كتبت: دينا يحيي الأدغم
اقرأ أيضا: إيران: لن يسمح لأي سفينة بعبور مضيق هرمز دون إذن من طهران
لم تعد الهجمات السيبرانية على الولايات المتحدة تقتصر على المؤسسات الحكومية أو الشركات الكبرى، بل باتت تستهدف أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطنين.. شبكات المياه ومرافق معالجة مياه الصرف الصحي.
وتسلط سلسلة من الهجمات التي استهدفت مرافق مياه أمريكية خلال الأسابيع الأخيرة الضوء على ثغرات أمنية متزايدة في البنية التحتية الحيوية، وسط ترجيحات أمريكية بأن جهات مرتبطة بإيران تقف وراء جانب من هذه الأنشطة.
وبحسب تقرير نشرته مجلة Foreign Policy في 13 أغسطس، أصبحت منشآت المياه هدفًا جذابًا للجهات التي تسعى إلى إحداث اضطراب داخل الولايات المتحدة، نظرًا لاعتماد العديد من هذه المنشآت على أنظمة تحكم صناعية وأجهزة متصلة بالإنترنت يمكن أن تشكل نقاط ضعف إذا لم تكن مؤمنة بالشكل الكافي.
هجمات تمتد عبر ولايات أمريكية
وتشير التقارير الأمريكية إلى أن نطاق الهجمات اتسع بصورة ملحوظة. فقد أبلغت سلطات في ما لا يقل عن 12 ولاية أمريكية عن حوادث سيبرانية استهدفت مرافق للمياه أو الصرف الصحي، في واحدة من أوسع حملات الاستهداف المعروفة لهذا القطاع حتى الآن.
وكانت ولاية مينيسوتا من أكثر المناطق تضررًا، بعدما تعرض أكثر من 30 نظامًا مائيًا للاستهداف، فيما سجلت ولايات أخرى، بينها ميشيغان، حوادث مماثلة.
وفي بعض الحالات، أدت الاختراقات إلى إضعاف قدرة العاملين على التحكم عن بُعد في بعض العمليات، ما دفع منشآت إلى التحول مؤقتًا إلى التشغيل اليدوي. ومع ذلك، لم تظهر حتى الآن مؤشرات على تعرض مياه الشرب نفسها لتلوث واسع النطاق نتيجة هذه الهجمات.
لماذا تمثل شبكات المياه هدفًا حساسًا؟
تكمن الخطورة في أن مرافق المياه الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على أنظمة رقمية للتحكم في المضخات، وضغط المياه، والخزانات، وعمليات المعالجة والمراقبة.
ويعني اختراق هذه الأنظمة أن المهاجم لا يحتاج بالضرورة إلى تدمير منشأة ماديًا؛ إذ يمكنه محاولة التلاعب بعمليات تشغيلية أساسية أو تعطيل قدرة المشغلين على مراقبة النظام والسيطرة عليه.
وحذرت السلطات الأمريكية في وقت سابق من استغلال جهات مرتبطة بإيران لأجهزة وأنظمة تحكم صناعية متصلة بالإنترنت، بما في ذلك وحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة المستخدمة في قطاعات المياه والطاقة والبنية التحتية الحيوية.
إيران في دائرة الاشتباه
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران، ما دفع مسؤولين وخبراء أمريكيين إلى النظر إلى الهجمات الأخيرة باعتبارها جزءًا محتملًا من نشاط سيبراني مرتبط بالصراع الأوسع.
غير أن نسبة الهجمات الأخيرة إلى الحكومة الإيرانية بصورة قاطعة لا تزال موضع تحقيق، وهو أمر مهم في قراءة المشهد، خصوصًا أن العمليات السيبرانية يمكن أن تنفذها مجموعات مرتبطة بدولة، أو جهات بالوكالة، أو مجموعات قرصنة تتبنى مواقف سياسية دون وجود علاقة حكومية مثبتة.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن السلطات تبحث في احتمال ارتباط بعض الهجمات بجهات موالية لإيران، في وقت سبق أن استهدفت فيه مجموعات مرتبطة بإيران أنظمة تحكم صناعية أمريكية في قطاع المياه.
اقرأ أيضا | ترامب يختار والد جاريد كوشنر سفيرًا لأمريكا لدى فرنسا
حرب منخفضة التكلفة.. عالية التأثير
ويرى خبراء أن جاذبية البنية التحتية المائية بالنسبة للمهاجمين تكمن في طبيعتها؛ فهي موزعة على آلاف المدن والبلدات، وتضم منشآت متفاوتة في قدراتها المالية والتقنية، ما يجعل بعض الأنظمة الصغيرة أقل استعدادًا لمواجهة تهديدات إلكترونية متقدمة.
ومن منظور الحرب غير المتكافئة، يمكن لهجوم إلكتروني محدود الموارد أن يحقق تأثيرًا سياسيًا وأمنيًا يفوق حجمه المادي، خصوصًا إذا نجح في تعطيل خدمة أساسية أو إثارة حالة من القلق لدى السكان.
ولهذا، فإن الهدف قد لا يكون بالضرورة إحداث أضرار مادية ضخمة، وإنما اختبار قدرة الولايات المتحدة على حماية بنيتها التحتية الحيوية، وإظهار نقاط ضعفها، وتقويض الثقة في قدرة المؤسسات المحلية على ضمان الخدمات الأساسية.
اقرأ أيضا: النيابة تحقق في واقعة انفجار داخل أحد المراكز التجارية بالقاهرة الجديدة
من المياه إلى البنية التحتية الحيوية
ولا تتوقف المخاوف عند قطاع المياه. فالأنظمة الصناعية المتصلة بالإنترنت تستخدم على نطاق واسع في قطاعات الكهرباء والطاقة والنقل والتصنيع والاتصالات، ما يعني أن استهداف مرافق المياه يمكن أن يمثل جزءًا من مشكلة أوسع تتعلق بأمن البنية التحتية الرقمية الأمريكية.
وقد دفعت هذه الهجمات إلى تجدد الدعوات داخل الولايات المتحدة لتعزيز المعايير الفيدرالية للأمن السيبراني، وتقديم دعم أكبر للبلديات ومرافق المياه الصغيرة، التي قد لا تمتلك الموارد البشرية والتقنية اللازمة للتعامل مع تهديدات معقدة.
ويؤكد خبراء الأمن السيبراني أن بعض الإجراءات الأساسية، مثل تقليل تعرض أنظمة التحكم للإنترنت المفتوح، وتعزيز المصادقة متعددة العوامل، ومراجعة الاتصالات الخارجية، يمكن أن تقلل من مساحة الهجوم المتاحة للجهات المعادية.
جبهة جديدة في الصراع الأمريكي الإيراني
تكشف الهجمات الأخيرة عن تحول أعمق في طبيعة الصراعات الحديثة؛ فالمواجهة بين الدول لم تعد محصورة في الطائرات والصواريخ والقواعد العسكرية، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى شبكات الكمبيوتر وأنظمة التحكم التي تدير الخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، تبدو شبكات المياه الأمريكية مثالًا واضحًا على هشاشة الحدود بين الأمن السيبراني والأمن القومي والأمن المدني.
وبينما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد المسؤولين بصورة نهائية عن أحدث موجة من الهجمات، فإن الرسالة التي حملتها الأحداث واضحة: أي بنية تحتية متصلة بالإنترنت يمكن أن تتحول إلى هدف استراتيجي في زمن الصراع السيبراني.
ولذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت البنية التحتية المدنية ستدخل ساحة الحرب السيبرانية، بل إلى أي مدى تستطيع الدول حماية الخدمات التي يعتمد عليها مواطنوها قبل أن يتحول الاختراق الرقمي إلى أزمة واقعية تمس الحياة اليومية.
اقرأ أيضا: إيران مباشر.. هجوم على سفينتين إماراتيتين في هرمز وواشنطن ترسل حاملة طائرات