كان من الطبيعي أن تلتحق مايا بمدرسة “نوتردام دي جامهور” الواقعة في معقل الفرانكوفونية بشرق بيروت، على أن تتلقى تعليماً عالياً في الجامعة اليسوعية أو الأمريكية، لتدخل إلى عوالم السلطة والسياسة من أوسع الأبواب.
اقرأ أيضا: أسعار الذهب اليوم الجمعة 4 سبتمبر في بداية التعاملات العالمية
لكن هذا المسار تم وأده ضحى 23 فبراير/شباط عام 1980 في حي الأشرفية الواقع فوق تلة تطل على البحر الأبيض المتوسط.
كان بشير الجميل وطنياً لدى البعض، وخائناً في نظر آخرين، ولكن مايا لم تذنب قط، وأنى لها ذلك، فقد كانت في عامها الثاني عندما قضت في تفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارة من طراز بيجو 504 كان من المقرر أن يستقلها والدها.

“هذا جناه أَبِي علَي وَمَا جنَيْت على أَحَد”
هذا المصير هو ما يخشاه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على ابنه الأصغر بارون الذي ولد عام 2006 وأكمل دراسته الثانوية في فلوريدا 2024، ثم التحق بجامعة نيويورك لدراسة إدارة الأعمال، حيث ينتظره مستقبل مكتظ بالعقارات والعملات المشفرة.
وليست لبارون أي علاقة بالشان السياسي، لكن وحيد ميلانيا قد يدفع ثمن إقدام والده على إرسال قاذفات بي 2 ومقاتلات أخرى إلى طهران في 28 فبراير\شباط الماضي حيث ألقت حمولتها على مبنى يجتمع فيه المرشد الأعلى علي خامنئي ونخبة من الساسة والضباط.
وقبل أيام ترددت أنباء عن رصد إيران مكافأة مالية قدرها 10 ملايين دولار لمن يتمكن من قتل بارون، نجل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتضمن مقطع فيديو نُسب للتلفزيون تفاصيل عن حياة بارون وروتينه اليومي، والأماكن التي يتردد عليها، وحراسه واهتماماته الشخصية.
وقد نفى مسؤول إيراني التخطيط لمقتل نجل ترمب، فيما اكتفى الناطق باسم الخدمة السرية الأمريكية بالقول إنهم “يعلمون بالفيديو ويحقّقون في وجود تهديد” مشدداً على أن “الإجراءات الأمنية لا يُمكن مناقشتها”.
وحتى لو نجا بارون من الاغتيال، فإنه لن ينعم بحياة هادئة على الأرجح، ولو قدّر له أن يستشير الكاتب البربطاني سلمان رشدي، فإنه سيقدم له محاضرة عن طول نفس الإيرانيين في انتظار لحظة الهجوم المناسبة والتي قد تتأخر لـ 40 عاماً.

رصاصة في خصر زوجة الأمير
بيد أن هذه الحالات ليست نادرة الحدوث، فرغم قدسية مبدأ “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، فإن لعنة السلطة أحياناً لا تقف عند أصحابها، بل تهلك آخرين بذنوب لم يقترفوها.
لقد كانت صوفي شوتيك كريمة دبلوماسي مرموق، وبإمكانها أن تعيش حياة راقية ودون متاعب، لكن ولي عهد النمسا هام بها حباً وتزوجها بعد معركة قانونية شرسة، ليزج بها في صراعات وأحقاد عابرة للحدود.
وعندما استدار الموكب عائداً إلى القصر، كان في انتظاره الفتى غافريلو برينسيب، فأودع رصاصة في عنق الأمير فرانز فرديناند وأخرى في خصر زوجته صوفي شوتيك.
كان ذلك وسط مدينة سراييفو صبيحة 28 يونيو/حزيران 1914، وبمجرد تأكد مقتل وريث إمبراطورية النمسا والمجر، دقت طبول الحرب العالمية الأولى، التي طحنت البشرية، وأعادت تشكيل الخارطة الكونية من جديد.
تروي المصادر التاريخية أن فرديناند كان يصر على بناء عرش ثلاثي المكونات: الألمان والمجر والسلاف، ولكن هذه الفكرة واجهت رفضاً كبيراً، وأثارت الشكوك داخل القصر حول ما إذا كان يتمتع بقواه العقلية.
كذلك، فكّر في إقامة دولة فدرالية من 16 إقليماً تسمى “الولايات المتحدة النمساوية الكبرى”، مما أجج صراعاً مباشراً مع القوميين الصرب، الذين كانوا يخططون للانفصال عن البوسنة والهرسك وإقامة دولتهم المستقلة بعيداً عن إمبراطورية النمسا حينها.
وقد كان بإمكان القوميين الصرب قتل الأرشيدوق فرانز فرديناند الذي لا يرضونه أميراً عليهم، والاكتفاء بترميل صوفي شوتيك في عامها السادس والأربعين.
لكنهم أبوا إلا أن يرسلوها في تابوت، ولتُدفن معها معارف ومهارات عدة؛ حيث كانت ماهرة في العزف والرسم، وتتحدث عدة لغات، ولها إلمام واسع بالرياضيات والسياسة والأدب والتاريخ.
![تصفية العائلة الإمبراطورية في روسيا 1918 Artist impression of the murder of the Russian Imperial Romanov family (Tsar Nicholas II. his wife Tsarina Alexandra and their five children Olga. Tatiana. Maria. Anastasia. and Alexei) and all those who chose to accompany them into imprisonment--notably Eugene Botkin. Anna Demidova. Alexei Trupp and Ivan Kharitonov--were shot. bayoneted and clubbed to death[1] in Yekaterinburg on the night of 16-17 July 1918. The Tsar and his family were killed by several Bolshevik troops including Peter Ermakov. and led by Yakov Yurovsky under the orders of the Ural Regional Soviet and according to instructions by Lenin. Yakov Sverdlov and Felix Dzerzhinsky. (Photo by: Universal History Archive/Universal Images Group via Getty Images)](https://www.ajnet.me/wp-content/uploads/2026/09/GettyImages-1134265446-1788476976.jpg?w=770&resize=770%2C814&quality=80)
إعدام سلالة كاملة.. سد الذرايع على طريقة لينين
وليست هذه أقسى قصص الذين هلكوا بذنوب غيرهم، فبعدها بأربعة أعوام فقط قرر الثوار الروس وضع نهاية لمجد وعظمة الإمبراطور نيكولاي الثاني. وقد حصل ذلك ليلاً في 17 يوليو/تموز 1918.
لم يكتفِ الثوار بإسقاط نيكولاي من عرشه، إنما قرروا إعدام السلالة المالكة كلها حتى لا يبقى منها أي شخص يمكن أن يلتف حوله الناس ولو بعد حين.
في التقاليد العريقة للقبائل والممالك والإمبراطوريات، يعتبر الإبن صاحب ثأر ووريثاً للسيف والزعامة والعرش، ما يعني أن تصفيته قد تكون ضرورية لكسب معركة مؤجلة ووأد فتنة قبل أن تطل برأسها.
وأما الزوجات والبنات فهنّ عرضٌ لكل رجل نبيل، إذ يحرص الفرسان على تجنيبهم الخطر، وغالباً يمنحهن الحكام الجدد الأمان والعيش الكريم دون منّ ولا أذى.
لكن ما حصل في الليلة الروسية الحالكة كان مغايراً لهذه الأعراف، فقد تم إيقاظ العائلة الإمبراطورية عند 1:30، وقيل لهم إنه من الضروري نقلهم إلى قبو أسفل منزل “إيباتيف” في مدينة يكاترينبورغ لحمايتهم من الرصاص الطائش في الشوارع.
ووفق مصادر تاريخية فإن الطفل أليكسي كان يعاني من الهيموفيليا (نزيف الدم)، وعندما دخلت العائلة القبو طلبت والدته من المسلحين تزويده بكرسي لأن صحته لا تسمح له بالوقوف.
وقد تصرف المسلحون بسخاء كبير فأحضروا كرسيين: على أحدهما جلس الإمبراطور حاملاً أليكسي على ركبتيه، وعلى الثاني استوت الإمبراطورة، أما البنات فوقفن في الخلف.
وما إن بدا المشهد مثالياً لالتقاط صورة تذكارية، حتى قرأ عليهم مسلح ورقة مفادها أنه تم اتخاذ قرار بإعدامهم، فأمطروهم بالرصاص جميعا: الإمبراطور نيكولاي (50 عاماً)، والإمبراطورة ألكسندرا فيودوروفنا (46 عاماً)، وابنهما ولي العهد إليكسي (13 عاماً)، والبنات: أولغا (22 عاماً)، وتاتيانا (21 عاماً)، وماريا (19 عاماً)، والصغرى أناستاسيا في عامها السابع عشر.
وهذه التفاصيل تم توثيقها في مذكرات قائد فرقة الإعدام ياكوف يوروفسكي، وفي تحقيقات القاضي سوكولوف.

آل بوتو.. إن موعدهم الضريح الكبير
وإذا كان رفاق لينين برروا لأنفسهم هذا الفعل بالخوف من احتمال قيام أي من أفراد الأسرة المالكة بعرض نفسه على الشعب من جديد، فإنه يصعب تفسير وقائع مماثلة في باكستان ودول أخرى.
لقد أطاح الجيش الباكستاني برئيس الوزراء ذي الفقار علي بوتو، وتم إعدامه في السجن المركزي بمدينة راولبندي فجر الرابع من أبريل/نيسان 1979.
ووفق شهادة العقيد رفيق الدين الذي كان مسؤولاً أمنياً في السجن، جرى الإعدام شنقاً، ونُقل الجثمان في طائرة عسكرية ليدفن في قرية “غاري خدا بخش” بالقرب من لاركانا في عمق إقليم السند.
وفي هذه القرية التي تطوقها الحقول وباسقات النخيل، أقيم لذي الفقار ضريح أبيض مهيب تتتوجّه خمس قباب، ويتخذ زينة باذخة من الرخام والزخارف والأقواس.
وقد قُدّر لهذا الضريح الكبير أن يواصل استقبال أفراد عائلة بوتو التي لا تتخلى عن التصدر للزعامة، ولا يفتأ الرصاص يتربصها في الشوارع والميادين.
اقرأ أيضا: أسعار الخضروات والفاكهة والأسماك والدواجن في الأسواق اليوم الجمعة 4 سبتمبر
في 27 ديسمبر 2007، اخترقت رصاصة جسد بينظير بوتو في عامها الـ 54، عندما كانت تتحدث، بطلاقة كعادتها، من نافذة سيارة إلى حشد من أنصارها في حدائق “لياقت باغ”، على بعد كيلومترات قليلة من المكان الذي أُعدم فيه والدها ذو الفقار عام 1979.
يومها، كانت خريجة أكسفورد وهارفارد زعيمة للمعارضة وتحشد قوتها للعودة إلى مكتب “وزيرِ أعظم سكرتاريت” في المنطقة الحمراء على شارع الدستور وسط إسلام أباد، حيث سبق أن قادت الحكومة مرتين: الأولى من عام 1988 إلى 1990، والثانية من 1993 إلى 1996.
وبعد أن طاف جثمانها وسط الملايين الباكين الغاضبين، نُقل جواً إلى قرية “غاري خدا بخش” ودُفنت في قاعة فسيحة وسط الضريح المهيب المقبب والمطوق ببيوت الطين والنخيل والحقول.

السم في الغربة.. بأي ذنب قتلوا شاهنواز
ولئن كانت هذه جريمة اغتيال سياسية كثيرة الحدوث في سياق التدافع على السلطة، فإن أخذ روح شاهنواز بوتو في شقة بمدينة نيس الفرنسية كان أمراً غريباً؛ في حق شاب عشريني لم يشغل أي منصب حكومي ولم يتولَّ إدارة السلطة، ما يجعله من فئة الذين هلكوا بذنوب غيرهم.
وقد أظهر تشريح الجثمان تسميم الشاب شاهنواز، سميّ جده “شاهنواز بوتو” الذي شغل مناصب رفيعة كوزير ورئيس حكومة لإقليم جوناغاد في مرحلة ما قبل الاستقلال عام 1947.
كانت عملية القتل في 18 يوليو/تموز 1985، وفي 18 من الشهر الموالي (أغسطس) وصل جثمانه إلى “غاري خدا بخش”، واتخذ مرقداً سرمدياً بجانب والده ذي الفقار وسط الضريح الفخم المزين بالرخام والأقواس والقباب.
أما شقيقه الأكبر مرتضى بوتو، فقد زارته رصاصات الغدر عند الثامنة من مساء الـ 20 من سبتمبر/أيلول 1996، عندما أوقفت الشرطة موكبه في مدينة كراتشي.
وقد وجهت اتهامات لشقيقته بينظير بالوقوف خلف العملية لإبعاده عن منافستها على السلطة وقيادة حزب الشعب، وبناء على ذلك اعتقل زوجها علي زرداري لفترة، ثم أخلي سبيله “لعدم كفاية الأدلة”
وأيا يكن، فقد خلصت التحقيقات القضائية إلى أن توقيف الشرطة للموكب لم يكن عملاً أمنياً عادياً، بل كان كميناً إجرامياً ألحقه بقائمة الأشخاص الذين صُبت عليهم لعنات السلطة وهلكوا بذنوب لم يرتكبوها، فسبق أخته بينظير إلى الضريح الفخم بأحد عشر عاماً.

الدماء تغمر القصر.. حقبة في قبر مجهول
ومثل هذا يحصل بين أشقائهم في بنغلاديش، ففي منتصف أغسطس عام 1975 عاشت دكا ليلة حالكة. وعندما تمدد الضوء في الأفق، علم المواطنون أن الدماء غمرت القصر، وأن حقبة مهمة من تاريخ الجمهورية قُبرت في مكان مجهول.
لقد أعدم الضباط رئيس البلاد وبطلها ومهندس انفصالها عن باكستان، الشيخ مجيب الرحمن، ثم قتلوا حرمه فضيلة النساء وأبناءه رأسل، وكمال وجمال وزوجتيهما.
ولم ينجُ من مذبحة العائلة سوى ريحانة، وحسينة التي أخذت على عاتقها لاحقاً مسؤولية الصعود للسلطة والانتقام قتلاً وسجناً وتهجيراً، قبل أن تهرب من بطش الجماهير عام 2024..

الطفل الذائد عن المجد.. معركة بين ضفتي دجلة
وفي الموصل، أم الربيعين التي يشطرها نهر دجلة إلى نصفين، كان مصطفى قصي صدام حسين برفقة والده وعمه عندما هاجمهم الأمريكيون وأدلاؤهم في حي السكر، بمنزل نواف الزيدان.
وقع الهجوم في الثاني والعشرين من تموز/يوليو 2003، وانضم مصطفى لوالده وعمه في رفض الاستسلام، فقاتلوا وقُتلوا.
لكن الحفيد مصطفى كان في الرابعة عشرة من عمره؛ عندما ذادَ عن حياضِ مجدٍ لم يغترف منه، ومات بذنبٍ لم يرتكبه، ليلحق بشاهنواز وصوفي وأليكسي وتاتيانا وماريا، وكثيرين تخشى ميلانيا أن يكون بارون ترمب واحداً منهم.

اقرأ أيضا: تقنين الموت.. الشركة الناشئة التي تساعد الناس على إنهاء حياتهم | صحة