الإسكندرية : د.أمنية حسنى كُريم
اقرأ أيضا: هل استعدت «مدارس الثانوي» لاستقبال طلاب «البكالوريا»؟
انطلقت النسخة الأولى من الاحتفال باليوم العالمى للتراث الثقافى المغمور بالمياه يوم السبت الماضى، وهى المناسبة التى جاءت ثمرة لمبادرة رسمية تقدمت بها مصر، واعتمدها المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو فى دورته الـ43 بمدينة سمرقند فى نوفمبر 2025، لتقدم مصر إضافة دولية جديدة للحفاظ على الآثار البحرية حول العالم.

رحلة المبادرة المصرية استغرقت نحو ثلاث سنوات، حيث كانت البداية فى عام 2023 داخل أروقة جامعة الإسكندرية فى أجواء أكاديمية مشجعة، إذ طرأ على ذهن ندى كامل الباحثة بمركز الآثار البحرية والتراث الثقافى الغارق بجامعة الإسكندرية سؤال طرحته على أستاذها ومشرفها العلمى الدكتور عماد خليل قائلة: هل يوجد يوم عالمى للتراث الثقافى المغمور بالمياه؟
وعندما أجابها بأنه لا يوجد يوم مخصص لهذا التراث، تساءلت: لماذا لا يكون له يوم عالمى، بينمــــا توجــــد أيــــام عالميـة عديدة ترتبط بالتراث والآثار والتاريخ والثقافة وغيرها؟
كان هذا السؤال هو الشرارة الأولى للمبادرة.. فقد لفت انتباه الدكتور عماد خليل أستاذ الآثار البحرية أستاذ كرسى اليونسكو للتراث الثقافى المغمور بالمياه بجامعة الإسكندرية، إلى غياب مناسبة عالمية تسلط الضوء على هذا النوع الفريد من التراث، رغم أهميته التاريخية والعلمية والثقافية، ورغم ما يتعرض له من أخطار متزايدة.
ومن هنا بدأ العمل على تحويل الفكرة إلى مقترح علمى متكامل يمكن تقديمه رسميًّا إلى منظمة اليونسكو.
كواليس المبادرة
وكشــــف الدكتــــور عمـــاد خليل لـ”آخرساعة” كواليس إطلاق المبادرة، حيث تقدم بمذكرة تفصيلية لليونسكو تناولت أهمية التراث الثقافى المغمور بالمياه، والقيمة العلمية والثقافية لهذا التخصص، والحاجة إلى رفع الوعى العالمى بأهمية حماية المواقع الأثرية الموجودة فى البحار والمحيطات والأنهار والبحيرات.
كما عرضت المذكرة الأهداف التى يمكن أن يحققها الاحتفال بيوم عالمى لهذا التراث، ومنها تشجيع البحث العلمى، ودعم التعليم والتدريب وبناء القدرات ونشر الوعى العام وتعزيز التعاون الدولى والترويج لمبادئ اتفاقية اليونسكو لعام 2001، وتشجيع المزيد من الدول على الانضمام إليها وتطبيق مبادئها.
وتضمن المقترح أيضًا تصورًا لأشكال الاحتفال بهذا اليوم، مثل تنظيم المؤتمرات والمحاضرات والمعارض والأنشطة التعليمية، وإنتاج الأفلام والمواد الرقمية، وإشراك الطلاب والغواصين والمجتمعات الساحلية، إلى جانب الاحتفاء سنويًا بأحد العلماء أو الرواد الذين قدموا إسهامات بارزة فى مجال الآثار البحرية والتراث الثقافى المغمور بالمياه.
وحول مسار المبادرة قال د. خليل إنه تم تقديم المقترح من خلال مركز الآثار البحرية والتراث الثقافى الغارق وكرسى اليونسكو للتراث الثقافى المغمور بالمياه بجامعة الإسكندرية، ثم رُفع إلى اللجنة الوطنية المصرية للتربية والعلوم والثقافة التى تعمل تحت مظلة وزارة التعليم العالى والبحث العلمى.
ومن اللجنة الوطنية انتقل المقترح إلى وزارة الخارجية، ثم إلى الإدارة المعنية بشئون اليونسكو والتراث العالمى، ومنها إلى وفد مصر الدائم لدى منظمة اليونسكو فى باريس، ليبدأ بعد ذلك مسار دبلوماسى وإجرائى امتد لنحو عامين.
وتطلب هذا المسار سلسلة من المراجعات والمشاورات والاجتماعات مع قطاعات منظمة اليونســــــكو والــــــدول الأعضاء، إلى جانب مناقشـــــة أهـــــداف اليـــــوم المقـــــــــترح وأهميتــــه والتـــــــــاريخ المناســــب للاحتفـــال بــــه، ومـــدى ارتباطه برسالة المنظمة واتفاقية عـــــام 2001 وأهـــــداف التنميــــــة المستدامة.
وبناءً عـــلى طلب مصر أُدرج المقترح فى جدول أعمال الدورة 220 للمجلس التنفيذى لليونسكو عام 2024. وبعد مناقشته وافق المجلس التنفيذى على المبادرة وأوصى بأن ينظر المؤتمر العام لليونسكو فى إعلان يوم 21 أغسطس من كل عام يومًا عالميًّا للتراث الثقافى المغمور بالمياه.
اقرأ أيضا: الجماعة تتحرك من وراء قناع «الإغاثة».. سموم الإخوان تتوغل في جسد ألمانيا
وفى نوفمبر 2025، وصلت المبادرة إلى محطتها النهائية، حين عُرضت على المؤتمر العام لليونسكو فى دورته 43 بمدينة سمرقند فى أوزبكستان. وهناك أُقر المقترح نهائيًّا، وأصبح الحادى والعشرون من أغسطس من كل عام يومًا عالميًّا للتراث الثقافى المغمـــــــــــــور بالميـــــــــــاه بفضل المبادرة المصرية.
وعــــــن ســــــــر اختيار اليوم كشف د. خليل أنه لم يكـــــن أمــــرًا مباشــرًا؛ فقـــد شـــهـــــــــدت الاجتمـــــــــاعات والمشــــــــــاورات داخــــــــــــــل اليونسكو مناقشات مطولة لاختيار تاريخ يحمل دلالة حقيقية ترتبط بروح التعاون الدولى فى هذا المجال، واستقر الاختيار على يوم 21 أغسطس، لأنه يوافق ذكرى انطلاق أول بعثة أثرية متعددة الأطراف للتراث الثقافى المغمور بالمياه تحت رعاية اليونسكو التى بدأت أعمالها 21 أغسطس 2022 فى منطقة سكيركى والقناة الصقلية، بين تونس وإيطاليا التى تعد أحد أهم طرق الملاحة التاريخية فى البحر المتوسط ومن أغنى المناطق بحطام السفن والآثار المغمورة بالمياه.. وكانت مشاركة مصر فى هذه البعثة أحد الأسباب التى منحت تاريخ 21 أغسطس دلالة خاصة بالنسبة إلى المبادرة المصرية، فهو يجمع بين التعاون الدولى والبحث العلمى، واستخدام التكنولوجيا المتقدمة، وتطبيق مبادئ اتفاقية اليونسكو.
وأكد خليل أن هذا اليوم يشجع دول العالم على تنظيم أنشطة سنوية للتعريف بالتراث المغمور بالمياه، وربطه بالتنمية المستدامة والسياحة المسئولة والاقتصاد الأزرق وحماية البيئة البحرية، كما يتيح الاحتفال فرصة لإبراز التراث البحرى المادى وغير المادى؛ فإلى جانب السفن والموانئ والمدن الغارقة، يشمل التراث البحرى تقاليد بناء القوارب، ومهارات الصيد والملاحة، وصناعة الشباك، والحرف والمصطلحات والأغانى والحكايات التى تشكل ذاكرة المجتمعات الساحلية وهويتها.
مشدداً على ارتباط مصر القوى بالتراث المغمور بالمياه، فهى تطل على البحرين المتوسط والأحمر، ويخترقها نهر النيل، وتشكلت حضارتها عبر تفاعل مستمر مع البحر والنهر. ولذا فإن حماية هذا التراث هى أيضًا حماية للهوية البحرية والنهرية المصرية، ولخبرات المجتمعات التى ارتبطت حياتها بالمياه على مدى آلاف السنين.
اقرأ أيضا: من القاهرة إلى مكة.. «عسيلة» توثق محطات درب الحج القديم
اقرأ أيضا: أسعار الخضروات والفاكهة والأسماك والدواجن في الأسواق اليوم السبت 29 أغسطس