيشنو في السماء، ثم تهبط على رأس شيفا قبل أن تنساب إلى الأرض، ولذلك ينظر إليه بوصفه نهرا ذا أصل سماوي.
ويبدأ كثير من الحجاج رحلتهم من سفوح جبال الهيمالايا، حيث ينبع الغانج بمياهه الصافية، ويعد هذا المكان من أشهر مراكز الحج في الهند، وإلى هناك يتوافد الزوار للاستحمام في مياهه الباردة اعتقادا بأنها تطهرهم من الخطايا.
ومن المواقع المهمة أيضا مدينة الله آباد، التي تقع عند ملتقى نهري الغانج ويامونا، وتستضيف تجمعات دينية ضخمة تعرف باسم الميلاس، حيث يفد إليها ملايين الحجاج للمشاركة في الاحتفالات والطقوس الجماعية.
كما تحظى منطقة دلتا الغانج في خليج البنغال بمكانة مقدسة، ولا سيما جزيرة سوغور التي يقصدها الحجاج للاستحمام في بداية كل عام طلبا للبركة. أما المدينة التي تحظى بأعظم شهرة بين الحجاج فهي بنارس (فاراناسي) التي تعد عند كثير من الهندوس أقدس مدنهم الدينية. ويعتقد الحجاج أن الوصول إليها يمنحهم فرصة للتكفير عن ذنوبهم، ولذلك يغمرهم شعور عميق بالفرح عند رؤية معابدها للمرة الأولى، فيسجد بعضهم على الأرض تعبيرا عن الخضوع، ثم يتوجهون إلى الأدراج الحجرية الممتدة على ضفاف الغانج ليغتسلوا في مياهه المقدسة.
ويؤمن كثير من الهندوس بأن الاغتسال في الغانج يمحو الخطايا، وأن الموت في مدينة بنارس أو حرق الجثمان على ضفاف النهر وفق الطقوس الدينية؛ يمنح صاحبه خلاصا أفضل وحياة أخرى أكثر سعادة. ولهذا يقصدها كثير من كبار السن في أواخر حياتهم، أملا في أن تكون نهاية رحلتهم الدنيوية هناك.
اقرأ أيضا: نابولي يستهل مشواره في الدوري الإيطالي بمواجهة جنوى