القارة الغارقة التي تخفيها مياه المحيط الهادئ.. ماذا نعرف عن زيلانديا؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تحت أمواج جنوب غرب المحيط الهادئ، وعلى مساحة تقارب 4.9 مليون كيلومتر مربع، تمتد كتلة قارية هائلة لا يظهر منها فوق سطح البحر سوى جزء صغير أما معظم أراضيها، فتقبع في الأعماق، لتشكل واحدة من أكثر الظواهر الجيولوجية إثارة للفضول على كوكب الأرض.

اقرأ أيضا: أكسيوس: كوشنر يعتزم زيارة إسرائيل الأسبوع المقبل لبحث التطورات فى غزة

إنها زيلانديا، التي تُعرف أيضا باسم «القارة الخفية»، وهي كتلة قارية تضم نيوزيلندا وكاليدونيا الجديدة وعدداً من الجزر والمرتفعات البحرية المغمورة ويرى عدد من الجيولوجيين أنها تستوفي المعايير العلمية التي تؤهلها لتكون قارة مستقلة، وليس مجرد مجموعة من الجزر أو بقايا قارية متناثرة.

قارة بحجم شبه القارة الهندية ومعظمها تحت الماء

بحسب دراسة علمية نُشرت عام 2017 في دورية GSA Today التابعة للجمعية الجيولوجية الأميركية، تمتد زيلانديا على مساحة تقترب من مساحة شبه القارة الهندية.

لكن ما يجعلها استثنائية هو أن نحو 94% من مساحتها مغمور تحت مياه المحيط، بينما لا يظهر فوق سطح البحر سوى نحو 6 بالمئة، تمثل نيوزيلندا وكاليدونيا الجديدة أبرز أجزائها البارزة.

ورغم أن فكرة زيلانديا ليست جديدة، فإن الوصول إلى تصور علمي متكامل بشأنها استغرق عقوداً من الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية وكان عالم الجيوفيزياء الأميركي بروس لوينديك قد اقترح اسم «زيلانديا» عام 1995، لوصف نيوزيلندا والمرتفعات والهضاب المغمورة المحيطة بها.

لكن عام 2017 شكل محطة فارقة، عندما قدم فريق من الباحثين مجموعة متكاملة من الأدلة التي تدعم النظر إلى زيلانديا باعتبارها كتلة قارية متماسكة، وليست مجرد أجزاء منفصلة من القشرة الأرضية.

أربعة معايير لماذا تعد زيلانديا قارة؟

استند الباحثون في طرحهم إلى أربعة معايير جيولوجية رئيسية تساعد على تمييز زيلانديا عن قاع المحيط وعن الشظايا القارية الصغيرة.

 الارتفاع عن قاع المحيط حيث ترتفع أجزاء واسعة من زيلانديا فوق قاع المحيط المحيط بها، وهي سمة ترتبط عادة بالكتل القارية.

 تنوع الصخور حيث تتميز المنطقة بتنوع صخري يشمل الصخور النارية والمتحولة والرسوبية الغنية بالسيليكا، وهي تركيبة تختلف عن طبيعة القشرة المحيطية التقليدية.

ثالثا سماكة القشرة، حيث تتراوح سماكة قشرة زيلانديا في معظم أجزائها بين 10 و30 كيلومتراً، بينما يبلغ متوسط سماكة القشرة المحيطية نحو 7 كيلومترات وفي بعض المناطق تحت الجزيرة الجنوبية لنيوزيلندا، تتجاوز السماكة 40 كيلومتراً.

المساحة والحدود الجيولوجية حيث تمتلك زيلانديا مساحة كبيرة وحدوداً جيولوجية واضحة تميزها عن القارات المصغرة والشظايا القارية كما يفصلها منخفض محيطي عميق عن أستراليا، ما يعزز فكرة أنها تمثل كتلة قارية مستقلة.

من غوندوانا إلى أعماق المحيط

لم تكن زيلانديا دائماً غارقة تحت مياه المحيط فقد كانت هذه الكتلة جزءا من قارة غوندوانا العملاقة، قبل أن تبدأ عملية الانفصال عنها خلال العصر الطباشيري المتأخر، قبل عشرات الملايين من السنين.

ومع ابتعاد زيلانديا عن غوندوانا، تعرضت قشرتها لعمليات تمدد وترقق واسعة، أدت تدريجياً إلى هبوط معظم أراضيها تحت مستوى سطح البحر.

لكن اللافت أن القارة لم تتفتت بالكامل إلى قطع صغيرة، بل حافظت على تماسكها ككتلة قارية واسعة، وإن أصبحت معظمها مختفية تحت مياه المحيط.

خريطة تكشف القارة حتى حدودها المغمورة

وفي أكتوبر 2023، أعلن معهد GNS Science النيوزيلندي استكمال الخريطة الجيولوجية لزيلانديا حتى حدودها المغمورة تحت الماء، في خطوة وصفها بأنها الأولى من نوعها لرسم قارة كاملة وصولاً إلى أطرافها الموجودة في أعماق المحيط.

ولم يعتمد العلماء على الخرائط التقليدية وحدها، بل جمعوا بين عينات صخرية من قاع البحر وبيانات المسوحات الزلزالية وقياسات الجاذبية والمجال المغناطيسي.

وساعدت هذه البيانات على الربط بين التكوينات الجيولوجية الظاهرة في نيوزيلندا وتلك الموجودة تحت المياه بالقرب من كاليدونيا الجديدة وأستراليا، ما أتاح للعلماء رؤية أكثر وضوحاً لبنية زيلانديا وتاريخها الجيولوجي.

اقرأ أيضا: محافظ بورسعيد يتابع أعمال تطوير المبنى المؤقت لخدمات منتفعي التأمين الصحي الشامل بحي المناخ

أسرار جيولوجية تمتد آلاف الكيلومترات

وكشفت عمليات المسح عن حزام من صخور الغرانيت يمتد لنحو 4 آلاف كيلومتر عبر القارة، إلى جانب منطقة بركانية قديمة تبلغ مساحتها نحو 250 ألف كيلومتر مربع.

وتشير هذه التكوينات إلى تاريخ جيولوجي معقد يعود إلى المراحل التي تفككت فيها غوندوانا وانفصلت عنها الكتل القارية التي شكلت لاحقاً أجزاء من العالم الذي نعرفه اليوم.

وبذلك لا تقدم زيلانديا مجرد لغز جغرافي، بل تفتح نافذة فريدة على العمليات التي يمكن أن تمر بها القارات عندما تتمدد قشرتها وتترقق ثم تهبط تحت سطح البحر، من دون أن تفقد هويتها ككتلة قارية متماسكة.

هل أصبحت زيلانديا رسمياً «القارة الثامنة»؟

رغم قوة الأدلة العلمية، فإن وصف زيلانديا بأنها «القارة الثامنة» لا يعني أنها حصلت على اعتراف جغرافي رسمي عالمي.

فلا توجد هيئة دولية واحدة تمتلك صلاحية حاسمة لتحديد عدد قارات العالم أو إصدار قرار ملزم يمنح منطقة ما صفة «قارة». لذلك يبقى تصنيف زيلانديا قائماً على الأدلة الجيولوجية والتوافق العلمي بين الباحثين.

ومع ذلك، فإن ذلك لا يقلل من أهميتها العلمية؛ فزيلانديا تمثل نموذجاً نادراً لقارة تكاد تكون غارقة بالكامل، لكنها لا تزال تحتفظ بخصائص الكتل القارية الكبرى.

اقرأ أيضا: أين اختفى جيش الفايكنج؟.. حصن غامض يكشف سر معركة عمرها 1100 عام

‫0 تعليق

اترك تعليقاً