عصر الذكاء الاصطناعي.. لماذا أصبحت الطاقة النووية ضرورة للاقتصاد الرقمي؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

قد يبدو الاقتصاد الرقمي وكأنه عالم بلا وزن؛ فإجراء معاملة مالية إلكترونية لا يستغرق سوى ثوانٍ، ويمكن إتمام طلب عبر منصة للتجارة الإلكترونية بضغطة زر، فيما تتيح التطبيقات السحابية للشركات مواصلة أعمالها دون أن تضطر إلى رؤية البنية التحتية التي تدعم هذه الخدمات.

اقرأ أيضا: الحرس الثوري: الاتفاق مع عُمان بشأن هرمز يشمل تقاسم العائدات

لكن عندما يتعلق الأمر بالطاقة، فإن الاقتصاد الرقمي أبعد ما يكون عن كونه افتراضيًا. فخلف كل خدمة سحابية، ومعاملة مصرفية، ومنصة للتجارة الإلكترونية، وتطبيق للبث الرقمي، ونظام للذكاء الاصطناعي، توجد بنية تحتية مادية متكاملة تشمل الخوادم، ومراكز البيانات، وأنظمة التبريد، وشبكات الاتصالات، وبالطبع الكهرباء.

– الذكاء الاصطناعي المحرك الأكبر للتحول الرقمي

 

ومن هنا، يتحول النقاش العالمي حول التحول الرقمي بصورة متزايدة إلى نقاش حول الطاقة. وتقدر وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن مراكز البيانات استهلكت نحو  415 تيراواط/ساعة من الكهرباء عالميًا في عام 2025، بما يعادل نحو  1.5% من إجمالي استهلاك الكهرباء العالمي. وبحلول عام 2030، من المتوقع أن يتضاعف هذا الاستهلاك ليصل إلى نحو  945 تيراواط/ساعة.

 

اقرأ ايضا| “المحطات النووية” تنفي مخالفة معايير السلامة في تركيب وعاء ضغط مفاعل الضبعة

 

وبينما يمثل الذكاء الاصطناعي المحرك الأكبر لهذا النمو، تشير الوكالة أيضًا إلى أن الطلب المتزايد على الخدمات الرقمية الأخرى يمثل عاملًا مهمًا في ارتفاع استهلاك الكهرباء.

وبالنسبة للدول التي تسعى إلى تعزيز حضورها في الاقتصاد الرقمي العالمي، لم يعد السؤال يقتصر على مدى توافر المهارات الرقمية، والاتصال، والاستثمارات. بل أصبح يرتبط بشكل متزايد بمدى قدرة منظومة الطاقة لديها على دعم النمو الرقمي بشكل موثوق وتنافسي ومستدام.

وهنا تبرز أهمية الطاقة النووية بما يتجاوز دورها التقليدي في توليد الكهرباء.
وتصنف وكالة الطاقة الدولية الطاقة النووية كمصدر نظيف وقابل للتشغيل عند الحاجة، وقادر على توفير كميات كبيرة من الكهرباء بصورة مستمرة على مدار الساعة.

 

– أهمية الطاقة النووية في خفض الانبعاثات الكربونية

 

كما تشير الوكالة إلى أن مراكز البيانات، إلى جانب التوسع في استخدام الكهرباء ومصادر الطلب الجديدة، تمثل أحد العوامل التي تقف وراء تجدد الاهتمام العالمي بالطاقة النووية.

وبالنسبة للبنية التحتية الرقمية، تمثل موثوقية إمدادات الكهرباء أهمية بالغة. فمراكز البيانات تعمل على مدار الساعة، ولا يمكن للمنصات المالية ببساطة التوقف عن معالجة المعاملات عندما تواجه إمدادات الكهرباء قيودًا. وينطبق الأمر نفسه على شبكات الاتصالات، والخدمات السحابية، والأنظمة الحكومية الحيوية.

وستظل مصادر الطاقة المتجددة عنصرًا أساسيًا في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، إلا أن الطاقة النووية يمكن أن تكمل دورها من خلال توفير توليد مستقر ومنخفض الانبعاثات الكربونية، بصرف النظر عن الظروف الجوية أو الوقت من اليوم. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، توفر الطاقة النووية بالفعل نحو  15%من الكهرباء التي تستهلكها مراكز البيانات عالميًا.

 

– الأهمية الاستراتيجية الرئيسية لمشروع الضبعة

 

وفي مصر، يجري إنشاء أول محطة للطاقة النووية في الضبعة، والتي تضم أربع وحدات من مفاعلات VVER-1200 من الجيل الثالث المطور (Generation III+)، بإجمالي قدرة مركبة تبلغ  4.8 جيجاواط. ووفقًا لتقارير الاستدامة الصادرة عن روساتوم، من المتوقع أن يصل إجمالي إنتاج المحطة من الكهرباء سنويًا إلى نحو  31.2تيراواط/ساعة.

وتتمثل الأهمية الاستراتيجية الرئيسية لمشروع الضبعة في تعزيز أمن الطاقة، وتنويع مزيج الطاقة، ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة. إلا أن أهمية المشروع ينبغي النظر إليها أيضًا في ضوء التغيرات التي يشهدها هيكل الطلب على الكهرباء.

ففي الوقت نفسه، تمضي مصر قدمًا في مسار التحول الرقمي، حيث تعتمد قطاعات مثل التجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية، والخدمات المصرفية الرقمية، والاتصالات، والحوسبة السحابية، والبنية التحتية الذكية، والذكاء الاصطناعي، على بنية تحتية حاسوبية تزداد تطورًا وكثافة في استهلاك الطاقة.

 

– خبرة روساتوم في الصناعة النووية

 

ولا يعني ذلك أن محطة الضبعة يتم إنشاؤها خصيصًا لتوفير الكهرباء لمراكز البيانات المصرية. فالترابط هنا أوسع وأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية: إذ إن تطوير مصدر كبير وموثوق ومنخفض الانبعاثات الكربونية للكهرباء يعزز البنية التحتية الأساسية التي يمكن لاقتصاد رقمي متنامٍ أن يعتمد عليها ويواصل التوسع من خلالها. وهذه نقطة مهمة.

فالطاقة النووية، بطبيعة الحال، لا تنشئ قطاعًا للتجارة الإلكترونية أو صناعة تكنولوجية بمفردها. لكن توافر الكهرباء الموثوقة، والقدرة الكافية لشبكة الكهرباء، وأمن الطاقة على المدى الطويل، يمكن أن يعزز قدرة الدولة على استقطاب واستيعاب الاستثمارات الرقمية كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وتقدم خبرة روساتوم مثالًا وثيق الصلة بهذا التوجه. فمنذ ما يقرب من عقد، بدأت الصناعة النووية الروسية في الجمع بين توليد الطاقة النووية والبنية التحتية لمراكز البيانات. ففي عام 2018، تم تشغيل مركز بيانات بالقرب من محطة كالينين للطاقة النووية، مستفيدًا من استقرار إمدادات الكهرباء التي تم توفيرها بسعر ثابت.

كما يمنح قرب مراكز البيانات من محطات الطاقة النووية مزايا فيما يتعلق باستقرار وأمن إمدادات الكهرباء، إذ تعمل المحطات النووية على مدار الساعة، فيما تتمتع أنظمة التحكم في الدخول إليها بمستويات عالية من الأمان.

 

– تطوير حلول تكنولوجيا المعلومات

 

وباعتبارها موردًا عالميًا، تتميز روساتوم بكونها الشركة الوحيدة في العالم التي تمتلك خبرة متكاملة عبر سلسلة تكنولوجيا دورة الوقود النووي بأكملها، بدءًا من استخراج اليورانيوم الطبيعي وتخصيبه، مرورًا بإنتاج واستخدام الوقود النووي في محطات الطاقة النووية، وصولًا إلى إعادة معالجته والتعامل معه بعد الاستخدام. وعلى مدار أكثر من  80عامًا في هذا القطاع، راكمت روساتوم خبرات واسعة في التعامل مع أكثر التحديات التكنولوجية تعقيدًا.

وعلى مدى عقود، اعتمد خبراء الطاقة النووية على تطوير حلول تكنولوجيا المعلومات الخاصة بهم، إلا أن خبرات روساتوم وإنجازاتها في هذا المجال أصبحت اليوم أساسًا لتطوير حلول رقمية متقدمة.

 

اقرأ ايضا| روساتوم تحقق محطة جديدة في بناء أسطولها النووي باستكمال مفاعل كاسحة الجليد لينينجراد

 

اقرأ أيضا: قائمة سوداء لمحتالي الاتصالات| دراسة حكومية متأنية بين حماية الخدمات والأبعاد الدستورية

كما توسعت محفظتها الرقمية خارج نطاق التطبيقات النووية لتشمل البنية التحتية الرقمية، والنمذجة الرياضية، وتكامل الأنظمة، وأمن المعلومات، والبرمجيات الصناعية، والتوائم الرقمية، والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يمكن أن يسهم في تحسين العمليات، والتنبؤ بالمشكلات، واختبار التغييرات بأمان، وتدريب المهندسين.

 

– تطور الدور الاقتصادي للصناعة النووية

 

وتدير روساتوم حاليًا خمسة مراكز بيانات عالية التقنية، بإجمالي قدرة تتجاوز  93 ميجاواط وأكثر من  6,500 وحدة رف. ولا تقتصر خدماتها على توفير الكهرباء، بل تمتد إلى إنشاء مراكز البيانات، وخدمات الاستضافة، وتوفير القدرات الحوسبية السحابية، وإنشاء مراكز بيانات مخصصة. كما تشير روساتوم إلى إمكانية دمج مراكز البيانات ضمن تصميمات محطات الطاقة النووية نفسها.

وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة، لأنها تعكس تطورًا في الدور الاقتصادي للصناعة النووية؛ من مجرد توفير الكهرباء إلى تمكين صناعات وأنشطة اقتصادية جديدة تقوم على هذه الكهرباء وتستفيد منها.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن شركات التكنولوجيا تساهم بصورة متزايدة في دفع تطوير تقنيات نووية جديدة لتلبية الطلب المستقبلي على الكهرباء من مراكز البيانات. وتشير توقعاتها إلى ارتفاع كبير في حجم الطاقة النووية التي ستخدم مراكز البيانات، لا سيما في الولايات المتحدة والصين واليابان.

وفي أوروبا، من المتوقع أن توفر الطاقة النووية ومصادر الطاقة المتجددة معًا  85%من الكهرباء التي تستهلكها مراكز البيانات بحلول عام 2030.
وتعكس هذه الاتجاهات تحولًا مهمًا في طبيعة العلاقة بين الطاقة ومستقبل الاقتصاد الرقمي.

 

– سياسات متكاملة تشمل تطوير شبكات الكهرباء

 

ومن هنا، تمتلك مصر فرصة للنظر إلى مشروع الضبعة ليس بمعزل عن غيره، وإنما باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع للبنية التحتية الاقتصادية.
فوجود منظومة كهرباء قوية تجمع بين الطاقة النووية، ومصادر الطاقة المتجددة، وشبكات كهرباء حديثة، يمكن أن يدعم التصنيع والتنمية الاقتصادية، وفي الوقت نفسه يهيئ بيئة أكثر ملاءمة للبنية التحتية السحابية، ومراكز البيانات الإقليمية، والتجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية، والاتصالات، وصولًا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا.

وبالطبع، لن يحدث ذلك تلقائيًا. إذ يتطلب الأمر سياسات متكاملة تشمل تطوير شبكات الكهرباء، والاتصال الرقمي، والاستثمار، والتشريعات المنظمة، والأمن السيبراني، وتنمية المهارات، والبنية التحتية للبيانات. لكن وجود أساس قوي وموثوق للبنية التحتية يظل عاملًا حاسمًا.

في نهاية المطاف، الاقتصاد الرقمي يعتمد على بنية تحتية حقيقية تدعم تشغيله؛ فكل معاملة إلكترونية تحتاج إلى أنظمة وبنية تحتية تتيح تنفيذها، وكل تطبيق سحابي يتطلب قدرات حوسبية، وكل مركز بيانات يعتمد على إمدادات كهرباء موثوقة.

والدول التي تدرك اليوم هذا الترابط بين استراتيجية الطاقة والاستراتيجية الرقمية ستكون في وضع أفضل للمنافسة غدًا. كما أن المنتجات الرقمية المخصصة للاستخدام الصناعي، والتي تطورها شركات التكنولوجيا الكبرى اليوم، تعتمد بصورة متزايدة على القدرات التي توفرها الطاقة النووية في مجال الهندسة الرقمية.

ومع مشروع الضبعة، تعمل مصر على تطوير أصل استراتيجي في قطاع الطاقة يمكن أن تمتد أهميته الاقتصادية، على المدى الطويل، إلى ما يتجاوز قطاع الكهرباء، ليشكل جزءًا من البنية التحتية الداعمة لمسار التحول الرقمي والنمو الاقتصادي في مصر.

اقرأ أيضا: وصول حافلة الزمالك إلى ستاد القاهرة لمواجهة البنك الأهلي 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً