رفع تصنيف الإرهاب.. هل يكفي لإنقاذ اقتصاد سوريا المنهك؟ | اقتصاد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بعد سنوات الحرب والعزلة، بدأت مؤشرات اقتصادية في سوريا تعكس حركة تتجاوز استئناف النشاط اليومي؛ فالتجارة عبر الحدود تنمو، ومشروعات الطاقة تستعيد موقعها في خطط التعافي، كما تتسارع محاولات إعادة وصل البلاد بالاقتصادين الإقليمي والدولي.

اقرأ أيضا: محافظ القليوبية يستقبل وزير الشباب لبدء جولة تفقدية بالمحافظة 

لكن هذه المؤشرات -على أهميتها- لا تعني أن الاقتصاد السوري تجاوز أزمته؛ فبينما يفتح تخفيف القيود الخارجية الباب أمام التمويل والاستثمار، تبقى المصارف المتعثرة، وتضرر البنية التحتية، واتساع فجوة الإعمار، عوامل تحدد مدى قدرة البلاد على تحويل الانتعاش الأولي إلى نمو مستمر.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وتضيف مداخلة كبير الباحثين في المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية جيمس روبنز أبعادا جيواقتصادية للنقاش؛ إذ تربط فرص الاستثمار والتنمية في سوريا بإعادة إدماجها في محيطها الإقليمي، إلى جانب مسارات دبلوماسية تخفف المخاطر السياسية والأمنية.

أما الأكاديمي والمحلل السياسي كمال عبدو، فيسلط الضوء على البوابة المالية والقانونية لهذا التحول، مستعرضا تداعيات رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب على حركة رؤوس الأموال ومستقبل الاستثمار.

إشارة واشنطن

وفي 24 أغسطس/آب الجاري، ألغت الولايات المتحدة الأمريكية تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، منهية إدراجا استمر نحو 47 عاما، بعد استكمال مسار المراجعة في الكونغرس. وشكر الرئيس السوري أحمد الشرع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على القرار الذي وصفه بالتاريخي.

ويمثل القرار تحولا جوهريا في علاقة سوريا بالنظام المالي والاقتصادي الدولي، لكنه لا يساوي تلقائيا إزالة كل القيود أو عودة البنوك والشركات إلى العمل في السوق السورية بالسرعة نفسها.

فالأثر الاقتصادي -بحسب كمال عبدو- لأي قرار من هذا النوع لا يقاس بالرمزية السياسية وحدها، بل بما يتركه من انعكاس عملي على التحويلات، والتأمين، والتمويل التجاري، وتقييم مخاطر الاستثمار.

فالمستثمر لا يحتاج فقط إلى قرار يتيح له دخول السوق، بل إلى مصرف قادر على تنفيذ التحويل، وشركة تأمين تستطيع تغطية المشروع والشحنة، وقواعد امتثال واضحة تمنع تجميد الأموال أو تعطيل المعاملات لاحقا.

وحتى مع إزالة التصنيف الأمريكي، ما زالت دمشق نفسها تتطلع إلى خطوات إضافية لرفع القيود التي تعوق التعافي، وهو ما يؤكد أن الانتقال من العزلة القانونية إلى الانفتاح المالي الكامل سيكون عبر مسار تدريجي لا فوري.

التجارة تتحرك

تظهر التجارة مع تركيا أحد أوضح مؤشرات عودة سوريا إلى خريطة النشاط الإقليمي. فقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين 3.75 مليارات دولار خلال عام 2025، بزيادة 45% عن العام السابق، وفق بيانات وزارة التجارة التركية.

في حين وصلت الصادرات التركية إلى سوريا إلى 1.28 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، بزيادة تقارب 26% على أساس سنوي، مما يعكس تسارعا في حركة البضائع عبر المنافذ الحدودية.

ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في التبادل الثنائي وحده، بل في احتمال استعادة سوريا وظيفة اقتصادية أوسع، بوصفها ممرا بريا حيويا يربط تركيا وأوروبا بالأردن والخليج.

لكن هذا الرهان لا يُحسم بفتح المعابر فقط. فالممر التجاري يحتاج إلى طرق مؤهلة، وإجراءات جمركية سريعة، وخدمات تخزين ونقل، وكهرباء مستقرة، واتفاقات تشغيلية تضمن للشركات أن زمن العبور وتكلفته قابلان للتنبؤ.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة طرح روبنز بوصفه رؤية لعودة سوريا من هامش الخريطة الاقتصادية إلى موقع أكثر اتصالا بالمنطقة والغرب؛ غير أن تحويل الموقع الجغرافي إلى عوائد وفرص عمل يحتاج إلى بنية إنتاجية ولوجستية، لا إلى الجغرافيا وحدها.

الكهرباء أولا

لا يمكن فصل طموح التجارة والاستثمار عن ملف الطاقة. فالكهرباء ليست خدمة مستقلة عن الاقتصاد، بل هي شرط لتشغيل المصانع، وخفض تكلفة الإنتاج، وتحريك المرافئ والمعابر، وإعادة بناء الخدمات العامة.

وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن نمو الاقتصاد السوري خلال عام 2026 قد يتجاوز 10%، مدفوعا بتحسن الزراعة، وزيادة إنتاج النفط والغاز، وتحسن إمدادات الكهرباء، ونمو التجارة والخدمات.

لكن الحديث عن الطاقة يجب أن يبقى دقيقا، فالاتفاقات ومذكرات التفاهم ومشروعات الربط لا تعني بالضرورة تشغيلا فوريا أو تمويلا مكتملا. وهي تمثل فرصا مهمة، لكنها تحتاج إلى إغلاق مالي، وتنفيذ، وحماية للاستثمارات، وتأهيل للشبكات المتضررة.

لذلك، فإن نجاح أي رؤية لربط سوريا بالمنطقة يبدأ من سؤال عملي ومباشر: هل تستطيع المنشآت الحصول على طاقة مستقرة وبتكلفة يمكن تحملها؟

قفزة غير مكتملة

تترافق مؤشرات النشاط مع تحسن في المالية العامة. فصندوق النقد الدولي قال إن الموازنة المركزية أنهت عام 2025 بفائض محدود، مع توقع ارتفاع الإيرادات خلال عام 2026 بدعم من الضرائب والجمارك وإيرادات النفط والغاز والاتصالات ورسوم عبور الوقود. وتقدّر موازنة عام 2026 النفقات بنحو 10.5 مليارات دولار، والإيرادات بنحو 8.716 مليارات دولار، بعجز يقارب 1.8 مليار دولار.

لكن القفزة في النمو أو الإيرادات لا تعني بالضرورة تحسنا موازيا في حياة السكان. فالبنك الدولي قدّر تباطؤ التضخم من 72.1% عام 2024 إلى 11.5% خلال عام 2025، لكنه أشار إلى أن نحو 90% من الأسر ظلت تعاني لتلبية احتياجاتها الأساسية.

اقرأ أيضا: “الدبابة مفحمة”.. مشاهد للقسام توثق مسيرة صاحب المقولة الشهيرة | أخبار

كما أوضح البنك الدولي أن تكلفة الحد الأدنى للمعيشة بلغت نحو 3 أمثال الحد الأدنى الرسمي للأجور، مما يبرز الفجوة العميقة بين الأرقام الكلية والواقع المعيشي.

وهذا يضع معيارا مختلفا لقياس النجاح: ليس فقط كم نمت التجارة أو كم ارتفعت الإيرادات؟ بل هل تحولت هذه الأرقام إلى وظائف وكهرباء وقدرة شرائية وخدمات عامة؟

صندوق النقد الدولي أعرب عن تقديره للمباحثات مع وزير المالية السوري محمد يسر برنية
صندوق النقد الدولي أعرب عن تقديره للمباحثات مع وزير المالية السوري محمد يسر برنية (الجزيرة)

عقدة المصارف

تبقى المصارف العقدة الأكثر حساسية في طريق الاندماج الاقتصادي. فقد وصف صندوق النقد الدولي القطاع المصرفي السوري بأنه شديد الاختلال وغير قادر على أداء دوره الكامل في تمويل الاقتصاد أو نقل أثر السياسة النقدية.

ودعا الصندوق إلى إعادة تأهيل أنظمة المدفوعات، واستعادة ثقة المودعين، وتقييم السلامة المالية للمصارف، وتعزيز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يسمح للبنوك بتمويل الشركات والأفراد وتنفيذ التحويلات المحلية والدولية.

وهنا يصبح أثر رفع التصنيف الأمريكي أكثر وضوحا: القرار يمكن أن يخفف أحد أكبر حواجز المخاطر، لكنه لن يعالج وحده اختلال النظام المصرفي أو يعيد الثقة تلقائيا إلى المؤسسات المالية الخارجية.

فجوة الإعمار

حتى إذا تحسنت التجارة والطاقة والتحويلات، تظل تكلفة إعادة الإعمار أكبر اختبار أمام الاقتصاد السوري. فقد قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية بنحو 216 مليار دولار، بعد أضرار مباشرة بلغت 108 مليارات دولار وأصابت نحو ثلث الرصيد الرأسمالي للبلاد قبل الحرب.

وهذه الفجوة تجعل التمويل الخارجي والقطاع الخاص عنصرين حاسمين، لا مجرد مكملين للإنفاق الحكومي. كما تجعل الاستقرار السياسي والأمني، وحماية المستثمر، ووضوح القوانين، عوامل اقتصادية مباشرة وليست ملفات منفصلة عن التنمية.

وتملك سوريا اليوم عناصر قد تساعدها على الخروج التدريجي من العزلة: موقع جغرافي يربط أسواقا متعددة، وتجارة حدودية بدأت تتوسع، وفرص في الطاقة والنقل والإعمار، وتحول في الموقف الأمريكي من أحد أثقل القيود السياسية والاقتصادية.

لكن الطريق بين إزالة الحواجز وبناء اقتصاد مندمج ما زال طويلا، فالمقياس الحقيقي لن يكون مجرد إعلان سياسي أو تسجيل ارتفاع مؤقت في حجم التجارة البينية بين الدول.

إنما يتوقف المعيار على قدرة الشركات على تحويل أموالها عبر أنظمة مصرفية موثوقة، وتشغيل المصانع بطاقة مستقرة، وتأمين الشحنات وتصدير المنتجات؛ وحينها فقط يمكن القول إن البلاد انتقلت من التعافي الأولي إلى الاندماج الفعلي.

اقرأ أيضا: بعثة الجودو تغادر إلى إيطاليا للمشاركة في دورة ألعاب البحر المتوسط

‫0 تعليق

اترك تعليقاً