تجارة المستعمل.. كيف حافظ «سوق الغلابة» على مكانته لأكثر من 50 عامًا؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تقرير – ماجدة شلبي

 

اقرأ أيضا: برنامج تدريبي خاص لـ عبد الله السعيد وشيكو بانزا ومحمد إبراهيم

قبل أن تبدأ طنطا يومها، يكون “سوق الاثنين” قد سبق الجميع مع أول ضوء للفجر، تبدأ الحركة على امتداد كورنيش ترعة القاصد بمنطقة العجيزي، وتظهر الخيام والفرشات وتخرج البضائع من الصناديق والكراتين، لتتحول المنطقة خلال ساعات قليلة إلى واحد من أشهر الأسواق الشعبية، في محافظة الغربية.

أصوات الباعة تتعالى، والزبائن يتنقلون بين الفرشات، وأيدٍ تقلب الملابس وأخرى تفحص الأجهزة وقطع الغيار، بينما يبحث أصحاب الحرف عن مفك أو أداة أو قطعة صغيرة، قد تكون هي الحلقة المفقودة التي يحتاجون إليها لإصلاح جهاز أو معدة.

لا توجد هنا واجهات فاخرة، ولا أسعار ثابتة مكتوبة على بطاقات أنيقة، هناك فقط بائع ومشترٍ وسلعة ومساومة. إنه “سوق الاثنين” بطنطا، المعروف بين الأهالي باسم “سوق الغلابة” والذي تجاوز عمره أكثر من نصف قرن ليصبح مع مرور السنوات جزءًا من ذاكرة المدينة، ومتنفسًا اقتصاديًا لشرائح تبحث عن احتياجاتها بأسعار في متناول اليد.

 

– عندما يصبح المستعمل ضرورة 

 

لم تعد كلمة “مستعمل” بالنسبة لكثير من المواطنين، تعني بالضرورة قديمًا لا قيمة له في ظل ارتفاع تكلفة شراء العديد من السلع الجديدة، أصبح البحث عن البديل المستعمل بالنسبة لبعض الأسر خيارًا اقتصاديًا منطقيًا خصوصًا عندما تكون السلعة قابلة للاستخدام أو الإصلاح، وهنا يأتي دور سوق الاثنين.

قطعة ملابس مستعملة، يمكن أن تلبي حاجة أسرة وأداة يدوية يمكن أن توفر على صاحب حرفة تكلفة شراء أداة جديدة، وقطعة غيار قديمة، يمكن أن تعيد جهازًا أو مركبة إلى العمل وقطعة أثاث، يمكن تجديدها بدلًا من شراء أخرى جديدة إنها معادلة بسيطة

ما هو قديم بالنسبة لشخص قد يكون حلًا لمشكلة شخص آخر، وهذه المعادلة تحديدًا هي التي أبقت سوق الاثنين حيًا طوال هذه العقود.

 

– عم عبده: “السوق بقاله أكتر من 50 سنة”

 

داخل السوق يقف عم عبده وسط البضائع، التي يعرفها جيدًا ويتحدث عن المكان وكأنه يتحدث عن جزء من حياته “السوق ده بقاله أكتر من 50 سنة والناس عرفاه من زمان، وكل جيل بييجي بعد جيل”.

ويؤكد أن أهم ما يميز السوق هو التنوع الكبير في المعروضات قائلًا: “كل حاجة موجودة هنا الملابس والأحذية والأجهزة والريموتات، وقطع غيار العربيات والموتوسيكلات، والعدد والأدوات والدراجات والأثاث والخردة، يعني اللي بيدور على حاجة بيكون عنده أمل كبير يلاقيها هنا”.

 

اقرأ ايضا| عطية يتفقد مبادرة “مدارس بلا رواكد”… طلاب التعليم الفني يحولون الخردة إلى إنجاز

 

ولا يتوقف الأمر عند أهالي طنطا ومحافظة الغربية – بحسب عم عبده – الذي يشير إلى أن السوق يستقبل زبائن من محافظات مختلفة.

ويضيف: “ناس بتيجي من محافظات تانية مخصوص علشان السوق لأنهم عارفين إن فيه حاجات كتير ومتنوعة وفي حاجات ممكن ما يلاقوهاش بسهولة في مكان تاني”.

 

– عم حسين: “اللي واحد شايفه خردة غيره بيدور عليه”

 

وبالقرب منه، يتحدث عم حسين عن الجانب الآخر من الحكاية عن قيمة الأشياء التي تبدو بلا قيمة: “السوق ده مش مجرد هدوم مستعملة وخلاص هنا كل حاجة ممكن تلاقي لها استخدام واللي واحد شايفه خردة ممكن واحد تاني يكون بيدور عليه من فترة”.

ويشير إلى تنوع القطع المعروضة من الأدوات والعدد إلى الأجهزة وقطع الغيار والدراجات والأثاث.

ويضيف: “ممكن واحد يدخل يدور على حاجة صغيرة جدًا، ويفضل يدور وسط الحاجات لحد ما يلاقيها وده من أسباب إن الناس بتحب السوق، فالمشتري هنا لا يدخل إلى متجر يعرف مسبقًا ما الذي سيجده على الرف بل يدخل إلى مساحة مفتوحة من الاحتمالات”.

 

– من الإبرة للصاروخ

 

جملة واحدة، التصقت بالسوق واختصرت طبيعته: “من الإبرة للصاروخ”، في أحد أجزائه توجد الملابس والأحذية وبينها الملابس المستعملة والجديدة، وفي جزء آخر تظهر الخردوات والأجهزة أدوات كهربائية “ريموتات قطع إلكترونية بوردات شاشات ورسيفرات وقطع غيار للسيارات والموتوسيكلات” ثم تأتي منطقة العدد ومستلزمات الحرف، بما فيها أدوات الحدادة والسباكة والمفكات والمعدات اليدوية.

وهناك أيضًا الدراجات الهوائية المستعملة والجديدة إلى جانب الأثاث المنزلي والديكورات. هذا التنوع جعل السوق أقرب إلى مدينة صغيرة للبيع والشراء يستطيع الزائر أن يقضي فيها ساعات بحثًا عن قطعة واحدة.

 

– اللقطة الهدف غير المعلن 

 

في الأسواق الشعبية هناك كلمة لها مكانة خاصة “اللقطة”، وليست بالضرورة أغلى قطعة أو أفضلها وإنما الشيء الذي يشتريه الزبون بسعر مناسب أو الشيء النادر الذي لم يكن يتوقع العثور عليه.

قد تكون قطعة غيار أو جهازًا أو أداة أو دراجة أو قطعة أثاث. ولهذا لا يكتفي بعض المترددين على السوق بالشراء فقط بل يأتون أيضًا للبحث.

يمر “الزبون” على فرشة ثم أخرى يفتح صندوقًا يفحص قطعة يسأل عن سعرها ثم يواصل جولته. وفي سوق كهذا تحتاج إلى الصبر بقدر حاجتك إلى المال.

 

– المساومة لغة السوق 

 

بكام؟ السؤال الذي يتكرر مئات المرات خلال اليوم، ثم تأتي الإجابة وبعدها تبدأ المساومةالزبون يحاول خفض السعر، والبائع يحاول الحفاظ على هامش الربح، وبينهما تتحرك الصفقة حتى يصل الطرفان إلى رقم مناسب، وهنا تختلف تجربة سوق الاثنين عن كثير من المتاجر الحديثة فالسعر ليس دائمًا نهاية الحديث المساومة نفسها جزء من تجربة الشراء.

 

– الحاج سعيد: أسعار في متناول الجميع 

 

ولا تقتصر أهمية السوق على تنوع المعروضات وإنما ترتبط أيضًا بالأسعار.
يقول الحاج سعيد مدير السوق: “كل حاجة متوفرة والأسعار في متناول الجميع وده من أهم أسباب إقبال الناس على السوق”.

 

اقرأ ايضا| مقتنيات الملوك والمشاهير.. سوق ديانا ملتقى عشاق التراث| فيديو 

 

ويؤكد أن إدارة السوق تحرص على الحفاظ على طبيعة المكان باعتباره سوقًا شعبيًا يوفر السلع بأسعار مناسبة، مع الاهتمام في الوقت نفسه بتنظيم حركة البيع والشراء. لكن إدارة السوق – بحسب الحاج سعيد – تواجه مسؤولية أخرى تتعلق بالبضائع المعروضة.

 

– بنتأكد إن الحاجة مش مسروقة

 

وسط تنوع البضائع لا يقتصر دور إدارة السوق على تنظيم أماكن الفرشات وحركة المواطنين. يقول الحاج سعيد: “إحنا بنحرص دايمًا إن الحاجة اللي بتتباع هنا ما تكونش مسروقة وبنتأكد على قد ما نقدر من مصدر البضاعة لأن دي مسؤولية والسوق لازم يبقى مكان الناس تدخل فيه وهي مطمئنة”.

ويشير إلى أن الحفاظ على الثقة بين السوق وزبائنه، أمر أساسي لاستمرار الإقبال عليه. فالسوق الذي يأتي إليه المواطن بحثًا عن السعر المناسب يحتاج أيضًا إلى أن يشعر بأن المكان منظم وأن هناك متابعة لما يجري داخله.

 

– ممنوع تعطيل الطريق النظام قبل كل شيء

 

ومع توافد أعداد كبيرة من المواطنين يصبح تنظيم حركة السير داخل السوق أمرًا أساسيًا. يقول الحاج سعيد: “بنحرص دايمًا على النظام وإن حركة السير ما تتوقفش ومايبقاش فيه مشاكل أو خناقات وكل واحد يبقى عارف مكانه، فالازدحام قد يحول السوق من مكان للتسوق إلى مصدر إزعاج للمترددين عليه وللمناطق المحيطة به لذلك يمثل الحفاظ على انسيابية الحركة جزءًا من إدارة المكان”.

اقرأ أيضا: من الرحالة إلى حراس الأقصى.. من سكن أقدم فنادق عمّان؟ | أسلوب حياة

 

– من طنطا إلى المحافظات

 

شهرة “سوق الاثنين” لم تتوقف عند حدود طنطا – بحسب العاملين بالسوق – يأتي إليه زبائن من محافظات مختلفة خصوصًا من يعرفون طبيعة البضائع التي يمكن العثور عليها داخله والسبب بسيط “التنوع”.

ففي الأسواق التقليدية، قد يحتاج المواطن إلى المرور على أكثر من مكان للبحث عن قطعة غيار أو أداة أو جهاز أو قطعة أثاث أما هنا فيستطيع أن يجمع رحلة البحث كلها في مكان واحد. قد لا يجد الشيء المطلوب من أول محاولة لكنه يعرف أن أمامه عشرات الفرشات الأخرى.

 

– أكثر من سوق مصدر رزق

 

بالنسبة للبائع، لا يمثل الاثنين يومًا عاديًا إنه موعد أسبوعي ينتظره يجهز بضاعته ينقلها إلى السوق يرتبها، ثم يبدأ رحلة البيع وبالنسبة لعدد من الباعة يمثل السوق مصدرًا للرزق، بينما يوفر في الوقت نفسه مساحة لحركة التجارة في المستعمل والخردة والسلع المختلفة.

وبذلك تتشكل داخل السوق دائرة اقتصادية صغيرة: بائع يبيع ومشترٍ يوفر وحرفي يبحث وقطعة قديمة تنتقل إلى مستخدم جديد.

 

– اقتصاد الأشياء المنسية

 

ربما يكون أكثر ما يلفت النظر في السوق هو الطريقة التي يعيد بها تعريف كلمة “قيمة”، فالقيمة هنا ليست مرتبطة فقط بكون السلعة جديدة قد تكون القطعة قديمة لكنها نادرة، وقد تكون مستعملة لكنها تعمل بكفاءة، وقد تكون خردة بالنسبة لشخص لكنها قطعة ضرورية بالنسبة لشخص آخر، وقد يكون جهاز كامل غير صالح للاستخدام، لكن بداخله قطعة يحتاج إليها فني
وهكذا تتحول الأشياء المنسية إلى سلع والمهملات إلى موارد والمستعمل إلى فرصة.

 

– 50 عامًا والسوق لا يزال حيًا 

 

أكثر من نصف قرن مر على سوق الاثنين، تغيرت خلاله المدينة وتغيرت أسعار السلع، وتبدلت طرق البيع والشراء وظهرت المتاجر الكبرى والتجارة الإلكترونية، لكن السوق الشعبي لا يزال يحتفظ بمكانه. فهو لا ينافس فقط بالسعر وإنما ينافس أيضًا بالتنوع والمفاجأة.

المتسوق هنا لا يعرف مسبقًا ماذا سيجد وهذه تحديدًا إحدى نقاط الجذب. قد يدخل بحثًا عن قطعة صغيرة ويخرج بصفقة لم يكن يتوقعها.

 

– سوق الغلابة.. الاسم الذي يلخص الحكاية

 

ربما يبدو لقب “سوق الغلابة” قاسيًا في ظاهره لكنه في الحقيقة يعكس جانبًا من الوظيفة الاجتماعية للسوق.

هنا يجد محدودو الدخل مساحة للشراء بأسعار تناسب إمكانياتهم ويجد أصحاب الحرف أدوات وقطعًا يحتاجون إليها ويجد التجار منفذًا لبيع بضائعهم وتجد الأشياء القديمة فرصة أخرى للحياة السوق ليس مجرد مكان للفقراء إنه مكان للبحث عن البديل والبديل أصبح في أوقات كثيرة ضرورة وليس رفاهية.

 

– حين يصبح القديم جديدًا من جديد

 

في نهاية اليوم، تهدأ الأصوات تدريجيًا تُجمع الملابس وتدخل الأجهزة والعدد إلى الصناديق، وتُحمل قطع الأثاث وتختفي الخيام والفرشات ويعود المكان إلى هدوئه.

لكن بعد أيام قليلة سيأتي الاثنين من جديد، ستعود البضائع ويعود الباعة ويعود الزبائن، وتعود المساومة.

أكثر من 50 عامًا لم تستطع أن تمحو روح المكان. ففي سوق الاثنين بطنطا لا تزال هناك قاعدة بسيطة تحكم كل شيء: لا تحكم على الشيء من شكله أو عمره اسأل أولًا: من يحتاج إليه؟ فقد تكون “الخردة” ثروة في عين صاحبها وقد يكون “المستعمل” هو الحل الذي تنتظره أسرة وقد تكون قطعة صغيرة لا تساوي الكثير في نظر أحدهم لكنها تساوي الكثير جدًا لمن ظل يبحث عنها.

وهنا على كورنيش ترعة القاصد، يظل سوق الاثنين شاهدًا على اقتصاد شعبي، لكنه شديد الذكاء اقتصاد لا يهدر الأشياء ولا يغلق الباب أمام من يبحث عن فرصة.

اقرأ أيضا: آرسنال يتقدم بثنائية على مانشستر سيتي في الشوط الأول

‫0 تعليق

اترك تعليقاً