يبدو أن العالم الذى عرفناه تغرب شمسه.. وهذا هو الانطباع الذى راودنى وأنا أتابع آخر عرض عسكرى للصين فى العام الماضى، وكان رسالة مدوية: الصين تخطت دور «مصنع العالم»، وتسعى إلى الجلوس على «مقعد قيادة العالم».
الصين تستعرض قوتها بنظم تسليح خارقة، أشبه بتلك التى نراها فى أفلام الخيال العلمى فى السينما الأمريكية، أسلحة فرط صوتية، غواصات مسيّرة، أنظمة ليزر، طائرات شبحية، وذكاء اصطناعى يُحسن الأسلحة وجينات المقاتلين.
استعراض لقدرات تقول إن القوة الصينية لم تعد اقتصادية فقط، وإن الدولة التى أغرقت الأسواق العالمية بمنتجاتها، تريد الآن أن تثبت قدرتها على حماية مصالحها وفرض حضورها.
وأوشك على نهايته، ذلك الزمن الذى كان فيه القرار الدولى يصدر من عاصمة واحدة، صحيح أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العظمى والأقوى عسكريًا واقتصاديًا، لكن صعود الصين بهذه السرعة، وتمدد علاقاتها، وتقليل الاعتماد على الدولار، كلها تجعل فكرة العالم أحادى القطب، أقل جاذبية.
والصين لا تنتظر عام ٢٠٥٠ لتعلن نفسها قوة كبرى، إنها تمهد الطريق من الآن، الذكاء الاصطناعى، والرقائق الإلكترونية، والطاقة النظيفة، والفضاء، والتكنولوجيا الحيوية، والصناعات العسكرية المتقدمة، وكلها ليست مشروعات منفصلة، وإنما أجزاء من مشروع واحد، هو امتلاك مفاتيح المستقبل.
والمعركة المقبلة لن تكون فقط بين حاملة طائرات وحاملة طائرات، أو صاروخ وصاروخ، وإنما أيضًا على عقل الإنسان وجسده وعمره، وقد دار حديث، أثناء العرض، بين الرئيس الصينى وضيفه الرئيس الروسى، عن إمكانية وصول عمر الإنسان إلى ١٥٠ عامًا، وهنا يظهر وجه آخر للصراع القادم، هو علوم الحياة، والهندسة الوراثية، والذكاء الاصطناعى.
ومن يملك المعرفة يملك الاقتصاد، ومن يملك التكنولوجيا يملك التأثير، ومن يجمع التكنولوجيا والاقتصاد والقوة العسكرية، سيمتلك قدرة هائلة على رسم قواعد اللعبة.
والأمر لن يكون بسهولة السكين فى تورتة العالم، فبكين تواجه شيخوخة سكانية متسارعة، وتحديات اقتصادية، وتنافسًا أمريكيًا شرسًا، وتحويل القوة الاقتصادية إلى نفوذ سياسى وعسكرى عالمى، ليس مهمة سهلة.
والسؤال إذن ليس: هل تحب الصين أم أمريكا؟، لأننا نحب مصر أولا، فكيف نحمى مصالحنا فى عالم تتصارع فيه القوى الكبرى؟
والإجابة أن مصر لا تستبدل معسكرًا بمعسكر، وإنما تفتح ذراعيها للجميع، وتتخذ من السياسات ما يحقق مصالحها ويحفظ أمنها القومى، وتبنى اقتصادًا وتكنولوجيا وصناعة، وقدرة تفاوضية تجعل الآخرين، هم من يبحثون عن شراكتها، ومصر تمتلك أوراقًا استراتيجية هائلة، بفضل قناة السويس وموقعها بين الشرق والغرب.
الصين تقول: «أنا هنا»، وأمريكا تقول: «لن أترك الساحة»، وروسيا تبحث عن موقعها، وقوى أخرى تنتظر فرصتها.
ونحن ليس لدينا ترف الوقت، فالعالم الجديد لن يسألنا أين كنا عندما كانت قواعد اللعبة تتغير؟.. إما أن نكون لاعبين، أو نتحول إلى رقعة شطرنج، يتحرك فوقها الآخرون.
اقرأ أيضا: تواجد صلاح.. تشكيل طرابزون المتوقع أمام أميد بالدوري التركي