اختتم الرئيس الصيني شي جين بينج زيارة دولة إلى مصر استغرقت يومين، الثلاثاء الأول والأربعاء الثاني من سبتمبر 2026، تلبية لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهي الأولى لرئيس صيني إلى القاهرة منذ نحو عشر سنوات، إذ كانت آخرها في يناير 2016.
اقرأ أيضا: يوسف عبد العزيز يحصد فضية فردي الرجال بتنس الطاولة في دورة ألعاب البحر المتوسط
وتزامنت الزيارة مع الاحتفال بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، التي تأسست عام 1956 حين أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية. وجاءت عقب مشاركة الرئيس الصيني في قمة منظمة شنجهاي للتعاون في بيشكيك بقيرجيزستان.

وأسفرت الزيارة، وفق ما أعلنته رئاسة الجمهورية عن توقيع خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم شهدها الرئيسان، وأكثر من عشرين وثيقة تعاون على هامشها، وصدور بيان مشترك من 21 نقطة، إلى جانب الإعلان عن تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

مساء الثلاثاء.. مقالان في “الأهرام” واستقبال بأعلام البلدين
سبق وصول الضيف تبادلٌ لافت للرسائل عبر الصحافة، إذ نشر الرئيسان مقالين في صحف “الاخبار – الأهرام – الجمهورية”، كتب الرئيس السيسي مقالاً تضمن عنوانه “معاً من أجل مستقبل أكثر ازدهاراً للشعبين”، فيما حمل مقال الرئيس الصيني عنوان “إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة بعد 70 عاماً من التآزر والتضامن”.

وفي المساء، هبطت طائرة الرئيس الصيني وقرينته السيدة بينج لي يوان في مطار القاهرة الدولي، كان في الاستقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي وقرينته السيدة انتصار السيسي.
واتسمت المراسم بالحفاوة، إذ اصطف أطفال وشباب يحملون أعلام مصر والصين لتحية الضيف، وقدمت فرقة للفنون الشعبية عرضاً فنياً، واحتشد مواطنون مصريون وصينيون للترحيب.
وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية إن مراسم الاستقبال اتسمت بالحفاوة ترحيباً بضيف مصر الكبير.
كلمة الوصول.. “عدتُ بعد عشر سنوات فشعرت بالدفء”
ألقى الرئيس الصيني كلمة خطابية فور وصوله إلى مطار القاهرة الدولي، أعرب فيها عن سروره بالعودة إلى مصر بعد عشر سنوات على زيارته الأولى، مؤكداً أنه احتفظ من تلك الزيارة بذكريات جميلة، وأنه شعر بالدفء وهو يطأ مجدداً “هذه الأرض التي تحتضن حضارة عريقة”، متقدماً بتحيات خالصة نيابة عن حكومة الصين وشعبها إلى الحكومة المصرية والشعب المصري.

واستعاد في كلمته عمق الروابط بين البلدين، مشيراً إلى أن الصين ومصر، باعتبارهما صاحبَي حضارة عريقة، تربطهما صداقة تاريخية تمتد لآلاف السنين وتزداد متانتها مع مرور الوقت. وذكر بأن مصر كانت عام 1956 أول الدول العربية والإفريقية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، مؤكداً أن البلدين ظلا على مدى سبعين عاماً ملتزمين بالمساواة والثقة والمنفعة والاستفادة المتبادلة والتضامن والمؤازرة والكسب المشترك، مهما كانت التغيرات في الأوضاع الإقليمية والدولية.
وتناول تطور العلاقات في السنوات الأخيرة، مشيراً إلى عمله مع الرئيس السيسي على قيادة الشراكة الاستراتيجية الشاملة لتحقيق طفرة من التطور، موضحاً أن الثقة المتبادلة تترسخ سياسياً، وأن التعاون أحرز نتائج مثمرة، وأن التنسيق في المحافل المتعددة الأطراف بات مكثفاً وقوياً، لتغدو العلاقات الثنائية نموذجاً يُحتذى به للتعامل الودي والتضامن بين الدول النامية.
وبشأن برنامج الزيارة، أكد أنه سيتبادل وجهات النظر مع الرئيس السيسي على نحو معمق حول العلاقات الثنائية والتعاون الكامل الأبعاد والقضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، بهدف رسم خطوط عريضة لتطور الشراكة. واختتم بالإعراب عن يقينه بأن الزيارة ستحقق نتائج مثمرة في ظل الجهود المشتركة، بما “يسجل صفحة جديدة من تاريخ الصداقة الصينية المصرية”.
وفي الليلة ذاتها، وجهت السيدة انتصار السيسي رسالة ترحيب عبر صفحتها الرسمية جاء فيها: “من أرض النيل، نرحب بكل محبة بفخامة الرئيس شي جين بينج والسيدة الأولى بينج لي يوان، أهلاً وسهلاً بكم في مصر”.
صباح الأربعاء.. 21 طلقة مدفعية في الاتحادية
في صباح اليوم الأربعاء، وصل موكب الرئيس الصيني إلى قصر الاتحادية الرئاسي تمهيداً لعقد مباحثات القمة.
وبحسب السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، تضمنت مراسم الاستقبال الرسمية اصطفاف الخيول، وإطلاق إحدى وعشرين طلقة مدفعية، وأداء حرس الشرف للتحية، وعزف السلامين الوطنيين لجمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية، ثم التُقطت صورة تذكارية جمعت الرئيسين وقرينتيهما.

المباحثات.. مرحلة ثالثة في منطقة القناة
عُقدت جلسة مباحثات مغلقة بين الرئيسين، تلتها جلسة موسعة بحضور وفدي البلدين.
وألقى الرئيس السيسي كلمة في مستهلها وصف فيها الزيارة بأنها “تاريخية تتزامن مع احتفال البلدين بمرور سبعين عاماً على تدشين العلاقات الدبلوماسية”، مشيداً بما حققته العلاقات من “طفرة ملموسة”، ومؤكداً أولوية توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا.
وأعلن خلال الكلمة الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يطلق مرحلة جديدة من الأعمال في قطاعات الطاقة المتجددة وصناعة السيارات والنسيج والألياف الكيماوية. كما شدد على أهمية خفض حالة التصعيد في المنطقة وتغليب الحلول الدبلوماسية.

في المقابل، أعرب الرئيس الصيني عن شكره لحفاوة الاستقبال، مؤكداً التزام بلاده بتنفيذ مقررات الشراكة الاستراتيجية المعلنة عام 2014، وحرصها على مواصلة تشجيع الشركات الصينية على زيادة استثماراتها في مصر، مع استمرار نقل الخبرات في البنية التحتية والطاقة والتصنيع والزراعة.
التوقيعات والبيان المشترك.. 21 نقطة تختصر المرحلة المقبلة
عقب المباحثات، شهد الرئيسان مراسم توقيع خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم، أعقبتها مأدبة غداء أقامها الرئيس السيسي وقرينته بقصر الاتحادية تكريماً للضيف وقرينته والوفد المرافق.
ثم صدر البيان المشترك من 21 نقطة حول مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وشمل العمل نحو “بناء المجتمع المصري الصيني للمستقبل المشترك”، وتثمين بكين لمبدأ “الاتزان الاستراتيجي” المصري.
\
وفي الملف المائي، أكد الجانب الصيني إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي، ودعا الجانبان دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي وعدم التسبب في ضرر. وفي المقابل، جدد الجانب المصري التزامه بمبدأ الصين الواحدة وأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية.
اقتصادياً، تضمن البيان مواءمة رؤية مصر 2030 مع مبادرة الحزام والطريق لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، مع التعاون في توطين صناعة السيارات الكهربائية وبناء السفن وتحلية مياه البحر والحوسبة السحابية ومراكز البيانات وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء.
اقرأ أيضا: فرنانديز: لم أتردد في الانتقال إلى مانشستر سيتي
كما أشاد بإصدار سندات “الباندا”، ورحب بتجديد اتفاقية تبادل العملات وزيادة قيمتها وتوسيع استخدام العملات المحلية.

أما إقليمياً ودولياً، فأكد البيان أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في الشرق الأوسط، مع دعم حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض التهجير، وتثبيت وقف إطلاق النار في غزة، ودعم الأونروا.
وشدد على أن أمن البحر الأحمر مسؤولية رئيسية للدول المشاطئة مع ضمان حرية الملاحة، وعلى احترام وحدة السودان وسيادته والعمل على وقف الحرب فيه. كما تناول إصلاح النظام الدولي ومؤسسات التمويل، وتعزيز التنسيق في الأمم المتحدة وبريكس ومنظمة شنغهاي ومجموعة العشرين، ودعم مصر للرئاسة الصينية لتجمع بريكس عام 2027.
وتضمنت النقطة الأخيرة توجيه الرئيس الصيني الدعوة إلى الرئيس السيسي لزيارة الصين، وقبوله إياها.
ويُذكر أن الجانبين اتفقا كذلك على تسريع التشاور بشأن اتفاقية تسليم المطلوبين في إطار مكافحة الإرهاب، مع رفض ازدواجية المعايير.
الختام.. توت عنخ آمون في وداع الضيف
اختُتمت الزيارة بجولة جمعت الرئيسين وقرينتيهما في المتحف المصري الكبير، وهي أول زيارة من نوعها لرئيس أجنبي منذ افتتاح المتحف.

وبحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، بدأت الجولة بعرض تفصيلي للمتحف ومقتنياته تخلله شرح إرشادي باللغتين العربية والصينية، ثم تفقد الضيوف منطقة الدرج العظيم واستمعوا إلى شرح عن القطع الممتدة على طوله، والتقطوا صوراً تذكارية في منطقة بانوراما الأهرامات.

واختُتمت الجولة في قاعة كنوز الملك توت عنخ آمون، حيث استمع الرئيسان وقرينتاهما إلى شرح عن أبرز المقتنيات وفي مقدمتها القناع الذهبي وكرسي العرش.

وأعرب الرئيس شي جين بينج عن إعجابه الكبير بالحضارة المصرية، مشيداً بالمتحف المصري الكبير بوصفه “صرحاً ثقافياً عالمياً يليق بعظمة الحضارة المصرية”.

وفي ما يخص السيدتين الأوليين، اقتصر دورهما الموثق في هذه الزيارة على الاستقبال المشترك بالمطار، وجولة المتحف، ورسالتي ترحيب نشرتهما السيدة انتصار السيسي، ثانيتهما يوم الأربعاء وجاء فيها إنها سعدت باستقبال ضيفة مصر العزيزة في لقاء ودي يجسد عمق العلاقات التاريخية بين البلدين.

اقرأ أيضا: «الجبهة الوطنية» يجري تغييرات تنظيمية موسعة.. قيادات جديدة بالأمانات والمحافظات