نشرت وزارة الأوقاف، نص خطبة الجمعة المقبلة ٢٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ، ٤ سبتمبر ٢٠٢٦م، والمقالاتِ التابعةَ لها عبر منصتها الرقمية بعنوان «سيدُنَا محمّدٌ صلى الله عليه وسلم الأسوةُ الحسنة».
اقرأ أيضا: نبيل فهمى يرحب بمبادرة للحوار السودانى ويؤكد: الحلول لا يمكن فرضها من الخارج
واشارت الأوقاف إلى أن الهدف المراد توصيله من نص خطبة الجمعة إلى هو بيان أن الاقتداء بالنبي ﷺ منهجُ حياةٍ يتخذ من هَدْيه الشريف في العبادةِ والأخلاقِ والمعاملات الأسرية والمجتمعية نموذجًا يحتذى.
نص خطبة الجمعة المقبلة
الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ العظيمِ الأعظمِ، الخالقِ المدبِّرِ المنعمِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ شهادةَ موقنٍ مسلمٍ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أشرقتْ بمولدِهِ الشريفِ العوالمُ، وظهرتْ من فيضِ خُلقِهِ المكارمُ، عطِّرِ اللهمَّ مقامَهُ الشريفَ بعرفٍ شذيٍّ من صلاةٍ وتسليمٍ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وزِدْ وباركْ عليهِ، وبعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١- اعلمْ أنَّ التأسيَ بالنبيِّ ﷺ ترياقُ الحياةِ، وسرُّ السعادةِ؛ فقد كانَ ﷺ الأسوةَ الحسنةَ والقدوةَ الصالحةَ، اجتمعتْ فيهِ الأخلاقُ الفاضلةُ، والصفاتُ المحمودةُ، سيرتُهُ عطرةٌ، وشمائلُهُ فريدةٌ، محروسٌ بالعنايةِ، محفوفٌ بالرعايةِ، نطقُهُ ذكرٌ، وصمتُهُ فكرٌ، وكفلقِ الصبحِ رؤياهُ، تشرفُ الآذانُ باسمِهِ، وتتعطَّرُ الأفواهُ بذكرِهِ، وتهفو القلوبُ لرؤياهُ، تصديقُهُ السلامُ، واتباعُهُ إيمانٌ، وسنتُهُ حبلُ النجاةِ، فهو القدوةُ في العبادةِ والأخلاقِ، والأسرةِ والمعاملاتِ، والقيادةِ ومواجهةِ الأزماتِ، تستنيرُ بأخلاقه قلوبُ العارفينَ، وتزكوا بأنفاسِه أرواحُ المشتاقينَ، فسِرْ على الخُطى النبويةِ وتتبع الأحوالَ المصطفويةَ، فحضرتُهُ هو الإنسانُ الكاملُ الذي صدقَ فيهِ الوصفُ الإلهيُّ: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا﴾.
٢- تذوَّقْ جمالَ عبادتِهِ وتأمَّلْ صلتَهُ ﷺ بربِّهِ عز وجل، فقد كانَ أكملَ الناسِ عبوديةً وأشدَّهم خشوعًا، ففاضتْ من الذكرِ دمعُ عينيهِ، وفاحَ عطرُ التسبيحِ من شفتيهِ، وكانَ يقومُ من الليلِ حتى تتورَّمَ قدماهُ، وكانَ لا ينامُ قلبُهُ وإنْ نامتْ عيناهُ، فارتقى في أعلى مراتبِ القربِ، وفراديسِ الأنسِ، ومع ذلكَ مزجَ بين العبادةِ والعمارةِ، والروحِ والجسدِ، وبين حقِّ اللهِ وحقِّ العبادِ، فعلَّمَ أمَّتَهُ مقرًّا لكلامِ سيدِنا سلمانَ الفارسيَّ رضيَ اللهُ عنهُ: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»، وردَّ على من رغبَ عن سنَّتِهِ بقولهِ: «لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»، فعِشْ بلسانٍ ذاكرٍ، وقلبٍ شاكرٍ، جامعًا بين حقِّ الخلقِ وحقِّ الخالقِ، ثم قفْ بين يدي مولاكَ، طالبًا هذا الحالَ الشريفَ، والمقامَ المنيفَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
٣- تأمَّلْ في سموِّ الأخلاقِ المحمديةِ وجمالِ الطباعِ النبويةِ؛ فقد كانَ قرآنًا يمشي، ونورًا يسري، يلقى الناسَ بالبشاشةِ والتبسُّمِ، ويمنحُ كلَّ إنسانٍ من عنايتِهِ ما يشعرُهُ بمكانتِهِ، لا يحجبُ أحدًا، ولا يقطعُ حديثَ محدِّثِهِ، وكانَ رفيقًا بالضعفاءِ والمحتاجينَ، يجبرُ خواطرَهم ولا يجرحُ مشاعرَهم، يعالجُ الخطأَ بحكمةٍ ورحمةٍ ورفقٍ ولينٍ من غيرِ تعنيفٍ ولا توبيخٍ، كما في تعليمِهِ للرجلِ الذي تكلَّمَ في الصلاةِ ، وشعارُهُ الدائمُ لأمَّتِهِ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا»، فهو صاحبُ الأخلاقِ العاليةِ، والفضائلِ الكاملةِ، فكانَ نعمَ الزوجُ الحاني والأبُ الرحيمُ، يشاركُ أهلَهُ في مهنةِ منازلِهم، ويلاطفُ الصغارَ ويحملُهم، ويراعي مشاعرَ زوجاتِهِ ويستمعُ إليهنَّ، مؤسِّسًا بيتًا قوامُهُ السكنُ والمودَّةُ والرحمةُ، ومعلنًا المعيارَ النبويَّ للخيريةِ بقولِهِ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، فكانَ بيتُهُ واحةَ استقرارٍ وسكينةٍ، ومدرسةً عمليةً تُحتذى في حسنِ العشرةِ، وصيانةِ الكرامةِ الأسريةِ، فلانتْ لهُ القلوبُ، واستنارتْ بهِ الأرواحُ، وتجسَّدَ فيهِ قولُ ربِّهِ سبحانهُ: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ﴾.
٤- انظرْ بعينِ البصيرةِ كيف كانتْ قيادتُهُ الحكيمةُ، وإدارتُهُ القويمةُ؛ فكانَ يديرُ الأزماتِ، ويواجهُ الصعابَ، ويؤلِّفُ القلوبَ، ويبرزُ المواهبَ، حاله: الساجدُ قبلَ المساجدِ، والإنسانُ قبلَ البنيانِ، يقيمُ العدلَ المطلقَ، ويشاورُ أصحابَهُ في أشدِّ المواقفِ، ويشاركُهم مشاقَّ الحياةِ كحفرِ الخندقِ وحملِ الترابِ، وحينَ اشتدَّتْ بهِ المحنُ في الهجرةِ والطائفِ والحديبيةِ، جمعَ بين الأخذِ بالأسبابِ والتوكُّلِ على مسبِّبِ الأسبابِ، ضاربًا أروعَ الأمثلةِ في الثباتِ والتفاؤلِ وبُعدِ النظرِ، اهتداءً بقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾.
الخطبة الثانية
اقرأ أيضا: استهداف مركز لوجستي قرب كييف لتخزين مكونات الطائرات المسيّرة
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على خاتمِ الأنبياءِ والمرسلينَ، سيدِنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، وبعدُ:
٥- فيا أيها الكريم ماذا بعدَ أنْ رأيتَ في الجناب النبوي كمالَ العبادةِ، وسموَّ الأخلاقِ؟، ألا فاعلمْ أنَّ الاقتداءَ بهِ ليسَ صفحةً من السيرةِ نقرؤها، ولا مشاعرَ نُردِّدُها، وإنما هو عهدٌ بينَ العبدِ وربِّهِ أنْ يجعلَ من هديِ سيدنا ﷺ ميزانًا لحياتِهِ، ومن سنَّتِهِ سبيلًا لإصلاحِ نفسِهِ وبيتِهِ ومجتمعِهِ؛ فالسيرةُ النبويةُ ليستْ تاريخًا يُروى، بل حياةٌ تُعاشُ، وليستْ مواقفَ تُعجبُنا، بل قيمٌ تُترجمُ إلى واقعٍ وسلوكٍ ومواقفَ، فمَن أرادَ أنْ يَصدُقَ في محبةِ رسولِ اللهِ ﷺ فليجعلْ من صدقِهِ صدقًا، ومن أمانتِهِ أمانةً، ومن رحمتهِ رحمةً، ومن عفوِهِ عفوًا، ومن عدلِهِ عدلًا، وليحملْ هديَهُ إلى مواقعِ الحياةِ كلِّها؛ في بيتِهِ، وعملِهِ، ومعاملاتِهِ، وعلاقاتهِ، وخدمتِهِ للناسِ، وحينَ يتحولُ الاقتداءُ إلى خُلُقٍ راسخٍ، وأمانةٍ تؤدَّى، وعملٍ يُتقنُ، وحقٍّ يُصانُ، ورحمةٍ تُبذلُ، وإصلاحٍ يُسعى إليهِ، عندها تُثمرُ المحبةُ ثمرتَها الحقيقيةَ، ويصبحُ المسلمُ صورةً مشرقةً من هديِ سيدنا رسول الله ﷺ، شاهدًا بأخلاقِهِ قبلَ كلامِهِ على عظمةِ هذا الدينِ وجمالِ رسالتِهِ؛ قالَ تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾.
٦- يا صاحبَ الوصلِ بالجنابِ المكرَّمِ: اجعلِ الاقتداءَ بالنبيِّ المعظَّمِ ﷺ ديدنَ حياتِكَ، وتخلَّقْ بأخلاقِهِ في كلِّ مواقفِكَ، كنْ أرحمَ الناسِ بالضعفاءِ، وأحسنَهم عشرةً للأهلِ والأولادِ، وأعدلَهم في المعاملاتِ، وأصدقَهم في الأقوالِ والأفعالِ، وواجهْ أزماتِكَ ومحنَكَ بالثباتِ واليقينِ والأخذِ بالأسبابِ، واجعلْ من أخلاقِهِ ﷺ منارةً تضيءُ طريقَكَ، رحيمًا بمن حولِكَ، ناشرًا للسلامِ والوئامِ والخيرِ والجمالِ، حافظًا للعهودِ والأماناتِ، مبتعدًا عن الظلمِ والتنمرِ والسخريةِ وإيذاءِ الآخرينَ، حتى تنالَ درجةَ الحبِّ، وجمالَ القربِ، كما أخبرَ ﷺ عن أحبِّ الناسِ إليهِ وأقربِهم منهُ مجلسًا يومَ القيامةِ بقولِهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا».
اقرأ أيضا: هنا جودة تحصد ذهبية فردي السيدات بدورة ألعاب البحر المتوسط