لماذا تبني الصين أكبر حاملة طائرات في تاريخها؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في مدينة داليان، في الطرف الجنوبي لشبه جزيرة لياودونغ على ساحل البحر الأصفر، يوجد حوض سفن جاف يحمل مكانة خاصة في قصة صعود الصين، تعود جذوره إلى أواخر القرن التاسع عشر، حينما أنشأته روسيا القيصرية بعد حصولها على امتياز استئجار المنطقة من الصين، ثم انتقل إلى السيطرة اليابانية بعد الحرب الروسية اليابانية عام 1905، أما الآن، فهو الدليل الحي على عظمة الصناعات العسكرية البحرية الصينية.

اقرأ أيضا: رئيس جهاز شئون البيئة يترأس اجتماع تحقيق الاقتصاد الأزرق المستدام

في هذا الحوض التاريخي، أنهت البلاد بهدوء بناء حاملة الطائرات الأولى “لياونينغ ” عبر تحديث نموذج سوفييتي، وهناك أيضا، جُمعت حاملة الطائرات “شاندونغ”، أول حاملة طائرات بنيت بالكامل بأيدي صينية، ومنذ عام 2024 تقريبا، يحتضن هذا الحوض ما هو أكبر بكثير من كليهما، وأخطر.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

في أوائل عام 2025، أظهرت صور الأقمار الصناعية كتلا لهيكل جاهز لأول مرة في ذلك الحوض، وفي غضون أقل من عام، تم تجميعها لتشكيل حاملة طائرات واضحة، ثم استمرت الأبعاد في التغير لأن السفينة تستمر في النمو، ففي مايو/أيار 2026، قاس مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية طول الهيكل بنحو 286 مترا من المقدمة غير المكتملة إلى المؤخرة، وهو أكبر بكثير من أي سفينة حربية سطحية أخرى في الأسطول الصيني.

وبحلول أواخر أغسطس/آب، قدر جوزيف تريفيتيك من موقع “ذا وور زون “، بالاستناد إلى صور أقمار اصطناعية حديثة طول هيكل حاملة الطائرات بنحو 320 مترا، مع إشارة إلى أن الهيكل يعطي انطباعا بأن الرقم سيزداد، لأن سطح الطيران لم يكتمل بعد، ومن المعتاد أن يمتد إلى خارج الهيكل الأساسي من الجانبين، وإلى الأمام والخلف.

لأغراض المقارنة، يبلغ طول حاملة الطائرات الصينية الثالثة والأخيرة، فوجيان، نحو 316 مترا إجمالا، أما الحاملات الأمريكية من فئة جيرالد فورد فيبلغ طولها قرابة 337 مترا. وبالتالي فإن الحاملة الصينية الجديدة قد تقع، عند اكتمالها، في مجال حجم أقرب كثيرا إلى الحاملات الأمريكية العملاقة. لاحظ أن الحجم هنا ليس استعراضا هندسيا فقط، فكل متر إضافي في سطح الطيران يعني إمكانية حمل عدد أكبر من الطائرات، ومساحات أوسع لصيانتها وتسليحها وتحريكها، وبالتالي إمكانية تنفيذ عدد أكبر من الطلعات الجوية في فترة زمنية أقصر.

صور الأقمار الصناعية تكشف عن نمو حاملة الطائرات الصينية الجديدة (فيناتور)
صور الأقمار الصناعية تكشف عن نمو حاملة الطائرات الصينية الجديدة (فيناتور)

أضف إلى ذلك نقطة أخرى قد تكون “جديدة” على حاملات الطائرات الصينية، حيث كشفت صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 4 مايو/أيار 2026 عن وجود حجرتين في هيكل السفينة، تبلغ مساحة كل منهما نحو 15*15 مترا، تحملان سمات أنظمة احتواء المفاعلات النووية. كان تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس نهاية 2024 أشار إلى أن الصين قد بنت نموذجا أوليا لمفاعل بحري أرضي في موقع أبحاث في سيتشوان، وكان المشروع مرتبطا بـ “معهد الأبحاث 701″، وهو مكتب التصميم المسؤول عن حاملات الطائرات الصينية، ووصفت الوثائق وقتها “معدات مخصصة للتركيب على متن سفينة حربية سطحية كبيرة”.

أهم فائدة للعمل بالوقود النووي هي حصول حاملة الطائرات على مدى واستمرارية تشغيلية هائلة، فالمفاعل لا يحتاج إلى التزود المتكرر بالوقود كما يحدث في الحاملات التقليدية، مما يسمح لها بالبقاء في البحر والتحرك لمسافات بعيدة لفترات طويلة، كما يسمح الدفع النووي للحاملة بالحفاظ على سرعات عالية لفترات أطول دون القلق من استهلاك الوقود، وهذا مهم عند تغيير موقع المجموعة القتالية بسرعة أو العمل في المحيطات البعيدة.

هناك تحسينات إضافية رصدتها المصادر المفتوحة بشأن الحاملة الصينية الجديدة، منها أنها ستحمل على الأرجح أربعة “منجنيقات” بدلا من ثلاثة، ومصعد طائرات ثالث، وهذه أيضا تفاصيل مهمة، فالمنجنيق هو النظام الذي يقذف الطائرة إلى سرعة الإقلاع على سطح الحاملة، تمتلك فوجيان ثلاثة منجنيقات كهرومغناطيسية، وارتفاعها لأربعة يعني نظريا مرونة أكبر في إطلاق الطائرات ومعدل طلعات أعلى، أما مصاعد الطائرات فهي المنصات الضخمة التي تنقل المقاتلات بين الحظيرة الموجودة داخل السفينة وسطح الطيران، ومن ثم فإن إضافة مصعد ثالث تعني إمكانية نقل عدد أكبر من الطائرات صعودا وهبوطا بالتوازي، مع تقليل الوقت الذي ينتظر فيه الطيارون والطائرات دورهم.

“الصين لا تسعى فقط إلى جعل الحاملة الجديدة أكبر، بل إلى تحسين تدفق الطائرات فوقها”

وإجمالا، فهذه النقاط مجتمعة (اتساع سطح الحاملة، والدفع النووي، والمنجنيقات، والمصاعد) تعني شيئا واحدا، وهو أن الصين قد لا تسعى فقط إلى جعل الحاملة الجديدة أكبر وتحمل طائرات أكثر، بل إلى تحسين تدفق الطائرات فوقها، وهذا هو أحد الفروق الأساسية بين امتلاك حاملة ضخمة وبين امتلاك حاملة تستطيع توليد قوة جوية كثيفة ومتواصلة أثناء القتال، وهي من سمات الحاملات الأمريكية مثل جيرالد فورد.

SOUDA, GREECE - MARCH 23: The United Stated Navy aircraft carrier USS Gerald R. Ford arrives in Souda Bay on March 23, 2026 in Souda, Greece. The USS Gerald R. Ford is undergoing repairs at Naval Support Activity Souda Bay on the Greek island of Crete, following a fire that reportedly broke out in a laundry room on the aircraft carrier earlier this month, injuring some sailors and causing significant damage. The vessel has also had issues with its toilet system. Since departing Norfolk, Virginia on June 24 last year, the Ford has been deployed to the Mediterranean, Caribbean, and most recently the Red Sea as part of U.S. operations against Iran, and is currently on course to become the longest deployed carrier since the Vietnam War. (Photo by Carl Court/Getty Images)
حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد (غيتي)

ما يقلق واشنطن ليس الرابعة، بل الخامسة

لكن بعيدا عن حجم الحاملة الجديدة، وتعقيدها التقني المحتمل، ربما تكمن أهم دلالة للمشروع كله في السرعة التي قطعت بها الصين هذه الرحلة. حين دخلت لياونينغ الخدمة في سبتمبر/أيلول 2012، لم تكن الصين قد صنعت حاملة طائرات من الصفر أصلا، بل طورت الهيكل غير المكتمل للحاملة السوفياتية “فارياج”، الذي اشترته من أوكرانيا عام 1998، ووصل إلى داليان عام 2002، قبل أن تمضي بكين سنوات في إعادة بنائه وتجهيزه.

بعدها لم تشتر الصين حاملة أخرى من الخارج، بل بنت شاندونغ محليا، ودخلت الخدمة في ديسمبر/كانون الأول 2019، كانت كل من لياونينغ وشاندونغ حاملتين من نوع “ستوبار”، تقلع الطائرات من على سطحها باستخدام منحدر في مقدمة السفينة ثم تهبط بواسطة أسلاك التوقيف، تفرض هذه الهندسة قيودا على وزن الإقلاع، وما يمكن أن تحمله المقاتلة من وقود وذخائر، كما تجعل تشغيل الطائرات الكبيرة ذات الجناح الثابت أصعب بكثير.

ثم جاءت فوجيان، وهنا لم تعد الصين تطور التصميم السابق، بل غيرت الفلسفة نفسها، بدأ بناء فوجيان على الأرجح في مارس/آذار 2017، وأطلقت إلى الماء في يونيو/حزيران 2022، ثم دخلت الخدمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أي إن الرحلة من بدء البناء إلى دخول الخدمة استغرقت أقل من 10 سنوات، وفي هذه السفينة انتقلت الصين إلى منظومة “كاتوبار” المزودة بمنجنيقات كهرومغناطيسية.

“رحلة الحاملة فوجيان من بدء البناء إلى دخول الخدمة استغرقت أقل من 10 سنوات”

كان ذلك رهانا تقنيا كبيرا، فالولايات المتحدة نفسها عانت مشكلات خلال إدخال نظام “إيمالس” الكهرومغناطيسي إلى الخدمة على حاملة جيرالد فورد، ومع ذلك وصلت الصين في ثالث حاملة فقط إلى التقنية نفسها من حيث المبدأ، وأصبحت فوجيان قادرة على إطلاق طائرات أثقل وأكثر تنوعا، بما في ذلك المقاتلات “جيه-15 تي” والطائرات الشبحية “جيه-35″، والأهم طائرة الإنذار المبكر “كيه جيه 600”.

خلال 13 عاما فقط بين دخول لياونينغ الخدمة في عام 2012 ولحاق فوجيان بها في عام 2025، انتقلت الصين من تشغيل حاملة سوفياتية أُعيد بناؤها، إلى حاملة متقدمة بتقنيات تنافس الولايات المتحدة، وفي الوقت الذي كانت فيه فوجيان تبدأ حياتها العملياتية، كانت الحاملة الصينية الرابعة تبنى بالفعل في داليان.

وهذا تحديدا هو الجزء الذي يقلق واشنطن، حيث لا ينبغي أن تقود هذه المقارنة إلى استنتاج خاطئ بأن الصين أصبحت بالفعل متقدمة على الولايات المتحدة في حاملات الطائرات، فالفارق العملياتي ما يزال كبيرا للغاية، والولايات المتحدة تشغل حاملات نووية منذ عقود، وتمتلك خبرة تراكمية ضخمة في تشغيل مجموعات حاملات الطائرات عبر المحيطات، وإعادة التزويد في البحر، وتنفيذ آلاف الطلعات، ودمج الحاملة مع الغواصات والمدمرات وطائرات الإنذار المبكر والأقمار الصناعية والقواعد المنتشرة حول العالم.

“الصناعة الأمريكية نفسها لا تنتج حاملات جديدة بهذه السرعة”

لكن الصناعة الأمريكية نفسها لا تنتج حاملات جديدة بهذه السرعة، الحاملة الأولى من فئة فورد “جيرالد فورد” أقرتها البحرية ضمن ميزانية السنة المالية 2008، ولم تدخل الخدمة إلا في يوليو/تموز 2017، ثم لم تحقق القدرة التشغيلية الأولية إلا في ديسمبر/كانون الأول 2021، ولم تبدأ أول انتشار عملياتي لها إلا في أكتوبر/تشرين الأول 2022، أما الحاملة الثانية من الفئة نفسها، والتي سميت جون كينيدي، فقد جرى إقرارها في السنة المالية 2013، ورغم بدء العمل عليها منذ سنوات طويلة، فإن البحرية لا تتوقع تسليمها النهائي إلا في ربيع عام 2027.

بالمثل، واجه بناء سفينة “يو إس إس كونستليشن ” الأمريكية تأخيرات كبيرة وتجاوزات في الميزانية. كانت “يو إس إس كونستليشن ” أول سفينة في فئة جديدة من الفرقاطات المتطورة تُبنى للبحرية الأمريكية، وكان من المفترض أن تكون نموذجا للسرعة والكفاءة، حيث هدفت السفينة إلى حماية السفن الأكبر (مثل حاملات الطائرات)، ومكافحة الغواصات، والتصدي للهجمات الجوية أو الصاروخية، ومرافقة القوافل في البحار الخطرة.

تبدأ قصة السفينة المتعثرة في عام 2020، حين فاز حوض بناء السفن الأمريكي التابع لشركة “فينكانتيري” بعقدٍ لبنائها، كان التصميم الأساسي مأخوذا من فرقاطة إيطالية ناجحة هي الفئة “فريم”، وكان الهدف من تدشينها تقليل الوقت والتكلفة باستخدام تصميم جاهز ومجرّب. لكن ما حدث بعد ذلك كان كارثيا، حيث خضعت السفينة إلى تعديلات مفرطة من البحرية الأمريكية، وجرت إطالة الهيكل بمسافة 24 قدما، ثم جرى تغيير المروحة لتحسين الأداء الصوتي، ثم أُعيد تصميم النظام الكهربائي والتبريد، والنتيجة كانت تغيرا عن التصميم الإيطالي الأصلي بنسبة 85%، أدى إلى إطالة زمن التعديلات مع ازدياد التكلفة.

حاليا، وبعد مرور عامين ونصف على البداية الفعلية لبناء السفينة، لم يُنجَز إلا 10% منها، مع توقع أن ينتهي بناؤها بعد 9-10 سنوات من لحظة بداية البناء، وهي ضعف المدة التي تطلبها بناء السفينة الإيطالية.

في المنظور الأوسع، يشير تقرير لـ “وول ستريت جورنال” إلى مواجهة صناعة بناء السفن الأمريكية نقصا كبيرا في العمالة الماهرة. على سبيل المثال، شهدت شركة “نيوبورت نيوز ” لبناء السفن معدل استنزاف سنوي بنسبة 20% بين عمالها العاملين بالساعة، وهو ضعف معدل ما قبل الجائحة. يعوق هذا النقص إنجاز مشاريع كبرى في الوقت المحدد، ويُسهم في تجاوز الميزانية. إلى جانب ذلك، تعمل العديد من أحواض بناء السفن الأمريكية بمعدات قديمة، مما يعوق كفاءة الإنتاج. إضافة إلى ذلك، أدى ارتفاع تكاليف الصلب إلى زيادة الضغط على الميزانيات، مما يُصعّب ضبط النفقات في مشروعات بناء السفن.

الأمر واضح ومعلن، وهناك محاولات لحل المشكلة، ففي خطة بناء السفن الصادرة في مايو/أيار 2026، تحدثت البحرية الأمريكية عن ضرورة إعادة تنشيط القاعدة الصناعية البحرية الأمريكية، بينما طلبت ميزانية عام 2027 نحو 65.8 مليار دولار لبناء السفن. وقال مسؤولو البحرية إن تنفيذ خطط التوسع خلال العقد المقبل سيحتاج إلى نحو 250 ألف عامل جديد عبر القاعدة الصناعية البحرية الأمريكية. والبحرية لا تخفي شعورها بالإلحاح، فقد وصفت خطة عام 2026 الوضع بأنه “نقطة تحول إستراتيجية”، وربطت استعادة الهيمنة البحرية بزيادة القدرة الصناعية وتسليم السفن في المواعيد المحددة.

“تربط البحرية الأمريكية استعادة الهيمنة البحرية بزيادة القدرة الصناعية وتسليم السفن في المواعيد المحددة”

في هذا السياق البطيء، المتوتر، فإن خطة الصين ربما لن تتوقف عند أربع حاملات، ففي تقرير البنتاغون لعام 2025 ورد أن البحرية الصينية تهدف إلى بناء ست حاملات أخرى بحلول عام 2035، ليصل أسطولها في النهاية إلى تسع حاملات طائرات، وإذا كانت الصين تضيف تقنيات أحدث لحاملات الطائرات الخاصة بها بهذا التسارع الشديد، فكيف سيكون حال الحاملة الخامسة؟ وماذا عن التاسعة؟

يستمر أسطول حاملات الطائرات الصيني في النمو (أسوشيتد برس)
يستمر أسطول حاملات الطائرات الصيني في النمو (أسوشيتد برس)

ثمار التسارع

والواقع أن ثمار هذا التسارع بدأت تظهر بالفعل، حيث تُعدُّ الصين اليوم صاحبة أكبر قوة بحرية في العالم من حيث عدد السفن، يضم أسطول جيش التحرير الشعبي الصيني أكثر من 370 سفينة وغواصة قتالية، تشمل المقاتلات السطحية الرئيسية والغواصات وحاملات الطائرات والسفن البرمائية العابرة للمحيطات وسفن مكافحة الألغام وسفن الدعم. وقدر البنتاغون أن العدد سيرتفع إلى 435 بحلول عام 2030، في المقابل، قالت البحرية الأمريكية في أحدث خطة لبناء السفن، الصادرة في مايو/أيار 2026، إنها تشغل حاليا 291 سفينة قتالية فقط.

هنا يجب توضيح نقطة مهمة، وهي امتلاك 370 هيكلا عائما لا يعني تلقائيا امتلاك أقوى بحرية على الأرض، لأن السفن تختلف جذريا في أحجامها وقدرتها على الإبحار لمسافات طويلة وتسليحها، كما تختلف قدرة الأسطول على إبقائها في البحر وتموينها وإصلاحها وربطها بالأقمار الصناعية والطائرات والقواعد الخارجية.

والواقع أنه من حيث الحمولة، لا تزال الولايات المتحدة متقدمة بفارق واضح، فمجموع أوزان سفنها يساوي نحو 4.5 ملايين طن موزعة، مقابل نحو 2.5 ملايين طن بالنسبة للصين. هذا الرقم أهم من العدد، لأنه كلما ارتفع وزن السفينة باتت أقوى و “أغلظ” وأقدر على تنفيذ مهامها، ومن حيث الجودة، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بمزايا حاسمة في تكامل الطيران على حاملات الطائرات، وخفض الضوضاء تحت الماء، والخبرة القتالية، والخدمات اللوجستية العالمية، والأهم من ذلك كله، شبكة من الحلفاء الذين يمتلكون قوات بحرية قوية.

“لا تزال الولايات المتحدة صاحبة التفوق الواضح في الحمولة الإجمالية وقدرات العمليات البعيدة”

ولهذا لا تزال الولايات المتحدة صاحبة التفوق الواضح في الحمولة الإجمالية وقدرات العمليات البعيدة، لكن الفكرة – مرة أخرى – ليست في الأعداد، بل في المنحنيات، إذا قررنا رسم التسارع الصيني والأمريكي جنبًا إلى جنب في صورة منحنيات بيانية، فإن النقطة التي سيتقاطع فيها المنحنيان، وبعدها يتجاوز الصيني خصمه الأمريكي، قادمة لا محالة، إذا استمرت الأمور بهذه الوتيرة.

قبل عقدين فقط كانت الصورة معكوسة، حيث كان الأسطول الأمريكي أكبر عددا بكثير، بينما كانت الصين في بداية دورة تحديث ضخمة، وبحلول العقد الثاني من القرن الحالي بدأت الخطوط تتقاطع، ثم واصلت بكين إضافة السفن بوتيرة أعلى. أما في أحدث خطة أمريكية، الصادرة في مايو/أيار 2026، فتتوقع البحرية الأمريكية أن يبلغ عدد سفن القوة القتالية لديها 293 سفينة فقط في السنة المالية 2030، ثم يبدأ نمو بطيء بعد ذلك، بحيث لا تصل إلى 355 سفينة مأهولة إلا في عام 2040، بافتراض نجاح خطوط الصناعة في إنتاج السفن في مواعيدها وضمن ميزانياتها.

أضف إلى ذلك أن الصين لا تمتلك أسطولا أكبر فقط، بل تمتلك خلفه ماكينة لبناء السفن أكبر بكثير، فقد استحوذت الصين في عام 2024 على أكثر من 53% من سوق بناء السفن التجارية عالميًا، في حين لم تتجاوز حصة الولايات المتحدة نحو 0.1%، والأكثر إدهاشا أن شركة الصين الحكومية لبناء السفن وحدها سلّمت في عام 2024 أكثر من 250 سفينة تجارية بإجمالي يقارب 14 مليون طن، وهي حمولة تفوق ما بنته صناعة السفن التجارية الأمريكية كلها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في الإجمال تتجاوز قدرة الصين على بناء السفن قدرة الولايات المتحدة بـ230 ضعفا، ذلك الرقم لا يعني أن الصين تنتج كل عام 230 سفينة عسكرية مقابل كل سفينة أمريكية، لكنه مقياس للطاقة الاستيعابية الإجمالية لأحواض بناء السفن، المدنية والعسكرية، وهو ما يكشف حجم النظام الصناعي الذي تستطيع بكين الاستناد إليه إذا أرادت رفع الإنتاج، ولا سيما أن عددا من أحواضها يعمل في القطاعين المدني والعسكري في الوقت نفسه.

ولا تكمن المسألة في أن الصين تنتج سفنا أكثر فحسب، بل في أن جزءا كبيرا من أسطولها حديث للغاية، فوفق تحليل لمركز الدراسات الإستراتيجية، أطلقت بكين نحو 70% من السفن الحربية الصينية العاملة بعد عام 2010، مقارنة بنحو 25% فقط من سفن البحرية الأمريكية. مرة أخرى، لا يعني ذلك أن السفينة الصينية الأحدث أقوى بالضرورة من نظيرتها الأمريكية، لكنه يعني أن بكين استبدلت خلال فترة قصيرة عددا كبيرا من المنصات القديمة بسفن صممت منذ البداية حول الرادارات الحديثة، وخلايا الإطلاق العمودي، والصواريخ بعيدة المدى، والحرب الشبكية.

“أطلقت بكين نحو 70% من السفن الحربية العاملة بعد عام 2010، مقارنة بنحو 25% فقط من سفن البحرية الأمريكية”

يمكن رؤية هذا التحول بوضوح في المدمرات الصينية. عندما ظهرت المدمرة من “الفئة 052 دي” في العقد الماضي كانت تمثل قفزة كبيرة، بوزن يصل إلى 7 آلاف طن وقدرة على حمل 64 خلية إطلاق عمودي، لكن بكين انتقلت سريعًا إلى “الفئة 055″، وهي سفينة أكبر وتحمل 112 خلية إطلاق عمودي وتدمج رادارات ومستشعرات وقدرات قيادة تجعلها أقرب في الحجم والوظيفة إلى الطرادات الكبيرة.

خلايا الإطلاق العمودي هي ببساطة “مخزن الصواريخ الجاهزة للقتال” في السفينة، فكل خلية يمكن أن تحمل صاروخا يطلق عموديا من داخل بدن السفينة، بدل الاعتماد على قواذف محدودة وموجهة في اتجاهات معينة، الإطلاق العمودي يسمح للسفينة بالاشتباك مع أهداف في اتجاهات متعددة دون الحاجة إلى تدوير منصات الإطلاق.

ومن ثم فزيادة عدد الخلايا تعني عادة قدرة أكبر على حمل ذخائر جاهزة للإطلاق، كما إمكانية استيعاب أنواع مختلفة من الصواريخ، مثل صواريخ الدفاع الجوي بعيدة المدى، والصواريخ المضادة للسفن، وصواريخ الهجوم البري، وفي بعض التصاميم أسلحة مضادة للغواصات، كذلك فإن العدد الكبير من الخلايا مهم جدا في مواجهة الهجمات الصاروخية الكثيفة، لأن السفينة تحتاج إلى مخزون كبير من صواريخ الاعتراض حتى لا تنفد ذخيرتها سريعا.

لذلك فالانتقال من 64 خلية إلى 112 خلية يعني أن السفينة الأكبر تستطيع الدخول في المعركة وهي تحمل مزيجا أكبر من الأسلحة، وتدافع عن نفسها وعن مجموعة بحرية كاملة، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقدرة هجومية بعيدة المدى. ولهذا تعد سعة الخلايا العمودية من المؤشرات المهمة عند تقييم “القوة النارية ” للسفن الحديثة.

ومع دراسة أعمق لقطع الجيش الصيني المتنوعة، بداية من حاملات الطائرات ونزولا إلى الزوارق الصغيرة، ستصل دائما إلى الفكرة البسيطة نفسها والمتكررة منذ عدة عقود، الجيش الصيني يتعلم أثناء البناء، ويبني أثناء التعلم، ضمن خطة دقيقة تمضي بلا توقف.

اقرأ أيضا: «حياة بلا هاتف».. تجربة «أدريان» خارج العالم الرقمي

تشير صور الأقمار الصناعية إلى ان الصين ربما تعمل على بناء محرك نووي للحاملة الجديدة (أسوشيتد برس)
تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن الصين ربما تعمل على بناء محرك نووي للحاملة الجديدة (أسوشيتد برس)

لماذا تفعل الصين ذلك؟

الآن نحن بحاجة للتوقف قليلا والتساؤل عن الغرض من ذلك كله: لماذا لا تحاول الصين تركيز جهدها على بناء أسطول أضخم من قطع صغيرة فعالة، بدلا من بناء حاملات طائرات ضخمة ومكلفة؟

هذا السؤال مهم على مستوى الصين، وبات يطرح بشكل أعم على كل القوى العسكرية الكبرى، وهناك رأي ملح – يطرحه خبراء جادون، بعضهم داخل الصين – مفاده أن حاملات الطائرات استثمار غير مجد لبكين، لأنه إذا كان الهدف هو إبقاء البحرية الأمريكية على مسافة بعيدة، فهناك طريقتان مختلفتان تماما لفعل ذلك.

الأولى أرخص، وأقل خطورة، وهي منع الخصم من استخدام البحر، لا تحتاج فيها الصين إلى السيطرة على المحيط، بل يكفي أن تجعل اقتراب السفن الأمريكية مكلفا وخطيرا، باستخدام صواريخ باليستية ومجنحة مضادة للسفن، وغواصات، وألغام، وطائرات تنطلق من قواعد برية، وهذه الطريقة مناسبة جدًا لسيناريو تايوان، لأن تايوان قريبة من الساحل الصيني، وبالتالي تستطيع الصين استخدام آلاف الطائرات والصواريخ والقواعد البرية المحمية نسبيا.

أما الطريقة الثانية فهي السيطرة على البحر، أي أن تكون قادرا ليس فقط على منع العدو من الاقتراب، بل على إرسال أسطولك أنت إلى منطقة ما وحماية السفن والقوافل وفرض وجود جوي فوقها. وهنا تصبح حاملة الطائرات شديدة الأهمية، فهي عمليا قاعدة جوية متحركة تستطيع الصين إرسالها إلى الأماكن البعيدة التي لا تملك فيها وجودا عسكريا ثابتا.

يرى فريق من الخبراء أن الصين تجمع بين عقيدتين قد تتعارضان، الأولى عقيدة رخيصة نسبيا تقوم على منع الوصول باستخدام الصواريخ والغواصات، وعقيدة أكثر تكلفة بكثير تقوم على السيطرة البحرية باستخدام حاملات الطائرات ومجموعاتها القتالية، وهو ما أسماه الدكتور جوربريت كورانا من كلية الحروب البحرية في جامعة نارندا الهندية “ازدواجية عقائدية” قد تتحول إلى معضلة عقائدية، لأن الصين تطور صواريخ وغواصات هدفها الأساسي جعل حاملات الطائرات أهدافا شديدة الخطورة، ثم تنفق في الوقت نفسه مليارات الدولارات على بناء حاملاتها الخاصة، أي أنها تراهن على سلاح تحاول عقيدتها العسكرية نفسها أن تثبت أنه قابل للتحييد.

“تراهن الصين على سلاح تحاول عقيدتها العسكرية نفسها أن تثبت أنه قابل للتحييد”

لكن يبدو أن الصين لها رأي آخر يرتبط وثيقا بطموحها البحري الذي أصبح أكبر بكثير من مجرد الدفاع عن سواحلها أو الاستعداد لحرب حول تايوان. فالعقيدة البحرية الصينية أعلنت منذ سنوات انتقالها من التركيز على “الدفاع عن المياه القريبة” إلى الجمع بين ذلك وبين “حماية البحار البعيدة”، وربطت ذلك صراحة بحماية طرق الملاحة الإستراتيجية والمصالح الصينية خارج البلاد.

هذا تحول منطقي لدولة أصبحت تجارتها وطاقتها ومواطنوها واستثماراتها موزعة عبر مساحات تمتد من غرب المحيط الهادئ إلى المحيط الهندي والشرق الأوسط وأفريقيا، والعالم بأسره.

dronepicr - Strait of MalaccaStrait of Malacca Singapur Singapore Luftbild aerial CC BY 2.0 File:Strait of Malacca (36759635615).jpg Created: 20 July 2017 Uploaded: 26 August 2017 Location: 1° 14′ 57.1″ N, 103° 49′ 7.62″ E
مضيق ملقا (دروني بيسر)

والواقع أن “معضلة ملقا” لطالما أشارت إلى خوف بكين من أن تستطيع قوة بحرية معادية الشريان الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارتها وطاقتها، ونقصد هنا طريق التجارة والطاقة البحري الممتد من الخليج والمحيط الهندي، عبر مضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا، ثم إلى بحر الصين الجنوبي، وصولا إلى الموانئ الصينية.

وقد أظهرت حرب إيران أن الخطر يمكن أن يبدأ أبعد بكثير، عند مضيق هرمز نفسه، ففي عام 2025 حصلت الصين على نحو نصف وارداتها من النفط الخام ونحو ثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، ثم أدت الحرب والقيود على الملاحة عبر هرمز إلى انهيار كبير في تدفقات الطاقة الخليجية إلى آسيا، بينما فرضت الولايات المتحدة حصارا بحريا أضر بشدة بصادرات إيران النفطية.

لذلك فالدروس التي قد تستخلصها بكين واضحة، وهي أن الصواريخ والقواعد البرية تستطيع حماية المياه القريبة من الصين، لكنها لا تستطيع حماية ناقلة نفط صينية في بحر العرب أو عند هرمز، وإذا أرادت الصين أن تصبح قوة عالمية وتحمي طرق تجارتها البعيدة، فإنها تحتاج إلى بحرية قادرة على الانتشار طويلا في المحيط الهندي والخليج والبحر الأحمر، وهنا تصبح حاملات الطائرات وسفن الإمداد والقواعد الخارجية أكثر من مجرد رموز، أو أدوات استعراض.

“الصواريخ والقواعد البرية تستطيع حماية المياه القريبة من الصين، لكنها لا تستطيع حماية ناقلة نفط صينية في بحر العرب أو عند هرمز”

هناك كذلك هدف عسكري أوسع هو الانتقال من منع العدو من استخدام البحر إلى القدرة على السيطرة على أجزاء منه، هذا الاتجاه أصبح ظاهرا بالفعل في التدريبات، فقد قضت حاملتا الطائرات لياونينغ وشاندونغ مجتمعتين 58 يوما خارج سلسلة الجزر الأولى خلال عام 2025، مقارنة بـ32 يوما في عام 2024، ونفذتا نحو 1680 طلعة بالمقاتلات والمروحيات في غرب المحيط الهادئ.

تمنح الحاملات الضخمة بكين أيضا أداة سياسية ودبلوماسية لا توفرها الصواريخ، فالصاروخ الباليستي سلاح تهديد أو حرب، أما مجموعة حاملة الطائرات فيمكن إرسالها إلى دولة صديقة، أو استخدامها في إجلاء المواطنين، أو حماية الملاحة، أو المشاركة في تدريبات، أو الظهور قبالة منطقة أزمة دون إطلاق طلقة واحدة، وهي بهذا المعنى أداة لإظهار القوة والضغط السياسي، كما كانت الحاملات الأمريكية طوال عقود.

ولا ينبغي إغفال رمزية الحاملات ذاتها وأهميتها للتكنولوجيا الصينية والقاعدة الصناعية لبكين على السواء، فحاملة الطائرات واحدة من أعقد الآلات التي تستطيع دولة صناعية بناءها، حيث تحتاج إلى محركات ضخمة، ورادارات، ومنجنيقات، ومفاعلات نووية في الجيل المقبل على الأرجح، وطائرات مخصصة للعمل من البحر، وآلاف البحارة والفنيين، وشبكة من المدمرات والغواصات وسفن الإمداد. لذلك فإن برنامج الحاملات نفسه يدفع الصناعة والبحرية الصينية إلى تعلم مجموعة ضخمة من التقنيات والعمليات، وفي الوقت نفسه، تبقى الحاملة رمزا واضحًا لوصول الصين إلى مرتبة القوى البحرية الكبرى، وهو بُعد سياسي لا يمكن تجاهله.

حاملة الطائرات الصينية فوجيان خلال تجربة بحرية
حاملة الطائرات الصينية فوجيان خلال تجربة بحرية (أسوشيتد برس)

على المدى الأبعد، وبحلول منتصف هذا القرن، قد تصبح البحرية الصينية ندا حقيقيا للبحرية الأمريكية، لا من حيث عدد السفن فقط، بل من حيث القدرة على العمل المستمر بعيدا عن السواحل الصينية، فيما ما وراء سلسلة الجزر الأولى وفي أعماق المحيطين الهادئ والهندي، تماما كما تفعل الحاملات الأمريكية حاليا.

وإذا تجاوزنا الحاضر المستقبل وألقينا نظرة إلى التاريخ، سرعان ما سنكتشف أن البحرية بالنسبة إلى بكين ليست مجرد أداة لحماية التجارة أو مواجهة الولايات المتحدة، وإنما ترتبط بسردية وطنية شديدة الحضور عن استعادة القوة بعد زمن طويل من الضعف، وقد تركت أزمة مضيق تايوان في التسعينيات أثرا واضحًا في التفكير الإستراتيجي الصيني، حين أرسلت الولايات المتحدة حاملات طائرات إلى المنطقة بينما لم تكن بكين تمتلك آنذاك وسائل كافية لمنعها أو موازنة وجودها.

لكن الذاكرة الصينية تذهب أبعد من ذلك بكثير، إلى ما يعرف في الخطاب الصيني بـ “قرن الإذلال”، الممتد تقريبا من حروب الأفيون في القرن التاسع عشر حتى تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، وهي الفترة التي تعرضت خلالها البلاد للتدخل والاحتلال وفرض الامتيازات من قوى غربية ومن اليابان. وللبحر مكانة خاصة في تلك الذاكرة، فمن خلاله وصلت إلى الصين كثير من القوى التي فرضت عليها الهزائم والمعاهدات والموانئ المفتوحة والنفوذ الأجنبي.

“من خلال بناء أسطول قوي تسيطر الصين على المجال الذي استخدم تاريخيا لإذلالها”

لذلك يمكن النظر إلى بناء أسطول ضخم اليوم باعتباره، ربما جزئيا، محاولة لقلب تلك الصورة التاريخية رأسا على عقب، فالدولة التي جاءت إليها القوى الأجنبية من البحر وهي عاجزة عن منعها، وبسبب ذلك عاشت في ذل ومهانة لعقود، تريد أن تصبح دولة لا يستطيع أحد الاقتراب من سواحلها دون حساب، بل ما هو أبعد، أن تصبح قوة بحرية تستطيع هي نفسها الوصول إلى المحيطات البعيدة.

الحوض الجاف في داليان، إذن، لم يكن مجرد مساحة إسمنتية هائلة تبنى فيها السفن، ولكنه جزء أساسي من قصة الصين الحالية، التي بدأت من تحت الصفر، ثم ها هي تحاول، ليس فقط أن تعود إلى البحر، بل أن تسيطر عليه. إذا صدقت الأرقام واستمرت الوتيرة الحالية، فإنه من الممكن جدا للصين أن تحقق هذا الحلم، لتصل إلى أبعد المحيطات، فتحمي مصالحها تارة، وتقيم صداقات تارة، وتبعث برسائل من الخوف تارة ثالثة، كما تفعل الولايات المتحدة حاليا، وكما فعلت سابقا على مدى عقود.

اقرأ أيضا: مصر تشارك بأكبر بعثة في بطولة العالم للرماية للأطباق المروحية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً