يأتى كتاب الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن عِدينى يا أمريكا، المقرر صدوره فى 17 نوفمبر المقبل أقرب إلى مرافعة أخيرة أمام التاريخ منه إلى مذكرات رئاسية تقليدية، فبعد أربع سنوات مضطربة فى البيت الأبيض، وفصل أخير أكثر اضطرابًا فى مسيرته السياسية، يعود بايدن إلى قصته ليشرح كيف يرى إرثه الرئاسى، وما الذى أنجزه، ولماذا اختار فى النهاية الانسحاب من السباق الرئاسى، رغم إصراره طويلًا على الترشح لولاية ثانية.
اقرأ أيضا: «الفجيرة العلمين».. تعيد رسم خريطة تجارة الطاقة
يصــدر الكتاب فى توقيت بالغ الأهمية بعــد انتخابات التجديد النصفى لعام 2026، وفى ظل مشهد سياسى لا تزال فيه رئاسة بايدن موضع نقاش ومراجعة، بينما تُقارن فترته بعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ومن ثم لا يقدم عِدينى يا أمريكا بايدن بوصفه الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة فحسب، وإنما باعتباره سياسيًا يحاول استعادة السيطرة على الرواية التاريخية المرتبطة بسنواته الأخيرة فى الحكم.
تبدأ القصة فى يناير 2021 مع أداء بايدن اليمين الدستورية بعد أسابيع قليلة من اقتحام مبنى الكابيتول فى السادس من يناير، ويحمل المشهد الذى يستحضره الكتاب دلالات قوية؛ رئيس يدخل البيت الأبيض فى وقت كانت فيه الساحات خالية من الجماهير بسبب جائحة كورونا، وأمة منهكة من أزمة صحية واقتصادية، ومنقسمة سياسيًا بصورة غير مسبوقة.
ويقدم بايدن تلك اللحظة باعتبارها نقطة انطلاق لمهمة واضحة، هى إعادة الثقة إلى الديمقراطية، وترميم المؤسسات، وإثبات قدرة الحكومة الأمريكية على تحقيق نتائج ملموسة للمواطنين، ومن هنا تتشكل إحدى الحجج الأساسية للكتاب؛ إذ يرى بايدن أن رئاسته أنجزت أكثر بكثير مما يوحى به تقييمها السياسى اللاحق.
ويركز الرئيس السابق على أجندته الداخلية الطموحة، من الاستثمارات الضخمة فى البنية التحتية، إلى إعادة إحياء التصنيع الأمريكى، وخفض تكاليف الرعاية الصحية، ومواجهة أزمة المناخ. كما يعيد التأكيد على فلسفته الاقتصادية القائمة على بناء اقتصاد امن الوسط إلى الخارج ومن القاعدة إلى الأعلى، باعتبارها بديلًا عن سياسات اقتصادية اعتمدت طويلًا على فكرة استفادة الجميع من ثراء القمة.
غير أن قوة هذا الجزء من الكتاب قد تكون أيضًا نقطة ضعفه؛ فالمذكرات الرئاسية بطبيعتها ليست مجرد سجل للأحداث، وإنما محاولة لإعادة تشكيل الذاكرة السياسية. وبايدن بصورة طبيعية يركز على الإنجازات والمخاطر والنوايا التى وقفت وراء قراراته. لكن القارئ الأمريكى سيضع هذه الرواية فى مواجهة الحقائق السياسية التى أحاطت برئاسته، وفى مقدمتها التضخم، وأزمة الحدود والهجرة، والاستقطاب الحزبى، والانتقادات التى طالت أداء إدارته.
أما السياسة الخارجية، فتمنح الكتاب بعدًا أكثر إثارة، فقد دخل بايدن البيت الأبيض بهدف إعادة بناء التحالفات الأمريكية بعد سنوات ترامب المضطربة، لكن الحرب الروسية الأوكرانية غيّرت أولويات الإدارة بصورة جذرية، وأصبحت العلاقة مع حلــف شـمال الأطلسـى االناتـوب وأمـن أوروبا ومستقبل النظام الدولى اختبارات حقيقية للقيادة الأمريكية.
ويقــدم بايــدن نفســه باعتبـاره أحـــد مهندسى إعادة بناء التحالف الغـربى، مؤكـــدًا أن واشـنطن لم تحافظ على تحالفاتها فحسب، وإنما عززتها أيضًا، ومـن المرجـح أن تكـون روايتـه للحـرب فى أوكرانيا من أهم فصول الكتاب، لأنه ينظر إلى دعم كييف باعتباره أكثر من مجرد دفاع عن دولة واحدة؛ فهو من وجهة نظره اختبار لمبدأ أساسى فى النظام الدولى، وهو هل يمكن لدولة أن تسمح باستخدام القوة لتغيير الحدود؟
لكن الحكم النهائى على استراتيجية بايدن تجاه أوكرانيا سيظل مفتوحًا أمام التاريخ، خصوصًا أن الحرب نفسها لم تُغلق فصولها بعد، وأن تداعياتها السياسية والاستراتيجية ستتجاوز على الأرجح سنوات وجود بايدن فى البيت الأبيض.
ومع ذلك فإن الجزء الأكثر إثارة فى اعِدينى يا أمريكاب قد لا يكون تلك الفصول المتعلقة بالبنية التحتية أو الناتو أو الاقتصاد، وإنما الفصل الأخير من رئاسة بايدن؛ أى قراره الترشح لولاية ثانية ثم انسحابه من السباق الرئاسى.
فذلك القرار لا يزال أحد أكثر الألغاز السياسية إثارة فى التاريخ الأمريكى الحديث، وبعد المناظرة الكارثيــة مــع ترامــب فى يونيــو 2024، انتقلـت المخـاوف المتعلقة بعـمــر بايــدن وقــدرته على الاستمرار فى الحكــم من هامـش النقـاش إلى مركـز الحملة الانتخابية، وتصـاعدت الضغـوط داخل الحزب الديمقراطى، قبل أن يعلن بايدن فى النهاية تنحيه عن السباق.
ويعد الكتاب بالكشف عن الحسابات االمؤلمة والمعقدةب التى قادت إلى ذلك القرار، وهو ما يجعل هذه الجزئية تحديدًا من أكثر أجزاء المذكرات انتظارًا وإثارة للجدل.
هنا يتحول الكتاب من مجرد مشروع لتوثيق الإرث إلى مواجهة سياسية مع الماضى، فبايدن سيضطر إلى الإجابة عن تناقض ظل يلاحقه منذ عام 2024: إذا كان يعتقد أنه قادر على تولى ولاية ثانية، فلماذا انتظر كل هذا الوقت قبل الانسحاب؟ وإذا كان الانسحاب هو القرار المسئول فى النهاية، فلماذا لم يصل إلى هذه القناعة إلا بعد تصاعد الضغوط عليه؟
ومن المرجح أن تصبح إجاباته عن هذه الأسئلة أكثر أجزاء المذكرات خضوعًا للتدقيق، ليس فقط من جانب خصومه السياسيين، وإنما أيضًا من جانب المؤرخين والناخبين الذين يحاولون فهم ما جرى فى الأشهر الأخيرة من رئاسته.
وتكشــف روايـــة بايــدن كــذلك عـن شــهادات أخرى ظهرت من شخصيات بارزة فى الحزب الديمقراطى ومحيطــه السياسـى، فقــد ظــهرت بالفعل روايات متنافسة حول الأشهر الأخيرة من رئاسته، مما يجعل مذكراته جزءًا من معركة أوسع حول سؤال أساسى: من كان يدرك حقيقة الوضع السياسى لبايدن؟ ومتى؟
حتى عنوان الكتاب يحمل دلالة مهمة، عِدينى يا أمريكا يحيل إلى مذكرات بايدن السابقة اعدنى يا أبىب التى تمحورت حول علاقته بابنه الراحل بو بايدن، أما هنا فإن الوعد الشخصى يتحول إلى وعد للأمة، وهذا التحول يعكس طموح الكتاب؛ فبايدن لا يريد فقط أن يروى حياته، وإنما يريد أن يطلب من الأمريكيين إعادة تقييم تلك الحياة وما قدمه خلالها فى خدمة الدولة.
اقرأ أيضا: «جوليوس نيريري».. القاهرة تبني مستقبل إفريقيا
وفى هذا المشروع قدر من التأثير العاطفى أيضًا، فعلى مدى أكثر من خمسة عقود ارتبطت شخصية بايدن السياسية بالمثابرة؛ من التغلب على المآسى الشخصية والهزائم الانتخابية والنكسات السياسية، وصولًا فى النهاية إلى البيت الأبيض.
لكن سنواته الأخيرة فرضت عليه اختبارًا مختلفًا تمامًا: هل يستطيع السياسى أن يدرك اللحظة التى يجب أن تتراجع فيها الطموحات الشخصية أمام المصلحة السياسية؟
ويبقى نجاح المذكرات فى النهاية مرتبطًا بمدى صراحة بايدن، فإذا اقتصر الكتاب على تقديم دفاع منمق عن إنجازاته فإنه يخاطر بأن يتحول إلى محاولة رئاسية أخرى لإدارة الإرث السياسى، أما إذا واجه بايدن أخطاءه وتناقضاته وشكوك المرحلة الأخيرة بقدر حقيقى من الصراحة فقد يصبح الكتاب وثيقة تاريخية مهمة، لا مجرد شهادة شخصية على سنوات قضاها فى البيت الأبيض.
وفى النهاية فإن الموضوع الحقيقى للكتاب لا يقتصر على رئاسة جو بايدن، وإنما يتجاوزها إلى صراع قائد سياسى مع اللحظة التى يدرك فيها أن قصته الشخصية تقترب من نهايتها، وكيف يريد أن يتذكره بلده بعد ذلك.
ولهذا، قد لا يكون عِدينى يا أمريكا مجرد مذكرات وداع، وإنما المرافعة الأخيرة لجو بايدن أمام التاريخ.
اقرأ أيضا: معركة بايدن مع السرطان المتقدم تعيد تسليط الضوء على سرطان البروستاتا
اقرأ أيضا: «اليوم العالمي للتراث المغمور بالمياه».. هدية مصر لـ«الدنيا»