هل كانت مياه السيول السلاح الخفى وراء تشييد أعظم لغز معمارى فى التاريخ القديم؟.. سؤال محورى أطلقته دراسة علمية حديثة نُشرت فى يوليو الماضى لتُعيد رسم الخريطة الأثرية لمنطقة وادى دهشور، وقلبت النظرة التقليدية لمنشأتين ضخمتين كان الاعتقاد السائد لعقود أنهما مجرد طريقين أو منحدرين للنقل، لكن قراءة هندسية وطبوغرافية حديثة تضع احتمالًا أكثر إثارة وهو أننا أمام منظومة هيدروليكية فائقة التطور صُممت قبل 4500 عام للتحكم فى مياه الأمطار والرواسب وتوجيهها بدقة.
اقرأ أيضا: تجدد المعارك في تعز وقصف جوي يمني يستهدف مواقع الحوثيين بالساحل الغربي | أخبار
وتكتسب هذه المفاجأة وزنها الاستثنائى من موقع المنشأتين المتاخم لـ“الهرم الأحمر” ثالث أكبر أهرامات مصر والتحفة المعمارية للملك سنفرو، بما يفتح الباب لفرضية وجود شبكة لوجستية مائية أدارت عمليات البناء الكبرى فى ذلك الزمان البعيد.
الدراسة الجديدة تفتح الباب أمام تساؤلات مهمة للغاية، أبرزها: هل كانت مياه السيول جزءًا من معادلة بناء الأهرامات؟ وما الذى يمكن أن تضيفه هذه الدراسة إلى فهمنا لقدرات المصريين القدماء فى هندسة المياه؟

وفى محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها تواصلت “آخرساعة” مباشرة مع صاحب الدراسة الباحث الفرنسى الدكتور زافييه لاندرو الذى يعمـــل فــى معـهــــد أبحــــاث “باليو-تكنيك” الفرنسي، وطرحنا عليه عدة أسئلة أجاب عنها بالتنسيق مع زميليه فى تأليف الدراسة الدكتور جيـوم بيتون الباحـــث فى الهندســـة الهيدروليكيـة ومخـاطـــر الســــيول بالمعـهــد الوطــنى الفرنســى للبحوث، والدكتور سيد حميدة أستاذ ورئيس قسم الترميم المعمارى فى كلية الآثار بجامعة القاهرة، لنكشف أسرار هذه الهندسة المنسية ونستكشف كيف طوّع المصرى القديم غضب الطبيعة ليصنع إحدى أعظم عجائب الدنيا.
منشآت ضخمة

يبدأ لاندرو من النقطة التى دفعت فريق البحث إلى التشكيك فى التفسير التقليدى للمنشأتين باعتبارهما مجرد طرق أو منحدرات للنقل، إذ إن موقعهما بحسب الدراسة يمثل أحد أبرز المؤشرات، حيث “تسد” المنشآت كامل عرض وادى دهشور وترتكز على جانبيه، بينما تتراوح قاعدة كلٍ منها بين 15 و30 مترًا، وتتخذ شكلًا شبه منحرف يتوافق بدرجة أكبر مع منشآت صُممت لمقاومة ضغط المياه وليس مجرد ممرات للعبور.
لكن الدليل الأكثر لفتًا للنظر يظهر فى هندسة المنشأة الغربية التى يتخذ مسارها فى المنتصف شكلًا متعرجًا مثلثيًا واسعًا، يبلغ امتداده الفعلى نحو 200 متر. ويصعب تفسير هذا التصميم باعتباره طريقًا أو منحدرًا، بينما يتوافق بصورة لافتة مع مبدأ المفيض المعروف باسم “منقار البطة”، الذى يطيل حافة التصريف بما يسمح بتمرير كميات أكبر من المياه خلال الفيضانات.
ومن هنا يرى الباحثون أن اجتماع طبيعة التضاريس واتجاه المنشآت وشكلها ووجود هذا المفيض المحتمل يمثل أقوى دليل على أن وظيفتها ربما كانت هيدروليكية بالأساس.
ولا تقل أبعاد المنشأتين أهمية عن هندستهما، فطول كل منهما يتراوح بين 600 و700 متر، مع عرض يصل إلى 30 مترًا عند القاعدة وارتفاع محفوظ يبلغ عدة أمتار. وهذه الأرقام، بحسب لاندرو، تشير إلى أننا لا نتعامل مع أعمال محدودة النطاق، بل ربما مع نظام صُمم على مستوى الإقليم، تطلب حشدًا هائلًا من مواد البناء والعمالة.
وتكشف هذه المنشآت فى الوقت نفسه عن جانب من التنظيم الإقليمى لدهشور ربما جرى التقليل من شأنه حتى الآن، وعن معرفة متقدمة لدى البنّائين المصريين القدماء بالظواهر الهيدرولوجية والعمليات المرتبطة بحركة المياه. كما أن وجود مفيض على شكل “منقار البطة” قد يعكس تطورًا تقنيًا متزايدًا منذ “سد سعد الكفارة”، أقدم سد معروف، الذى شُيد على الضفة المقابلة لنهر النيل وكان معاصرًا للملك سنفرو.
منظومة متكاملة
وفق التصور الذى تقترحه الدراسة ربما لم يكن النظام مخصصًا لوظيفة واحدة، فقد يكون قد جمع بين تنظيم الفيضانات وتخزين المياه والنقل وإمداد موقع البناء والري، وربما بعض العمليات المرتبطة ببناء الهرم الأحمر. ويذهب الباحثون إلى أن اكتشاف مثل هذا النظام يفتح الباب للبحث عن منشآت وبنية تحتية أخرى ربما كانت مرتبطة به ورسم خريطتها.
ولا تأتى هذه الفرضية بمعزل عن أبحاث أخرى فى المنطقة، إذ امتد الاتجاه البحثى نفسه إلى الدراسات التى أجرتها مؤسستا Paleotechnic وINRAE فى سقارة، حيث كشفت دراسة نُشرت عام 2024 عن منشأة هيدروليكية كبيرة أخرى تقطع وادى أبو صير، على مسافة تقل عن عشرة كيلومترات شمال دهشور، وفسرتها أيضًا باعتبارها سدًا. ووجود منشآت كبيرة مرتبطة بالسيطرة على المياه فى موقعين متقاربين يدعو، بحسب الباحثين، إلى توسيع التحليل ليشمل منطقة اسقارة – دهشورب بأكملها، وإعادة النظر فى العلاقة بين الآثار والمنشآت والبنية التحتية وموارد المياه وتنظيم الأراضي.
وعلى مستوى التشغيل يقترح الباحثون أن النظام كان يعمل على مراحل خلال موجات الأمطار الغزيرة، فمياه الجريان القادمة من الغرب كانت تصطدم أولًا بالسد الغربي، حيث يؤدى تباطؤ حركتها إلى ترسيب المواد الأكثر خشونة وجزء من الرواسب العالقة، ثم يسمح المفيض ذو شكل “منقار البطة” بتصريف المياه الزائدة بصورة منظمة، بما يقلل خطر الفيضان غير المنضبط وانهيار السد.
أما الحوض الواقع بين المنشأتين فربما أدى دور منطقة عازلة تعمل على تبديد طاقة المياه وتقليل تآكل التربة أو “النحر”، بينما كان السد الشرقى يمثل على الأرجح المنشأة الرئيسية لحجز المياه، وفى الوقت نفسه كان يمكن توجيه جزء من المياه المنظمة إلى قناة التحويل التى تمتد بمحاذاة الهرم الأحمر، بينما تستمر المياه الزائدة فى اتجاه مجرى وادى دهشور، لكن لاندرو يشدد على أن الصلة الدقيقة بين السد الغربى والحوض الواقع بين المنشأتين وقناة التحويل لا تزال بحاجة إلى التحقق من خلال الحفائر.
مياه الوادى
وتبرز أهمية الفرضية بصورة أكبر عند النظر إلى حجم الموارد المائية التى ربما كان يمكن للنظام الاستفادة منها، فحوض التصريف الطبيعى لوادى دهشور عند مستوى السدين محدود نسبيًا، ولا يتجاوز نحو 3 كيلومترات مربعة، لكن التحليل الطبوغرافى يشير إلى إمكانية اعتراض جزء من مياه الجريان القادمة من الفروع الغربية لوادى الطفلة وتوجيهها نحو دهشور، وبذلك كان يمكن أن تصل مساحة حوض التصريف القابلة للاستفادة فعليًا إلى نحو 100 كيلومتر مربع، وربما عدة مئات من الكيلومترات المربعة، فى حين تبلغ مساحة حوض وادى الطفلة نفسه نحو 400 كيلومتر مربع، ويغير ذلك بصورة كبيرة التقدير المحتمل للميزان المائى فى الموقع.
وبحسب الدراسة لم يكن الحوض الطبيعى الصغير لدهشور ليؤمِّن فى المتوسط سوى بضعة آلاف من الأمتار المكعبة من المياه سنويًا، بينما كانت تغذيته جزئيًا من وادى الطفلة يمكن أن توفر نظريًا عدة مئات الآلاف من الأمتار المكعبة وربما أكثر وفقًا للظروف.
ومع ذلك لا تعنى هذه النتائج أن المنطقة كانت تضم أنهارًا دائمة، فمصر كانت قد دخلت بالفعل فى مسار مناخى نحو مزيد من الجفاف، وإن كانت البيانات المناخية القديمة تشير إلى أن معدلات هطول الأمطار كانت أعلى من القيم الحالية، مع استمرار موجات الأمطار القادرة على إنتاج سيول مفاجئة وقوية، لذا يرجح الباحثون أن الموارد المائية كانت موسمية ومتقطعة، لكنها تصبح كبيرة للغاية عندما تُجمع مياهها من حوض تصريف واسع بما يكفي، ولا يستبعدون أن تكون إمكانية تحويل مياه وادى الطفلة إلى منطقة دهشور أحد المعايير التى أسهمت فى اختيار الموقع لبناء الهرمين الأحمر والمنحني.
لوجستيات البناء
وفى ضوء ذلك تبدو العلاقة المحتملة بين النظام المائى والهرم الأحمر أكثر إثارة للاهتمام، فقناة التحويل التى حددها الباحثون تمر على بعد عشرات الأمتار فقط من الواجهتين الغربية والشمالية للهرم، ما يفتح احتمال أن تكون المياه قد لعبت دورًا فى منظومة الخدمات اللوجستية المرتبطة بموقع البناء.
ويقول لاندرو إن الأفضل هو النظر إلى الأمر باعتباره مزيجًا من الاستخدامات، فإذا كانت القناة تتلقى المياه بالفعل من نظام السدود، فإن وجود مستوى مياه يمكن التحكم فيه نسبيًا كان من الممكن أن يسهل نقل الأحمال الثقيلة وإيصال الموارد أو العاملين، ربما باستخدام قوارب صغيرة أو وسائل نقل تستفيد من المياه.
كما كانت المياه موردًا أساسيًا لتشغيل موقع بناء ضخم، سواء لتوفير احتياجات فرق العمل أو للأنشطة الفنية المرتبطة بالبناء. وكانت صناعة الملاط أحد الاستخدامات المحتملة أيضًا، لكن الباحثين لا يمتلكون حاليًا أدلة تسمح بإسناد هذه الوظيفة إلى النظام تحديدًا، وبالتالى تركز الدراسة فى مرحلتها الحالية على احتمال أن يكون التحكم فى المياه جزءًا من منظومة الخدمات اللوجستية والتنظيم العام لموقع البناء، وليس على إثبات استخدام واحد بعينه.
لغز التأريخ
وتظل مسألة التأريخ الحلقة الأهم التى لم تُحسم بعد، فالباحثون يعرفون أن المنشآت قديمة، لكنهم لا يملكون حتى الآن تأريخًا مطلقًا يثبت أنها عاصرت الهرم الأحمر أو شُيدت فى عهد سنفرو، ولذا سيكون الوصول المباشر إلى طبقات الإنشاء والرواسب المرتبطة بمرحلة الاستخدام الأولى أمرًا حاسمًا. ومن بين أهداف البحث المستقبلية إجراء مجسات فى الواجهات المواجهة لمجرى المياه وأحواض الاحتجاز لأخذ عينات من الرواسب، فإذا ثبت أنها رواسب طميية أو كلسية خلفتها المياه وليست رمالًا ريحية تراكمت لاحقًا فإن طبقاتها قد تساعد فى إعادة بناء مراحل تشغيل المنشآت وتوفير عناصر تسمح بإجراء تأريخ مطلق.
اقرأ أيضا: محمود بسيونى يكتب: صداقة الحضارات
كما يتطلب الأمر البحث عن طبقات أثرية أو مواد قابلة للتأريخ ترتبط مباشرة ببناء السدود، ودراسة أساساتها وعلاقاتها الطبقية بالتضاريس القديمة، إلى جانب تحديد تقنيات ومواد البناء المستخدمة.
وسيكون الجمع بين المعطيات الأثرية والرسوبية والزمنية ضروريًا لمعرفة ما إذا كان السدان قد شُيدا فى الفترة نفسها، والأهم ما إذا كانا ينتميان إلى برنامج البناء ذاته الذى شُيد الهرم الأحمر فى إطاره. وحتى يتم ذلك يؤكد لاندرو أن الارتباط بين المنشآت والهرم الأحمر يجب التعامل معه باعتباره فرضية.
الحفائر تحسم
وقد وفرت صور الأقمار الصناعية ورسم خرائط أحواض التصريف والتحليلات الهيدرولوجية للباحثين صورة أولية عن تنظيم هيدروليكى شديد الاتساق، لكن المرحلة المقبلة تتطلب اختبار هذه الصورة ميدانيًا.
وتتجه الاهتمامات تحديدًا إلى عدة قطاعات فى مقدمتها المفيض المثلث للسد الغربي، والمنخفض المركزى فى السد الشرقي، والحوض الواقع بين المنشأتين، وقناة التحويل. ويريد الباحثون التحقق من الطبيعة الحقيقية للمفيض، والبحث عن منشآت محتملة لتصريف المياه أو تفريغها، ومعرفة ما إذا كان منخفض السد الشرقى تصميمًا متعمدًا أم مجرد فجوة ناتجة عن التعرية، فضلًا عن تأكيد الاتصال الهيدروليكى بين السد الغربى وقناة التحويل.
كما ستوفر دراسة الرواسب سجلًا بالغ الأهمية لطريقة عمل النظام، إذ يمكن أن تساعد فى التمييز بين الرواسب الطميية والرواسب التى حملتها الرياح، ومعرفة ما إذا كانت الأحواض احتجزت بالفعل المياه والرواسب، والأهم توفير البيانات الزمنية التى يفتقدها الباحثون حاليًا.
وهنا يترك لاندرو الباب مفتوحًا أمام كل الاحتمالات، فالحفائر كما يقول يمكن أن تؤكد تفسير الفريق، لكنها قد تؤدى أيضًا إلى تعديله أو حتى استبعاده، “وهذا تحديدًا هو الهدف منها”.
إعادة التفكير
وإذا تأكدت وظيفة المنشآت وتأريخها فقد تتجاوز أهمية الاكتشاف حدود دهشور لتغير فهمنا لقدرات الهندسة الهيدروليكية فى عصر الدولة القديمة، إذ سيعنى ذلك أن المهندسين والبنائين لم يكتفوا بالسيطرة على مياه النيل وموانيه، بل امتلكوا القدرة على تنظيم روافد الوديان المجاورة، وجمع مياه الجريان المتقطعة، والسيطرة على الفيضانات، وإدارة الرواسب، وتخزين المياه وتحويلها إلى مناطق يمكن الاستفادة منها.
كما قد يقود ذلك إلى إعادة النظر فى تنظيم مواقع بناء الأهرامات الكبرى، فالمياه لا تفسر وحدها بناء الأهرامات، وفق الباحثين، لكنها ربما كانت مكونًا رئيسيًا فى منظومة لوجستية أوسع شملت الحماية من الفيضانات والتخزين والنقل والإمداد وتنظيم الأراضى المحيطة بالآثار.
وربما تكون المفاجأة الأهم أن بعض المنشآت الكبرى الموجودة على أطراف الصحراء فى وادى النيل، التى ينظر إليها اليوم باعتبارها طرقًا أو منحدرات أو سواتر ترابية قد تكون جزءًا من أنظمة هيدروليكية مدفونة تحت الرمال.
وفى النهاية إذا أثبتت الأبحاث أن مورد المياه كان – إلى جانب عوامل أخرى – عنصرًا أساسيًا سهّل بناء أهرامات الدولة القديمة، فقد تقدم دهشور درسًا مختلفًا فى قصة تلك العمارة الضخمة مفادها أن الصراع مع الصحراء لم يكن وحده هو التحدي، بل كان التحكم فى الماء نفسه جزءًا من المعادلة، وربما يساعد التغير المناخى اللاحق فى تفسير لماذا ظهرت أكبر أهرامات الدولة القديمة خلال القرون الأولى منها، ثم اختفت منشآت بهذا الحجم رغم استمرار استخدام الأهرامات كمقابر ملكية لأكثر من ألف عام.
اقرأ أيضا: هل ساهمت المياه فى بناء هرم دهشور الأحمر؟
اقرأ أيضا: صحيفة إسرائيلية: حماس ترفض تسليم سلاحها وكوشنر محبط من نتنياهو | أخبار