بحلول منتصف شهر أغسطس/آب، انطلقت بالفعل الحملات الانتخابية الإسرائيلية، ويكشف إمعان النظر في المرشحين وخطاباتهم، فضلا عن التغطية الإعلامية الإسرائيلية لهذه الحملات، الكثير عن التوجهات الأيديولوجية للدولة وآفاقها المستقبلية.
اقرأ أيضا: رفع الحماية.. لماذا تضيّق الدول الغربية الخناق على اللاجئين السوريين؟ | أخبار
سيتعرف جُلّ اليهود الإسرائيليين على المرشحين عبر القنوات التلفزيونية الرئيسية الأربعة، ومنصاتها الرقمية التابعة لها، مما يعني استبعاد استماعهم أو مشاهدتهم سياسيين من المعسكر المعارض، ناهيك عن إدراكهم كيفية رؤية العالم الخارجي للحقائق الراهنة على أرض الواقع.
وقد التزمت القنوات الأربعة صمتا مريبا إزاء الإبادة الجماعية في غزة، فلا تنقل سوى أشد أعمال العنف تطرفا التي يقترفها المستوطنون في الضفة الغربية، وتتكتم بالمثل على الدمار الذي يلحق بجنوب لبنان.
ونتيجة لذلك، يُستبعد أن تؤدي السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وسكان جنوب لبنان أي دور في الانتخابات.
وتبرز قضية إعلامية أخرى، ورغم أهميتها، يبدو أنها لا تهم سوى شريحة صغيرة من الناخبين اليهود، ألا وهي تصاعد معدلات الجريمة في أوساط المجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل.
فقد أسفر عنف العصابات، الذي تقابله استجابة شرطية هزيلة، عن جرائم قتل شبه يومية، غالبا ما يروح ضحيتها أبرياء لا علاقة لهم بصراعات تلك العصابات. ويشتبه الكثيرون، وهم محقون في اعتقادي، في أن هذا التقاعس متعمد في ظل تولي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير منصبه.
لن يتغير الكثير في ظل حكومة بديلة، فهم يعارضون إقامة دولة فلسطينية، ويدعمون مساعي تهويد أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وسيواصلون الإبادة الجماعية التدريجية في قطاع غزة، فضلا عن سعيهم نحو مواجهة أخرى مع إيران
فما الذي يشغل، إذن، الأحزاب السياسية الإسرائيلية؟ وما القضايا التي ستهيمن على الانتخابات القادمة، وما الذي يمكن أن يخبرنا به بروزها؟
يشيع في إسرائيل مصطلح “رالاب” (RAQ LO BIBI)، وهو اختصار عبري لعبارة “أي شخص إلا بيبي [نتنياهو]”. وينقسم المشهد السياسي عموما بين من يطمحون لاستمرار حقبة نتنياهو ومن يسعون للإطاحة به.
ولفترة من الزمن، احتل معسكر “رالاب” الوسط السياسي إلى حد كبير، مقدما رؤساء أركان سابقين للجيش الإسرائيلي كقادة بدلاء، بدءا من بيني غانتس ووصولا الآن إلى غادي آيزنكوت. وكان كلاهما قد انضم إلى حكومة نتنياهو خلال العام الأول من الإبادة الجماعية قبل انسحابهما لتقديم أنفسهما كبدائل.
ومع ذلك، لا يقدم جميع هؤلاء تغييرا أيديولوجيا أو إستراتيجيا يُذكر، إذ ستبقى سياساتهم تجاه الفلسطينيين والإيرانيين واللبنانيين دون تغيير ملموس.
وينصب هدفهم الرئيسي على بلوغ السلطة، ناظرين إلى نتنياهو كسياسي يغذي الكراهية والانقسام داخل المجتمع اليهودي لضمان بقائه السياسي. وحتى لو حققوا نتائج طيبة في الانتخابات، فإن الحكومة التي سيشكلونها ستُصنف ضمن يمين الوسط وفقا للمعايير الإسرائيلية.
ولن يتغير الكثير في ظل حكومة بديلة كهذه؛ فهم يعارضون إقامة دولة فلسطينية، ويدعمون مساعي تهويد أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وسيواصلون الإبادة الجماعية التدريجية في قطاع غزة، فضلا عن سعيهم نحو مواجهة أخرى مع إيران، ومحاولتهم الحفاظ على الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان.
ويأمل هؤلاء في تذكير الجمهور اليهودي الإسرائيلي باثنين من أخطر إخفاقات نتنياهو، والتي لا تشمل سجله الجنائي. يتجلى الفشل الأول في مسؤوليته عن هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بينما يكمن الثاني في إعفائه لليهود المتشددين (الأرثوذكس) من الخدمة العسكرية، والذين يؤكد الجيش حاجته الماسة لعشرات الآلاف منهم؛ لمواصلة العمليات على كافة الجبهات التي تواجهها إسرائيل.
ومن المثير للاهتمام أن الانتخابات ستتجاهل إلى حد بعيد العديد من القضايا الملحة، مثل: تدهور الظروف الاقتصادية للكثير من الإسرائيليين، والهجرة الجماعية للنخب، والصدمة الجماعية التي سادت خلال السنوات الثلاث الماضية، وعلاوة على ذلك كله، العزلة الدولية المتزايدة التي تعاني منها إسرائيل.
وقد يطرح بعض مرشحي يسار الوسط ما يُسمى بالانقلاب القضائي الذي قادته الحكومة، والذي أضعف المحكمة العليا والنظام القضائي الأوسع نطاقا بشكل لافت ودفع بمئات الآلاف من الإسرائيليين إلى الشوارع في وقت سابق.
بيد أن حركة الاحتجاج فقدت زخمها، مما يثير الشكوك حول إمكانية تصدر هذه القضية المشهد الانتخابي. ومع تعذر انعقاد الكنيست قبل التصويت، تنعدم كذلك أي فرصة لتمرير المزيد من التشريعات.
وتخلص المسألة إلى أن المعسكر المناهض لنتنياهو يعرض مواصلة السياسات ذاتها ولكن بفاعلية أكبر. ولا تمثل هذه الوصفة ضمانا أكيدا للنصر؛ بل من المرجح أن تفضي إلى فوز بهامش ضئيل جدا أو إلى التعادل.
اقرأ أيضا: كانوا على طائرة ترمب عندما غادرها سرا.. ماذا لاحظ الصحفيون؟ | سياسة
ومع ذلك، قد تسفر الحملات الانتخابية عن مفاجآت، مما يجعل التوقعات الحاسمة أمرا محفوفا بالمخاطر.
سيكثف معسكر نتنياهو من وتيرة تدمير فلسطين والعدوان في جميع أنحاء المنطقة، في حين سيبطئ المعسكر المناهض له من هذه الوتيرة، ولكنه سيستمر في السير على الدرب ذاته
لكن الأهم من ذلك هو أن هذا يمثل الجانب الأقل أهمية في السياسة الإسرائيلية اليوم؛ فما يهم حقا هو ما تتجاهله هذه الحملات، إذ لا يترك صمتها أملا يُذكر في إحداث تغيير جذري في سياسات إسرائيل العدوانية تجاه الفلسطينيين أينما كانوا وتجاه لبنان، أو في السياسات التي ستستمر في زعزعة استقرار المنطقة.
وتبرز سمة معبرة أخرى عن حال إسرائيل في أغسطس/آب 2026، وهي أن أي انتصار حاسم على نتنياهو سيتطلب التحالف مع “القائمة المشتركة” الفلسطينية، وهي الائتلاف الذي يمثل المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، والذي قد يحصد ما بين 10 إلى 12 مقعدا في الكنيست.
ومع ذلك، يتذرع حتى من يصفون أنفسهم بالصهاينة اليساريين بحجج عنصرية علنية لتبرير عدم معاملتهم لأعضاء هذه القائمة كشركاء حقيقيين في الائتلاف بعد الانتخابات. فقد أمست هذه العنصرية شرطا أساسيا لأي حزب صهيوني يسعى لاكتساب الشرعية السياسية في التصويت المرتقب.
فما الذي يميز المعسكرين إذن؟ سيكثف معسكر نتنياهو من وتيرة تدمير فلسطين والعدوان في جميع أنحاء المنطقة، في حين سيبطئ المعسكر المناهض له من هذه الوتيرة، ولكنه سيستمر في السير على الدرب ذاته.
وقد يميل البعض لتأييد فوز نتنياهو إن اعتقدوا أن الضغط الخارجي المستمر، والعقوبات، والاستجابة الإقليمية والدولية الحازمة، هي وحدها القادرة على وضع حد لتدمير الفلسطينيين.
ويبقى السؤال المطروح: في ظل وجود حكومة أقل تدميرا في العلن، هل سيظل بالإمكان إقناع المنطقة والمجتمع الدولي بضرورة التدخل العاجل، وهو التدخل الذي طال انتظاره؟ لكن الأمر المؤكد هو أن أولئك الذين ينتظرون في العالم العربي بفارغ الصبر تغييرا حكوميا في إسرائيل لتبرير التطبيع أو السعي إليه، سيصابون بإحباط وخيبة أمل عميقين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: خطوط المحمول تحت الرقابة.. مطالب بربط التفعيل بالبصمة وإتاحة الإيقاف الفوري