الحجاج بن يوسف الثقفي.. كما صنعه زمانه ومكانه

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم أكن أبحث عن الحجاج بن يوسف الثقفي حين بدأت مراجعة كتاب لأستاذ تركي، كتبه بالعربية في سير المحدثين الأوائل، لكن الحجاج كان يطل علي من صفحة بعد أخرى، حتى بدا حضوره في كتاب ليس موضوعه الحجاج ولا رجال السياسة لافتا للنظر. وكان يحضر في الغالب مقترنا بالشدة والبطش، وهي الصورة التي استقرت له في الذاكرة التاريخية.

اقرأ أيضا: العقوبات الأمريكية وقرار الإمارات يربكان تجارة إيران والهند | اقتصاد

ومع تكرر اسمه، أخذ سؤال آخر يفرض نفسه علي: أكانت هذه القسوة نابعة من طبيعة الرجل وحدها، أم أن وراءها زمانا مضطربا، ومكانا عصيا، ودولة كانت تخشى الفتنة أكثر مما تخشى الشدة؟ ومن هنا بدأت أقرأ الحجاج، لا لأدافع عنه، ولا لأخفف من ظلم وقع منه، وإنما لأفهم: كم كان في الحجاج من الحجاج، وكم كان فيه من زمانه ومكانه؟

ارتبط اسم الحجاج بالعراق، ولم يكن العراق ولاية عادية في الدولة. كان مركزا للجند والقبائل والحركات السياسية، وفيه الكوفة والبصرة بما لهما من ثقل عسكري وفكري واجتماعي

يروى عن الأصمعي أن فتى مثل بين يدي الحجاج بن يوسف فقال: “أصلح الله الأمير، مات أبي وأنا حمل، وماتت أمي وأنا رضيع، فكفلني الغرباء حتى ترعرعت، فوثب بعض أهلي على مالي واجتاحه، وهو هارب مني ومن عدل الأمير”. فأعجب الحجاج ببيانه وقال متعجبا: مات أبوك وأنت حمل، وماتت أمك وأنت رضيع، وكفلك الغرباء، فلم يمنعك ذلك من أن يفصح لسانك وتبين عن إرادتك، ثم أمر بإبعاد مؤدبي أولاده، إذ رأى أن هذا الفتى الذي رباه الغرباء كان أفصح بيانا ممن نشأ أبناؤه بين أيدي المؤدبين. تكشف هذه الرواية -إن صح أصلها- جانبا مهما من شخصيته، وهو ميله إلى قياس الرجال بالنتائج، وشدة عنايته بالكفاءة والانضباط.

ومن هذا المدخل يمكن فهم الحجاج على نحو أوسع. فقد كان رجلا صنعته طباعه، لكن زمانه ومكانه وأحوال الدولة زادت تلك طباع حدة، ورسخت فيه الإيمان بالنظام والحزم وقوة السلطة. وقلما أثارت شخصية في التاريخ الإسلامي من الجدل ما أثارته شخصية الحجاج بن يوسف، حتى غلبت صورة الشدة والبطش على سائر ملامح شخصيته.

ظهر الحجاج في مرحلة لم تكن الدولة الأموية قد بلغت فيها ذلك الاستقرار الذي قد توحي به صورتها اللاحقة. كانت الأمة قد خرجت من فتن وصراعات دامية، وتعددت مراكز القوة والولاء، وأصبح الخلاف السياسي قابلا لأن يتحول سريعا إلى جيش وسلاح واقتتال. ولم يكن انتقال السلطة شأنا هادئا تحكمه مؤسسات مستقرة، بل كان ميزان القوة حاضرا بقوة في تقرير مصير الحكم والدولة.

في هذا الزمن تكونت شخصية الحجاج.

وهذه الحقيقة مهمة لفهمه نفسيا. فالرجل الذي يشاهد مرارا كيف يؤدي ضعف السلطة إلى الحرب، وكيف يتحول الخلاف إلى دم، وكيف يمكن لمدينة أو جيش أن يخرج من الطاعة فيهدد إقليما كاملا، لا بد أن تتشكل نظرته إلى الحكم بطريقة مختلفة عن رجل يعيش في زمن مستقر. ومن المعقول أن يكون الحجاج قد ترسخ في ذهنه أن الفوضى هي الشر الأكبر، وأن قوة الدولة ليست أمرا ثانويا، بل شرطا لبقاء المجتمع نفسه.

ثم جاء المكان ليزيد هذه الشخصية صلابة. فقد ارتبط اسم الحجاج بالعراق، ولم يكن العراق ولاية عادية في الدولة. كان مركزا للجند والقبائل والحركات السياسية، وفيه الكوفة والبصرة بما لهما من ثقل عسكري وفكري واجتماعي. وكانت الولاءات فيه متشابكة، والمنافسات القبلية والسياسية حاضرة، كما شهد العراق خروج حركات متعددة على السلطة، وتعاقب ولاة وجد بعضهم صعوبة في ضبطه.

ومن هنا ينبغي ألا نتصور الحجاج واليا أرسل إلى إقليم هادئ فاختار القسوة من غير سبب. لقد أرسلته الدولة إلى موضع كانت ترى أن السيطرة عليه من شروط استقرارها. وربما كان اختيار رجل بطبيعته القوية والحاسمة لهذا المكان مقصودا، لأن السلطة كانت تبحث عن رجل يستطيع فرض هيبتها حيث عجز غيره أو ضعف.

وهنا تلتقي طبيعة الرجل بطبيعة المكان.

الزمان والمكان والأحوال قد تفسر لماذا احتاج الحجاج إلى الشدة، لكنها لا تمنحه عذرا مطلقا في كل ما فعله. فهناك فرق بين القوة اللازمة لحفظ الدولة وبين تجاوز الحد في استعمالها، وبين عقوبة التمرد وبين أن تتحول الشدة إلى منهج دائم في التعامل مع الناس

كان الحجاج قوي الإرادة، سريع القرار، شديد الثقة بنفسه، ثم وضع في بيئة تكافئ هذه الصفات وتحتاج إليها. وكلما نجح بالحزم ازداد إيمانا به. فإذا واجه تمردا بالقوة فأنهى خطره، وضبط جندا بالشدة فأعادهم إلى الطاعة، وواجه اضطرابا بالحسم فاستقرت الأمور، فمن الطبيعي أن يترسخ لديه اعتقاد بأن القوة هي العلاج الأكثر نجاحا.

ولا ينبغي أن نغفل أن الحجاج لم يكن رأس الدولة، بل كان واليا يعمل تحت سلطة خلفاء يراقبون أعماله ويقرون جانبا كبيرا من سياسته. ولا شك أن رضا السلطة العليا عنه، واستمرار الثقة به، وإسناد المهمات الكبرى إليه، كان مما رسخ في نفسه صحة النهج الذي يسلكه وزاده ثقة وحزما. ومن ثم، فإن شخصيته السياسية لم تصنعها طباعه وظروف العراق وحدها، بل أسهمت في تشكيلها أيضا دولة رأت في شدته وكفاءته ما يلائم حاجتها في زمن شديد الاضطراب. وليس المقصود بذلك إدانة الرئيس أو تبرئة المرؤوس، وإنما فهم رجال ذلك العصر داخل ظروفهم وفتنهم التي لا نستطيع اليوم أن نستشعر حجمها كما استشعروها.

ومن هنا يمكن أن نفهم جانبا من قسوته من غير أن نبرر كل صورها. فالحجاج ربما لم يكن يرى المتمرد بالطريقة التي نراه بها بعد قرون. نحن ننظر إليه فردا معارضا للسلطة، أما الحجاج فربما رآه بداية جيش، ورأى وراء الجيش حربا، ووراء الحرب انقساما وفوضى. وهذا لا يجعل كل ما فعله صحيحا، لكنه يجعل دوافعه أكثر قابلية للفهم.

التفريق هنا ضروري بين تفسير القسوة وتبريرها. فالزمان والمكان والأحوال قد تفسر لماذا احتاج الحجاج إلى الشدة، لكنها لا تمنحه عذرا مطلقا في كل ما فعله. فهناك فرق بين القوة اللازمة لحفظ الدولة وبين تجاوز الحد في استعمالها، وبين عقوبة التمرد وبين أن تتحول الشدة إلى منهج دائم في التعامل مع الناس.

لكن صورة الحجاج لا تكتمل إذا وقفنا عند السيف والعقوبة. فقد كان وراء القائد القاسي عقل إداري واضح، وقدرة استثنائية على التنفيذ والتنظيم. وربما كانت هذه القدرة نابعة من الأصل النفسي نفسه الذي صنع شدته، وهو ميله العميق إلى النظام ورفضه للفوضى.

ففي عهده كان العراق جزءا رئيسيا من مشروع الدولة الأموية في إحكام الإدارة وتعريب مؤسساتها وتنظيم مواردها. وارتبط اسمه بجهود العناية بالكتابة العربية وضبط قراءة المصحف في عصر اتسعت فيه الدولة ودخل الإسلام فيه أقوام لا يتكلمون العربية. وقد اختلفت الروايات في مقدار دوره المباشر في بعض هذه الأعمال، لكن عهده كان بلا شك جزءا من مرحلة اتجهت بقوة إلى التنظيم والتوحيد الإداري واللغوي.

اقرأ أيضا: إيران مباشر.. واشنطن تطلق عملية “المنبوذ الاقتصادي” وطهران تقلل من فاعليتها

وكذلك الحال في تعريب الدواوين والإصلاح النقدي وضبط شؤون المال والموازين. فليس من الإنصاف أن ننسب كل ذلك إلى الحجاج منفردا، إذ كان جزءا من مشروع أموي أوسع ارتبط خصوصا بالخليفة عبد الملك بن مروان. لكن الإنصاف أيضا يقتضي الاعتراف بأن الحجاج كان من أقوى رجال ذلك المشروع في التنفيذ، وخاصة في المشرق.

الحجاج في نهاية الأمر كان رجلا صنعته مواهبه، لكن زمانه صقل تلك المواهب في اتجاه معين، ومكانه زادها حدة، والفتن التي أحاطت به رسخت في نفسه الخوف من الفوضى والإيمان بالقوة والنظام

أما عسكريا، فقد تحول العراق في عهده إلى قاعدة انطلقت منها جيوش الدولة نحو الشرق. ودعم قادة امتدت على أيديهم الفتوحات في بلاد ما وراء النهر والسند، مما يدل على أن الرجل لم يكن مشغولا بإخماد الاضطرابات الداخلية وحدها، بل كان قادرا على إدارة الموارد والجند وتوجيههم ضمن رؤية توسعية للدولة.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى في شخصية الحجاج. فالصفات التي جعلته بانيا قويا للدولة هي نفسها التي جعلته شديدا على خصومها. حبه للنظام أنتج إدارة، لكنه أنتج أيضا تضييقا على العصيان. ثقته بنفسه صنعت قائدا حاسما، لكنها ربما قللت قدرته على مراجعة قراراته. سرعة تنفيذه أنجزت مشروعات الدولة، لكنها جعلت العقوبة عنده سريعة كذلك. وإيمانه بهيبة السلطة حفظ النظام في مواقف، لكنه ربما جعله يقدم هيبة الدولة أحيانا على حرمة الفرد.

لهذا لا يبدو الحجاج شخصية يمكن اختصارها بكلمة واحدة. فوصفه بالطاغية وحده لا يفسر قدرته الإدارية ولا نجاحه في تثبيت سلطة الدولة، ووصفه برجل الدولة العظيم وحده يتجاهل ما ارتبط باسمه من قسوة وتجاوزات. والقراءة المنصفة لا تحتاج إلى تبرئته حتى تعترف بإنجازاته، كما لا تحتاج إلى إنكار إنجازاته حتى تدين ما وقع منه من ظلم.

إن الحجاج في نهاية الأمر كان رجلا صنعته مواهبه، لكن زمانه صقل تلك المواهب في اتجاه معين، ومكانه زادها حدة، والفتن التي أحاطت به رسخت في نفسه الخوف من الفوضى والإيمان بالقوة والنظام. فاجتمعت في شخصيته قدرة البناء وشدة البطش، وكفاءة الإداري وصرامة القائد.

ولعل أعدل ما يقال فيه أن الحجاج كان رجل دولة صنعه زمن الفتن لمواجهة الفوضى، فنجح في بناء جانب من النظام، لكنه تجاوز في بعض الأحيان حدود ما يحتاجه ذلك النظام.

وبهذا يصبح الحجاج جديرا بأن يفهم قبل أن يمدح أو يذم، لأن فهم التاريخ لا يكون بمحاكمة رجاله خارج عصورهم، بل بوضعهم في زمانهم ومكانهم وأحوالهم، ثم وزن أعمالهم بعد ذلك بميزان لا يحجب الإنجاز بسبب الخطأ، ولا يغفر الظلم بسبب الإنجاز.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 25 أغسطس في القاهرة والمحافظات

‫0 تعليق

اترك تعليقاً