Published On 4/9/2026
تناول مقال بصحيفة نيويورك تايمز تجربة إنسانية وطبية شديدة الحساسية في ولاية نيويورك، حيث أدى تقنين الموت بمساعدة طبية إلى ظهور مؤسسة جديدة تحمل اسم “كيوتوس” (Quiĕtus)، أنشأها فريق من الأطباء والممرضين وعلماء النفس والمتخصصين في الرعاية التلطيفية لمساعدة المرضى المصابين بأمراض عضال في إنهاء حياتهم وفقا لرغبتهم وتحت إشراف طبي.
ووضعت الصحيفة هذه التجربة -في مقال بقلم إيما غولدبرغ- في قلب نقاش أوسع حول حدود الطب، ومعنى الرعاية في نهاية الحياة، وهل من الممكن أن تصبح مساعدة المريض على الموت امتدادا لدور الطبيب في تخفيف الألم والمعاناة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وتنطلق القصة من تجربة طبيبة الرعاية التلطيفية تارا شابيرو مع حماتها التي كانت تعاني مرضا عضليا تنكسيا وقررت بنفسها أنها مستعدة للموت، وعندما ساعدتها العائلة في تنفيذ رغبتها بولاية فيرمونت عام 2023، وجدت شابيرو نفسها أمام أسئلة عميقة حول حدود دور الطبيب: هل تقتصر مهمة الطبيب على مقاومة الموت وتأجيله، أم يمكن أن تشمل أيضا مساعدة المريض على إنهاء معاناته عندما يصبح الموت وشيكا؟
ومع تقنين الموت بمساعدة طبية في نيويورك، قررت شابيرو العمل مع فريق من الأطباء والممرضين وعلماء النفس لإنشاء مؤسسة متخصصة تقدم للمرضى تقييما طبيا ونفسيا، والمساعدة في استيفاء الشروط القانونية، إلى جانب الدعم اللوجستي ومساندة العائلات.

وتبلغ تكلفة الخدمة نحو 12 ألف دولار، مع تعهد الفريق بمساعدة المرضى الذين لا يستطيعون تحملها، لكن إنشاء المؤسسة لم يكن مهمة سهلة، لأن الفريق كان يخوض تجربة لا توجد لها سوابق كثيرة، فقد اضطر الأطباء إلى التفكير في مسائل لم تكن جزءا معتادا من عمل المؤسسات الطبية، مثل العثور على صيدليات مستعدة لتوفير الأدوية اللازمة، وترتيب شحنها إلى منازل المرضى، وتحديد المسؤوليات القانونية، والتعامل مع شركات التأمين، وحتى التفكير في كيفية تقديم الخدمة من دون إثارة مخاوف الجيران أو اعتراضات زملائهم في المهنة.
مرافق الموت
وتكشف اجتماعات الفريق أن التحدي لا يتعلق فقط بالمسائل القانونية والطبية، بل أيضا بالتفاصيل الصغيرة التي ترافق الموت، فكان عليهم التفكير في المعدات التي ينبغي أن يحملها الأطباء أثناء الزيارات المنزلية، وفي كيفية التعامل مع المرضى وعائلاتهم، وفي احتمال وجود خلافات عائلية في يوم الوفاة، وفي مسألة ما إذا كان ينبغي توفير ما يسمى “مرافق الموت” لمساندة المريض وأسرته.
كما ناقشوا السؤال الأصعب، وهو هل ينبغي أن يكون الفريق متاحا على مدار الساعة إذا شعر مريض في منتصف الليل بأنه لم يعد قادرا على تحمل الألم ويريد إنهاء حياته؟
وهنا ظهر اختلاف واضح داخل الفريق، كان دانيال كوجان الذي يقود المؤسسة، يرى أن تحمل مسؤولية مساعدة المريض على الموت يعني ضرورة أن يكون الأطباء متاحين عندما يحتاج إليهم المريض، حتى في حالات الطوارئ الليلية، إذ لا معنى لوعد المريض بموت منظم وتحت السيطرة ثم تركه ينتظر عندما تتدهور حالته فجأة.
أما الطبيب كريستيان زانارتو فكان أكثر حذرا، وحذر من أن العمل بهذه الوتيرة قد يؤدي إلى إنهاك الفريق نفسيا وجسديا، ومن وجهة نظره، فإن الرعاية الجيدة في نهاية الحياة تتطلب من الأطباء الحفاظ على طاقتهم وقدرتهم على الحضور الإنساني، وبالتالي فإن وضع حدود زمنية للخدمة قد يكون ضروريا.
وتعكس هذه المناقشات طبيعة المهمة التي اختارها الفريق، فهم لا يتعاملون مع حالة طبية عادية، وإنما مع قرار نهائي لا يمكن التراجع عنه، ولذلك فإن كل تفصيل يحمل بُعدا أخلاقيا وإنسانيا، حتى وصول الدواء إلى منزل المريض يمكن أن يكون -في نظر الفريق- مصدر طمأنينة لأنه يمنح المريض إحساسا بأن خيار إنهاء المعاناة أصبح متاحا له إذا احتاج إليه.
يخشى بعض الأطباء وأخلاقيي الطب من أن يؤدي السماح للطبيب بالمساعدة على الموت إلى تقويض المبدأ الأساسي للمهنة، أي حماية الحياة والسعي إلى علاج المرض واستعادة صحة المريض
ويضع المقال تجربة “كيوتوس” في مواجهة مفارقة كبيرة داخل المجتمع الطبي الأمريكي، فهناك تأييد واسع لفكرة تقنين الموت بمساعدة طبية بين الأطباء، لكن نسبة صغيرة منهم مستعدة للمشاركة في ذلك عمليا.
امتداد للرعاية التلطيفية
ويخشى بعض الأطباء وأخلاقيي الطب من أن يؤدي السماح للطبيب بالمساعدة على الموت إلى تقويض المبدأ الأساسي للمهنة، أي حماية الحياة والسعي إلى علاج المرض واستعادة صحة المريض، ويرى هؤلاء أن دور الطبيب ينبغي أن يبقى مرتبطا بالعلاج والرعاية، حتى عندما يصبح المرض غير قابل للشفاء.
لكن شابيرو وزملاءها يتبنون رؤية مختلفة، فهم لا يرون أن مساعدة مريض مصاب بمرض عضال على الموت تتناقض مع مبدأ “عدم الإضرار”، بل يرون أن استمرار معاناة شخص يقترب من نهاية حياته، رغم وجود وسيلة قانونية وطبية تسمح له باختيار توقيت موته، قد يكون هو نفسه شكلا من أشكال المعاناة التي يمكن تخفيفها، ومن هنا تصبح المساعدة على الموت امتدادا للرعاية التلطيفية وليست نقيضا لها.
اقرأ أيضا: سوريا.. انتحار مطلوب مرتبط بغياث دلا أثناء محاولة توقيفه | أخبار

ومع اقتراب تطبيق قانون نيويورك، واجه فريق” كيوتوس” أيضا سؤالا عمليا مهما يتعلق بحجم الطلب المتوقع، فالتجارب في ولايات أخرى تشير إلى أن عدد المرضى الذين يطلبون وصفات للموت بمساعدة طبية قد يكون محدودا في البداية، لكنه يرتفع مع مرور الوقت.
لذلك لم يكن واضحا لأعضاء الفريق هل المؤسسة ستصبح نشاطا طبيا مستداما أم تجربة محدودة تلبي احتياجات عدد صغير من المرضى، وحتى بعض أعضاء الفريق كانوا يتساءلون عما إذا كان ترك وظائفهم الحالية والتفرغ لهذا المشروع يمثل مخاطرة مهنية كبيرة.
وفي النهاية، لا يقدم المقال حكما نهائيا على تجربة “كيوتوس” بقدر ما يضع القارئ أمام أسئلة أخلاقية وطبية وإنسانية معقدة، إذ يمثل المشروع محاولة لإعادة تعريف مفهوم “الموت الجيد” في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا الطبية قادرة على إطالة حياة المرضى حتى في المراحل الأخيرة من الأمراض المستعصية.
وأشار المقال إلى أن السؤال لم يعد فقط كيف يمكن للأطباء إطالة حياة المريض؟ بل أصبح أيضا كيف يمكن مساعدته عندما لا يعود العلاج ممكنا، ويصبح تخفيف المعاناة هو الهدف الأساسي؟
ومن خلال قصة شابيرو وفريقها، يرسم المقال صورة لمجال طبي جديد لا يزال في بداياته، تتقاطع فيه الرعاية الصحية مع القانون والأخلاق والدين والمشاعر الإنسانية.
وبينما يرى مؤسسو “كيوتوس” أن منح المريض خيارا منظما وآمنا لإنهاء حياته يمكن أن يكون تعبيرا عن الرحمة واحترام الاستقلال الشخصي، يخشى آخرون أن يؤدي ذلك إلى تغيير الحدود الأساسية التي قامت عليها مهنة الطب.
وبين هذين الموقفين، تبرز حقيقة واحدة، وهي أن تقنين الموت بمساعدة طبية لا ينهي الجدل حول الموت، بل ينقله إلى داخل عيادات الأطباء وإلى قلب العلاقة بين الطبيب والمريض والأسرة.
اقرأ أيضا: الأرصاد: استمرار الأجواء الرطبة وتحذيرات من الشبورة الصباحية حتى الأربعاء