أسرار مخبأة تحت الأرض.. كيف تعيد آبار البوباسطيون قراءة طقوس الدفن؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لا تتوقف أهمية الاكتشافات الأثرية في مصر عند حدود العثور على مقبرة أو مجموعة من اللقى الأثرية، وإنما تبدأ القيمة الحقيقية عندما تتحول هذه العناصر إلى وثيقة تاريخية متكاملة تساعد الباحثين على إعادة قراءة حياة المصري القديم ومعتقداته وطقوسه الجنائزية وطبيعة المجتمع الذي عاش فيه.

اقرأ أيضا: ثورة الملاكمين.. الانتفاضة التي صنعت الصين | سياسة

ومن هذا المنظور، تكتسب نتائج الموسم الأول من أعمال البعثة الأثرية المصرية العاملة في القطاع (A غرب البوباسطيون) بجبانة البوباسطيون بمنطقة آثار سقارة أهمية خاصة، بعد الكشف عن مقبرة تعود إلى عصر الدولة القديمة لصاحبها «سخنتيو-بتاح»، إلى جانب منظومة مترابطة من آبار الدفن، ضمت عددًا من الدفنات واللقى الأثرية.

ولا يمثل الكشف مجرد إضافة جديدة إلى خريطة جبانة سقارة، وإنما يفتح بابًا لدراسة طبيعة الاستخدام الجنائزي للموقع، وكيفية تخطيط المقابر، وما ارتبط بها من طقوس ومعتقدات تصور المصري القديم للحياة بعد الموت.

 

– لماذا تمثل آبار الدفن أهمية أثرية؟

 

يوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن آبار الدفن في عصر الدولة القديمة كانت من العناصر المعمارية الأساسية في تخطيط المقابر الجنائزية.

وكان البئر غالبًا يرتبط بالمقصورة الجنائزية للمقبرة، ويُنفذ بدقة هندسية، وقد يوجد خلف الباب الوهمي أو أسفله، بينما تتفاوت أعماقه وفقًا لطبيعة الموقع ومكانة صاحب المقبرة.

وفي بعض الحالات، وصلت آبار الدفن إلى أعماق كبيرة للغاية قد تقترب من 40 مترًا تحت سطح الأرض.

وكان الجزء العلوي من البئر يُبنى بالأحجار حتى الوصول إلى طبقة الصخر الصلب، ثم يبدأ النحاتون في اختراق الصخر رأسيًا للوصول إلى العمق المطلوب، قبل إنشاء حجرة الدفن في نهاية البئر.

وتكشف هذه الطريقة عن مستوى متقدم من المعرفة الهندسية لدى المصري القديم، خاصة في التعامل مع طبيعة الطبقات الجيولوجية للموقع واختيار المكان المناسب لحجرة الدفن.

 

– حجرة الدفن.. المحطة الأخيرة في رحلة المتوفى

 

في نهاية البئر كانت تُنحت حجرة الدفن الجانبية، وتختلف مساحتها تبعًا لإمكانات صاحب المقبرة ورغبته في تصميم مقبرته.

وقد تصل بعض حجرات الدفن إلى مساحات كبيرة، من بينها نماذج تصل إلى نحو 7 × 6 أمتار.

وكانت الحجرة تمثل المركز الأساسي للطقوس المرتبطة بالدفن، إذ يوضع المتوفى مباشرة على أرضية الحجرة أو داخل تابوت، قد يصنع من الحجر الجيري أو الجرانيت.

وحول المتوفى توضع الأدوات والأثاث الجنائزي والمتعلقات الشخصية، انطلاقًا من الاعتقاد بأن الإنسان سيحتاج إليها في العالم الآخر.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات الحضارة المصرية القديمة؛ وهي أن المقبرة لم تكن مجرد مكان لدفن الجسد، وإنما كانت جزءًا من منظومة عقائدية متكاملة هدفها ضمان استمرار حياة المتوفى بعد الموت.

 

– الباب الوهمي.. بوابة بين عالمين

 

ومن أهم العناصر التي ارتبطت بالعمارة الجنائزية المصرية القديمة الباب الوهمي أو الباب الزائف، وهو عنصر يحمل دلالات دينية وعقائدية عميقة.

ويُنظر إلى الباب الوهمي باعتباره بوابة رمزية تفصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات، ووسيلة رمزية تسمح للروح بالانتقال بين العالمين.

ويرتبط الباب بمفهوم «الكا»، الذي يمثل القرين أو القوة الحيوية للإنسان، إذ اعتقد المصري القديم أن هذه القوة تستطيع من خلال الباب الوهمي التواصل مع عالم الأحياء والاستفادة من القرابين المقدمة للمتوفى.

وغالبًا ما كان الباب الوهمي يُنحت على الجدار الغربي للمقصورة الجنائزية، باعتبار الغرب مرتبطًا بعالم الموتى وغروب الشمس.

وكان الباب يُصنع من الحجر الجيري أو الجرانيت، وقد يُنفذ أحيانًا من الخشب، ويضم مجموعة من الإطارات والعناصر المعمارية والنقوش التي تصور صاحب المقبرة أمام مائدة القرابين، إلى جانب اسمه وألقابه والنصوص الدينية.

وأمام الباب الوهمي كانت توضع مائدة القرابين، التي تُقدم عليها الأطعمة والمشروبات للمتوفى، وتقوم العقيدة المصرية القديمة على أن الطقوس والتعاويذ المرتبطة بالقرابين تمنحها فاعلية رمزية تجعلها متاحة للمتوفى في العالم الآخر.

 

– أكثر من 100 أوشابتي.. ماذا تقول التماثيل المجيبة؟

 

ومن بين العناصر التي أشار إليها الكشف العثور على أكثر من مائة تمثال أوشابتي من الفيانس.

والأوشابتي من أهم عناصر الأثاث الجنائزي في مصر القديمة، وترتبط تسميتها بالفعل المصري القديم الذي يعني «يجيب»، ولذلك تُعرف بأنها التماثيل المجيبة.

وكانت هذه التماثيل تُصنع على هيئة تشبه هيئة المتوفى، وتظهر في صورة مومياء، وصُنعت عبر العصور من خامات مختلفة، من بينها الحجر والفيانس والخشب والبرونز.

وكان الاعتقاد أن هذه التماثيل يمكن أن تقوم بالأعمال التي قد تُطلب من المتوفى في العالم الآخر، مثل الأعمال الزراعية وحرث الأرض وسقيها ونقل الرمال وغيرها من المهام.

وكانت بعض التماثيل تحمل نصوصًا دينية، ومنها نصوص مرتبطة بـكتاب الموتى، وتكشف كثرة الأوشابتي في بعض المقابر عن أهمية هذه المعتقدات في التصور المصري القديم للحياة الأبدية.

وتشير التقاليد الجنائزية في بعض الفترات إلى وجود منظومة مكتملة من 403 أوشابتي؛ بواقع 365 تمثالًا يمثلون أيام السنة، و36 رئيسًا، إضافة إلى كاتب، بما يعكس تصورًا رمزيًا لجعل المتوفى يمتلك قوة عاملة تخدمه في العالم الآخر.

 

اقرأ أيضا: تدفق مساعدات إنسانية إلى غزة عبر «كرم أبو سالم» وسط عراقيل إسرائيلية

– البوباسطيون.. موقع يختزن طبقات من التاريخ

 

وتزداد أهمية الكشف بسبب موقعه داخل جبانة البوباسطيون بسقارة، وهي منطقة ارتبطت بالدفن والعبادات والممارسات الجنائزية على مدار فترات مختلفة من التاريخ المصري.

ومن ثم فإن الكشف عن مقبرة من عصر الدولة القديمة إلى جانب منظومة من آبار الدفن والدفنات واللقى الأثرية يقدم فرصة للباحثين لدراسة استمرارية استخدام المكان وتغير وظائفه الجنائزية عبر العصور.

كما أن ترابط العناصر المكتشفة يسمح بقراءة الموقع بصورة أكثر شمولًا، بدلًا من التعامل مع كل مقبرة أو بئر أو قطعة أثرية باعتبارها اكتشافًا منفصلًا.

 

– الكشف يطرح أسئلة جديدة

 

ومن الناحية العلمية، فإن أهمية الموسم الأول لا تتوقف عند العناصر التي تم العثور عليها، وإنما تمتد إلى الأسئلة التي يطرحها الكشف أمام الباحثين.

فدراسة تخطيط المقبرة وعلاقتها بآبار الدفن يمكن أن تساعد في فهم التنظيم المعماري للجبانة، بينما توفر اللقى الجنائزية معلومات عن معتقدات أصحاب المقابر ومكانتهم الاجتماعية.

كما يمكن أن تكشف دراسة النقوش والأسماء والألقاب، حال وجودها، عن هوية صاحب المقبرة ووظيفته وصلته بالمؤسسات الدينية أو الإدارية في عصر الدولة القديمة.

ومن هنا تأتي أهمية استمرار أعمال الحفائر والتوثيق والترميم والدراسة العلمية للقطع المكتشفة، لأن كل عنصر داخل الموقع يمكن أن يمثل جزءًا من «النص التاريخي» الكبير الذي يكتبه علماء الآثار من خلال الأدلة المادية.

 

– لوحة شرف.. جنود خلف كشف «سخنتيو-بتاح»

 

وراء كل كشف أثري كبير فريق من المتخصصين الذين يعملون في ظروف بالغة الصعوبة، من أعمال الحفر والتوثيق والتسجيل، إلى الترميم والفحص والدراسة.

ومن الجدير بالذكر أن الدكتور عمرو الطيبي، مدير عام منطقة آثار سقارة، أعلن لوحة شرف لأعضاء البعثة الأثرية صاحبة هذا الكشف، تقديرًا لجهود الفريق الذي شارك في أعمال الموسم الأول، أعضاء البعثة الأثرية
د. مايسة قاسم، تامر رجب، رحاب محمود، ناريمان حامد، رشا نصر، وإدارة الترميم د. أشرف عويس، حسن عبدالله، محمد بيومي، إسماعيل عبدالله، ورؤساء عمال الحفائر الريس أحمد مسعود، والريس تامر الأمير. 

لذلك يكشف «سخنتيو-بتاح» مرة أخرى أن سقارة ليست مجرد جبانة أثرية، وإنما أرشيف مفتوح للحضارة المصرية؛ فكل بئر وكل حجرة دفن وكل نقش وتمثال يمكن أن يحمل معلومة جديدة عن الإنسان المصري القديم.

ومع استمرار أعمال الحفائر والدراسة العلمية، قد لا يكون ما ظهر في الموسم الأول سوى بداية لفهم أوسع لتاريخ القطاع الغربي من البوباسطيون، وما تخفيه طبقاته من أسرار عن العمارة الجنائزية والعقيدة والحياة الاجتماعية في مصر القديمة، ففي سقارة، لا تنتهي الحكاية عند اكتشاف المقبرة، بل تبدأ من لحظة العثور عليها.

اقرأ أيضا: نووي أمريكي على حدود روسيا.. لماذا ترفض بولندا استضافة أسلحة الناتو؟ | أخبار

‫0 تعليق

اترك تعليقاً