بعد سنوات ظهرت فيها أذربيجان أحد أقرب الشركاء لإسرائيل، بدأت العلاقة بين باكو وتل أبيب تفقد جزءا من استثنائيتها، فلا العلاقات الدبلوماسية قُطعت، ولا صفقات الطاقة والسلاح توقفت، لكن النبرة السياسية تغيرت، وظهرت حدود تفرضها تركيا وفلسطين والمواجهة مع إيران والقضية الأرمينية.
اقرأ أيضا: حسام أشرف يغيب عن الزمالك أمام الاتحاد السكندري لهذا السبب
والأدق أن ما يجري ليس انهيارا، وإنما إعادة ضبط لعلاقة إستراتيجية؛ تحاول فيها باكو الاحتفاظ بمكاسب التعاون الإسرائيلي، من دون أن تدفع ثمنه في علاقاتها مع أنقرة وطهران والعالم الإسلامي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
ذروة تتراجع
في 9 مايو/أيار 2025، وصف إيتامار آيخنر، المراسل الدبلوماسي في “يديعوت أحرونوت” تلك العلاقات بأنها بلغت “نقطة الذروة”. وأشار إلى أن باكو حافظت على دعم إسرائيل بعد اندلاع حرب غزة، وزادت إمدادات الوقود إليها، بالتزامن مع تحولها إلى وسيط مهم بين إسرائيل وتركيا بشأن سوريا.
وبعد نحو 15 شهرا، تغير توصيف الصحافة الإسرائيلية؛ ففي تقرير “غلوبس” في 7 أغسطس/آب 2026، كتب شموئيل إلماس أن “أذربيجان تبتعد عن إسرائيل”، في ظل تقلص مشتريات السلاح وتصاعد الانتقادات السياسية والتقارب مع الفلسطينيين.
حروب بلا قطيعة
مع ذلك، لا تؤيد المصادر الإسرائيلية فرضية أن غزة أو لبنان فجرتا العلاقة؛ ففي 6 يوليو/تموز 2026، نقل آيخنر في يديعوت أحرونوت عن مصادر مطلعة أن أذربيجان “لم تخرج ضد إسرائيل” بشأن غزة ولبنان وإيران رغم الضغوط الدولية، وأن الشعور في باكو هو أنها لم تتلق مقابلا مماثلا عندما قررت الحكومة الإسرائيلية الاعتراف بالإبادة الأرمينية.
وهنا تظهر نقطة التحول: باكو تحملت الكلفة السياسية لعلاقتها بإسرائيل خلال عدة حروب، لكنها رأت في الملف الأرميني تجاوزا لـ”خط أحمر”. لذلك لا تبدو غزة وحدها سببا للتراجع، وإنما جزءا من تراكم الكلفة السياسية لشراكة أصبحت باكو تطالب بأن تكون أكثر توازنا.
تركيا أولا
يبقى السقف الأوضح للعلاقة هو تركيا؛ ففي 15 مايو/أيار 2025 كشف إلماس في “غلوبس” أن الرئيس إلهام علييف حاول ترتيب لقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مستفيدا من علاقاته مع الطرفين، وهو ما يعكس الدور الذي تحاول باكو أداءه بين أنقرة وتل أبيب.

لكن الوساطة لا تعني تساوي الطرفين في الحسابات الأذربيجانية؛ ففي تقرير أغسطس/آب 2026، ينقل إلماس عن الباحث في الشؤون التركية حي إيتان كوهين يانروجاك أن باكو تستطيع التضامن مع أنقرة من دون كسر العلاقة مع إسرائيل، لكنه يؤكد أنه إذا اضطرت للاختيار “فسيكون الميل بوضوح لصالح تركيا”.
ولهذا كلما تصاعد الخلاف التركي الإسرائيلي، تقل مساحة مناورة علييف، خاصة في سوريا وغزة والملف الأرميني. فتركيا بالنسبة إلى أذربيجان ليست مجرد شريك، بل حليف قومي وإستراتيجي يقوم ارتباطه به على مفهوم “أمة واحدة ودولتان”.
غزة تختبرها
قصة قوة الاستقرار الدولية في غزة تقدم الاختبار الأوضح لهذه المعادلة؛ ففي 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نقلت يديعوت أحرونوت عن مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن أذربيجان كانت، إلى جانب إندونيسيا وباكستان، بين الدول المتوقع أن ترسل قوات إلى القطاع.
لكن باكو بدأت بعد أيام وضع الشروط؛ ونقلت رويترز عبر يديعوت أحرونوت عن مسؤول أذربيجاني أن بلاده لن ترسل جنودا ما لم يتوقف القتال بصورة كاملة، قائلا إن أذربيجان “لا تريد المخاطرة بقواتها”، وإن أي مشاركة تحتاج إلى موافقة البرلمان.

ثم نقلت يديعوت أحرونوت عن مصادر مطلعة أن أذربيجان جمدت نيتها المشاركة بسبب ضغط تركي. وفي يناير/كانون الثاني 2026 حسم علييف الأمر، معلنا عدم المشاركة، وكاشفا أنه وجه إلى الأمريكيين أكثر من 20 سؤالا بشأن المهمة وصلاحيات القوة.
وبحلول منتصف 2026، كانت الدول الخمس التي وقعت إعلان المشاركين المؤسسين في القوة هي ألبانيا وإندونيسيا وكازاخستان وكوسوفو والمغرب، من دون أذربيجان.
وهكذا اجتمعت أمام باكو 3 اعتبارات: غموض المهمة، واحتمال الاشتباك مع الفلسطينيين، وحسابات تركيا. وهو نموذج واضح لحدود استعدادها لترجمة صداقتها مع إسرائيل إلى التزام عسكري مباشر.
إيران تضبطها
في المقابل، تمنع إيران ابتعاد أذربيجان كثيرا عن إسرائيل؛ ففي دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) نشرها الباحث إيلي هويه في 7 يوليو/تموز 2026، وُصف موقف باكو خلال حرب إيران بأنه “اصطفاف مقيد” أكثر منه حيادا؛ إذ بقيت شريكا لإسرائيل في الطاقة والسلاح والاستخبارات، لكنها حرصت على عدم الانجرار إلى المواجهة.
وتكشف هذه الصيغة جوهر السياسة الأذربيجانية عبر الاستفادة من إسرائيل في مواجهة الخطر الإيراني، من دون التحول إلى قاعدة حرب عليها. ولهذا أبلغ وزير الخارجية الأذربيجاني نظيره الإيراني في 30 يناير/كانون الثاني 2026 أن باكو لن تسمح باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران.
اقتصاد يعاكس
لكن أقوى دليل ضد فرضية انهيار العلاقة يأتي من الاقتصاد، ففي يونيو/حزيران 2025 اشترت شركة النفط الوطنية الأذربيجانية “سوكار” 10% من حقل تمار بـ1.25 مليار دولار، وفق تقرير غولان حزاني في “كالكاليست” .

وفي يناير/كانون الثاني 2026 كشف حزاني أن شركة الاستثمار الأذربيجانية تفاوضت لاستثمار 200 إلى 300 مليون دولار في شركة “آي دي إيه” (IDE ) الإسرائيلية لتحلية المياه، بما قد يمنحها 20 إلى 30% من الشركة.
اقرأ أيضا: مصر والإمارات يؤكدان على ضرورة وقف الممارسات الإسرائيلية بالضفة الغربية
وفي 26 يناير/كانون الثاني، ذكر أريئيل كهانا في “إسرائيل اليوم” أن زيارة وزير الخارجية جدعون ساعر لباكو تناولت توسيع التعاون في الطاقة والذكاء الاصطناعي والزراعة والمياه والدفاع والسياحة.
أي أن أذربيجان، بالتزامن مع ضبط اندفاعها السياسي، تزيد انغماسها في أصول إسرائيلية إستراتيجية، وهو تناقض ظاهري يؤكد أن الخلاف سياسي أكثر منه انفصالا إستراتيجيا.
احتكار يتآكل
حتى السلاح لا يقدم صورة قطيعة؛ فتقرير “غلوبس” الأخير يكشف إتمام صفقة بمئات ملايين الدولارات لأنظمة “رافائيل”، لكنه يرصد في الوقت ذاته دخول الولايات المتحدة وتركيا وكوريا الجنوبية وأوروبا بقوة إلى السوق، إلى جانب توسع الإنتاج المحلي الأذربيجاني.
ويتوقع الإسرائيليون استمرار تراجع حصتهم، مع بقاء مجالات يصعب على باكو إيجاد بدائل مماثلة فيها، مثل الدفاع الجوي والرادارات البعيدة المدى والذكاء الاصطناعي وطائرات القيادة والسيطرة. كما تنتظر الصناعات الجوية الإسرائيلية حسم مناقصة قمر اتصالات تقدر بنحو 300 إلى 800 مليون دولار وسط منافسة أوروبية وتركية، إذن المشكلة الإسرائيلية ليست خسارة أذربيجان، وإنما خسارة الحصرية.
شراكة محسوبة
الأرجح أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدا من إعادة ضبط العلاقة؛ فباكو ستكون أكثر استعدادا لانتقاد إسرائيل في الملف الفلسطيني، وأشد مراعاة لأنقرة، وأكثر تنويعا لمصادر السلاح، وأقل استعدادا للتورط في مشروعات عسكرية قد تضعها مباشرة في مواجهة الفلسطينيين أو إيران.
لكن الطاقة والاستثمار والاستخبارات والتكنولوجيا والخشية المشتركة من إيران ستمنع، في المدى المنظور، انهيار الشراكة. كما أن دور باكو وسيطا بين تل أبيب وأنقرة ودمشق يمنحها قيمة إقليمية تتجاوز العلاقات الثنائية نفسها.
في الخلاصة: أذربيجان لا تنسحب من إسرائيل، وإنما تنهي مرحلة العلاقة شبه الاستثنائية التي طغى فيها الأمن والسلاح على بقية الاعتبارات؛ فحروب غزة ولبنان وإيران لم تكسر الشراكة، لكنها رفعت كلفتها، في حين جعلت تركيا وفلسطين والقضية الأرمينية حدودها أكثر وضوحا.
لذلك تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى شراكة محسوبة ومتعددة الاتجاهات وتبقى إسرائيل مهمة لباكو، لكنها لم تعد الشريك الذي يمكن تقديم علاقته على تركيا أو المجازفة من أجله بغزة والمنطقة.
اقرأ أيضا: صواريخ روسية تقصف المنشآت الأوكرانية.. وكييف ترد بهجمات قوية