«حياة بلا هاتف».. تجربة «أدريان» خارج العالم الرقمي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

قبل أقل من عشرين عامًا، ظهر هاتف «آيفون» ليصبح خلال فترة قصيرة أحد أكثر الأشياء تأثيرًا في تفاصيل الحياة اليومية، فلم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للاتصال، بل تحول إلى أداة تعيد تشكيل سلوك البشر، وتوقعاتهم، وطريقة انتباههم، وحتى علاقتهم بالوقت والمكان والآخرين.

اقرأ أيضا: مصر تشارك بأكبر بعثة في بطولة العالم للرماية للأطباق المروحية

لكن وسط هذا العالم المتصل دائمًا، يعيش «أدريان» في عالم مختلف تمامًا، لم يمتلك هاتفًا محمولًا في حياته، لا «آيفون»، ولا «بلاك بيري»، ولا حتى هاتف «نوكيا» بسيط.

وليس الأمر مجرد رفض رمزي للتكنولوجيا، فهو بالفعل لا يحمل هاتفًا، بينما يتولى مساعده، الذي يقف على بعد أمتار منه، حمل هاتفين.

 

اقرأ ايضا| الهاتف يهدد الأطفال «6 – 10».. خطورة الموبايل على أفكار الصغار

 

يقول «أدريان» إن عدم امتلاكه لأي جهاز محمول كان أحد أسباب نجاحه في الاستمرار بعيدًا عن عالم الهواتف الذكية: «بمجرد أن تبدأ، يصبح من المستحيل تمامًا التراجع».

 

◄ حين يصبح الضياع مغامرة

 

غياب الهاتف عن حياة «أدريان» لم يكن دائمًا أمرًا مريحًا لمن حوله، ذات مرة، كان في طريقه من بروكلين إلى أماغانسيت في نيويورك لزيارة عائلة صديقته، استقل القطار، لكنه لم ينتبه إلى أنه بحاجة إلى تغيير القطار في جامايكا، كوينز.

لم يكن معه هاتف ليسأل عن الطريق، ولا تطبيق للخرائط يخبره بمحطته التالية، فاتته الرحلة، وانتهى به الأمر في مكان لم يكن من المفترض أن يصل إليه، لكنه لم يصب بالذعر، ذهب إلى حانة، وسأل أحد الأشخاص عن الاتجاهات، ثم شق طريقه، عبر سلسلة من التحويلات غير المتوقعة، حتى وصل إلى وجهته متأخرًا نحو ثلاث ساعات، والأغرب أنه لم يكن منزعجًا.

كان قد أنهى قراءة كتابه الذي يحمله معه دائمًا تحسبًا لمثل هذه المواقف.

بالنسبة إلى «أدريان»، لم يكن الضياع أزمة، بل جزءًا من التجربة، عندما سألته ماذا يفعل عندما يضل طريقه، بدا السؤال نفسه غريبًا بالنسبة إليه، قال إنه نادرًا ما يضل، لأنه ينظر إلى الخريطة قبل أن يغادر، ثم يكتب طريقه على ورقة، وإذا ضل الطريق بالفعل؟

ثم يضيف: «هذا هو الهدف من الخروج والتجول.. أن تجد طريقك، بكل معنى الكلمة».

 

◄ حياة بلا نقطة زرقاء

 

يصعب على كثيرين اليوم تخيل الذهاب إلى مكان جديد دون معرفة الموقع الدقيق، ومدة الرحلة، وأفضل طريق للوصول.

الهاتف الذكي ألغى كثيرًا من المتاعب الصغيرة التي كانت جزءًا طبيعيًا من الحياة، فلم نعد ننتظر القطار ونحن نتساءل متى سيصل، أو نتصل بمطعم لنعرف إن كانت هناك طاولة شاغرة، أو نحاول تذكر اسم ممثل ظهر في فيلم قديم.

وحتى الملل أصبح شيئًا يمكن التخلص منه بضغطة واحدة، لكن «أدريان» يرى الأشياء من زاوية أخرى.

إذا تأخر شخص عن موعده، يمكنه الانتظار نصف ساعة دون أن يشعر بأن وقته يضيع. يجلس ويقرأ، أو ينظر حوله، وهو، على عكس كثيرين، ينظر فعلًا.

يلتقط تفاصيل تمر أمام الآخرين دون أن يلاحظوها: حافة مبنى قديم، اسم غريب لمقهى، أو شخص يبدو مثيرًا للاهتمام فيبدأ معه حديثًا عابرًا.

أما إذا أخرج الشخص الذي يتحدث إليه هاتفه، فيخرج أدريان كتابًا، «إذا لم يكلفوا أنفسهم عناء ذلك، فلا يمكنني أنا أيضًا».

 

◄ العالم الذي بُني على افتراض أننا متصلون

 

عدم امتلاك الهاتف لا يعني أن أدريان منفصل عن العالم، لديه جهاز كمبيوتر وبريد إلكتروني، ويطبع تذاكره، ويحمل دفترًا صغيرًا يسجل فيه العناوين والاقتباسات والملاحظات وعناوين البريد الإلكتروني للأشخاص الذين يلتقي بهم.

كما يحرص على مقابلة شخص جديد كل يوم، وقد يبدو الأمر مرهقًا بالنسبة إلى البعض، لكنه بالنسبة إليه هو جوهر الحياة: الناس، بكل اختلافاتهم، يستحقون الاكتشاف، ومع ذلك، فإن الحياة بلا هاتف لها ثمن أيضًا.

في عالم أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءًا من كل شيء تقريبًا، يمكن لعدم امتلاك أحدها أن يعني تفويت فرص العمل أو صعوبة الوصول إلى بعض الخدمات أو التعامل مع إجراءات أصبحت التطبيقات جزءًا أساسيًا منها.

لقد أصبح الهاتف بالنسبة إلى كثيرين مكتبًا متنقلًا، وكاميرا، ووسيلة للنشر، وأداة للعمل، ومديرًا شخصيًا لا يتوقف عن المطالبة بالانتباه، بل أصبح، بالنسبة إلى الآباء والأمهات، مركزًا لإدارة حياة الأسرة والأطفال.

يستمتع أدريان بمواجهة المواقف التي يخبره فيها شخص ما بأنه «بحاجة إلى تطبيق»، يرد ببساطة: «لكنني لا أملك هاتفًا».

ثم يقف منتظرًا بينما يحاول الطرف الآخر التفكير في حل للمشكلة، يقول أدريان: «من المدهش كيف أصبح امتلاك هاتف ذكي بمثابة التزام قانوني تقريبًا».

والسبب واضح، فقد بنينا عالمًا يفترض أن الجميع يحمل هاتفًا ذكيًا، ومع الوقت، لم يعد الهاتف مجرد خيار، بل أصبح شرطًا ضمنيًا للمشاركة في تفاصيل الحياة اليومية.

اقرأ أيضا: مفاجأة في حراسة مرمى الزمالك أمام بطل جيبوتي بدوري الأبطال

 

ماذا فقدنا؟

 

ربما يكون السؤال الأصعب ليس: كيف نتخلص من الهاتف؟فبالنسبة إلى كثيرين، هذا غير واقعي.

السؤال الأهم هو: ماذا خسرنا ونحن نحمل الهاتف معنا في كل لحظة؟

ربما خسرنا بعض القدرة على الانتظار.

وربما فقدنا متعة الضياع واكتشاف طريق جديد.

وربما أصبحنا أقل انتباهًا للأشخاص والأماكن من حولنا، لأن الشاشة الصغيرة أصبحت دائمًا أكثر إغراءً من العالم الحقيقي.

أغبط أدريان أحيانًا. تراودني رغبة في إلقاء هاتفي في المحيط الأطلسي، والتخلص من الجهاز الذي أصبح امتدادًا لعقلي ويدي، لكنني أعرف أنني لن أفعل.

لدي أطفال يجب أن أوصلهم من المدرسة، وحياة كاملة أصبحت مرتبطة بهذا الجهاز.

لذلك ربما لا يكون الحل في التخلي عن الهاتف تمامًا، بل في إعادة التفكير في علاقتنا به.

بدلًا من أن نسأل: «كيف أقضي وقتًا أقل على هاتفي؟»، ربما علينا أن نسأل: «ما الذي أريد أن أمنحه مزيدًا من اهتمامي؟».

مؤخرًا، بدأت أجرب شيئًا من طريقة أدريان.

أتحدث مع أشخاص أثناء الوقوف في الطوابير، أتصل بالمطاعم بدلًا من فتح التطبيقات تلقائيًا. أحاول أن أبطئ قليلًا أثناء التسوق، وأصطحب ابنتي معي لنستمتع بالوقت، ونتجول ونكتشف أشياء لم نكن نبحث عنها أصلًا.

لن أتخلى عن هاتفي ما دمت بحاجة إليه لإدارة تفاصيل حياتي وأطفالي، لكن ربما أستطيع، من وقت لآخر، أن أسمح لنفسي بأن أضيع قليلًا.

 

اقرأ أيضا: تراجع أسعار الذهب في منتصف تعاملات اليوم الجمعة.. تفاصيل

‫0 تعليق

اترك تعليقاً