الهيليوم..قاتل مع سبق الغش والضغط!

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ارتبط غاز الهيليوم فى الأذهان ببالونات أعياد الميلاد والمناسبات، حتى كشفت واقعة انفجار أسطوانة هيليوم داخل أحد المولات مؤخراً عن وجه آخر لهذا الغاز، وفتحت باباً واسعاً للتساؤلات حول مدى أمان تداول أسطوانات الغازات المضغوطة، خاصة أن استخدامه لا يقتصر على الترفيه فقط، وإنما يدخل أيضاً فى النواحى الطبية والصناعية، لذا تفتح «الأخبار» ملفاً حول سلامة أسطوانات الهيليوم، ومدى التزام المنشآت باشتراطات التخزين والتعامل معها من خلال التواصل مع الخبراء والمختصين بهذا الأمر.

اقرأ أيضا: الأزهر يقيم احتفالية كبرى بذكرى المولد النبوي الشريف

خبراء: خلطه بالهيدروجين.. سوء التخزين وغياب الأمان يحوله لقنبلة موقوتة

بداية يُعرّف سمير حلمى إبراهيم، الخبير البيئى والاستشارى فى القياسات البيئية، الغازات الخاملة بأنها مجموعة من العناصر الكيميائية «الخاملة» التى لا تتفاعل بسهولة مع العناصر الأخرى، وذلك لأن غلافها الإلكترونى الخارجى مكتمل، مما يجعلها مستقرة كيميائياً، وتشمل هذه الغازات: الهيليوم، والنيون، والأرجون، والكريبتون، والزينون، والرادون، ومن أهم خصائصها أنها عديمة اللون والرائحة والطعم، وتوجد على هيئة ذرات منفردة وليست جزيئات، كما أنها قليلة التفاعل الكيميائى، وتتميز بدرجات انصهار وغليان منخفضة. ويختلف استخدام كل غاز من هذه الغازات وفقاً لخصائصه؛ وعند الحديث عن الهيليوم فهو يستخدم فى ملء البالونات والمناطيد، كما يستخدم فى تبريد الأجهزة الطبية مثل أجهزة الرنين المغناطيسى.
أما أسطوانات التعبئة فهى تُصنع عادة من الفولاذ أو سبائك الألومنيوم، وتمر بعدة مراحل أساسية تشمل تصنيع جسم الأسطوانة، والمعالجة الحرارية، واختبار الضغط، والفحص الداخلى والخارجى، وتركيب الصمام، وإجراء الاختبارات الدورية، ثم تعبئة الهيليوم باستخدام محطة تعبئة للغازات المضغوطة مع قياس الضغط ودرجة الحرارة، ثم إغلاق الصمام وفحص التسرب، ووضع بيانات الغاز والضغط وبيانات الأسطوانة.
علامات ضرورية
ويشير إلى نقطة مهمة جداً تتعلق بالتمييز بين أسطوانة الهيليوم المضغوط وخزان الهيليوم السائل، فالهيليوم السائل يحتاج إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض تصل إلى حوالى 269 درجة مئوية تحت الصفر، ولذلك لا يمكن تخزينه فى أسطوانة غاز عادية، وإنما يحتاج إلى أوعية تبريد خاصة، أما الأسطوانات المستخدمة فى اللحام أو المختبرات أو التطبيقات الصناعية، فتحتوى عادة على هيليوم غازى مضغوط، وقد تتم تعبئة أسطوانة سعة 40 أو 50 لتراً إلى ضغوط تصل إلى 150 أو 200 أو 300 بار، مؤكداً على أهمية فحص أسطوانات غاز الهيليوم المضغوط والتى تشمل الفحص الظاهرى، وفحص الصمام والتسرب، وفحص الضغط والاختبار الدورى، مع الالتزام بالمواصفة والجهة التنظيمية التى تعتمدها الأسطوانة، وبالنسبة إلى جسم الأسطوانة، يجب التأكد من عدم وجود انتفاخ أو تشققات أو قطع أو تآكل شديد أو حروق أو تشوه، كما يجب فحص الصدأ والتآكل الخارجى، خصوصاً فى قاعدة الأسطوانة والمناطق التى تتجمع فيها الرطوبة، أما التخزين، فيجب أن يكون فى مكان جيد التهوية، بعيداً عن الحرارة ومصادر الاشتعال، مع تثبيت الأسطوانات لمنع سقوطها، وعلى الرغم من أن الهيليوم غير قابل للاشتعال، لكن هذا لا يعنى أن الأسطوانة غير خطرة، فالخطر الأساسى يتمثل فى احتوائها على غاز مضغوط تحت ضغط مرتفع، ولذلك قد يؤدى تلف الأسطوانة أو الصمام إلى خطر ميكانيكى شديد، كما أن تسرب كمية كبيرة من الهيليوم فى مكان مغلق يمكن أن يؤدى إلى إزاحة الأكسجين وحدوث خطر الاختناق، ولذلك يجب توفير تهوية مناسبة.
أسباب الانفجار
ويعدد أهم أسباب الانفجار، حيث يأتى فى مقدمة المخاطر ارتفاع درجة حرارة الأسطوانة، كونه يؤدى إلى ارتفاع ضغط الغاز داخلها، كما أن الحريق أو تعرضها المباشر لمصدر حرارة قد يؤدى إلى فشل الأسطوانة، وكذلك تعبئة الأسطوانة بضغط يتجاوز ضغط الخدمة، وهو ما قد يحدث بسبب خطأ فى محطة التعبئة أو استخدام منظم أو معدات غير مناسبة، كما أن استخدام أسطوانة غير صالحة أو منتهية الفحص الدورى يمثل خطراً، لأن وجود تآكل داخلى أو خارجى أو عيوب فى المعدن يمكن أن يقلل قدرة الأسطوانة على تحمل الضغط، كذلك يمكن أن تؤدى الصدمة الميكانيكية إلى الإضرار بالأسطوانة، سواء نتيجة سقوطها من ارتفاع، أو اصطدامها بمعدة أو مركبة، أو تعرض جسمها لضربة قوية، مشدداً على أنه فى حالة الاشتباه فى أن الأسطوانة تحت ضغط وغير آمنة، لا ينبغى محاولة فتح الصمام أو تفريغها أو إصلاحها بشكل ذاتى، وإنما يتم عزلها وتأمين المنطقة وإبلاغ الشخص أو الجهة المختصة.
تعليمات صحية
ومن جانبها، تحذر د. نهاد حامد جاد، مدرسة واستشارية الطب الشرعى والسموم الإكلينيكية بكلية الطب جامعة الإسكندرية من  استنشاق الهيليوم كونه يمثل خطراً صحياً حقيقياً، وقد يكون قاتلاً، فالسبب وراء تغير الصوت عند استنشاق الهيليوم لا يرجع إلى حدوث تغير فى الأوتار الصوتية نفسها، وإنما إلى اختلاف سرعة انتقال الموجات الصوتية داخل الهيليوم مقارنة بالهواء، مشددة على أن هذا التأثير الصوتى المؤقت لا يعنى أن استنشاق الهيليوم آمن، خاصة أنه تم استنشاقه مباشرة من أسطوانات الغاز المضغوط، لأنه حينها لا يقتصر على خطر نقص الأكسجين فقط، وإنما قد يؤدى أيضاً إلى إصابات خطيرة فى الرئة قد تصل إلى تمزق أنسجة الرئة ودخول حبيبات من الغاز إلى مجرى الدم، وهو ما قد يؤدى إلى ما يعرف بالانصمام الهوائى، وقد يتسبب فى مضاعفات خطيرة مثل السكتة الدماغية أو النوبة القلبية المفاجئة.
وتحذر كذلك من أن استنشاق الهيليوم قد يؤدى إلى فقدان الوعى والسقوط المفاجئ، موضحة أن شهقتين فقط من الهيليوم قد تكونان كافيتين لإحداث دوار حاد وإغماء مفاجئ لدى بعض الأشخاص، وهو ما قد يؤدى بدوره إلى إصابات بالغة نتيجة السقوط. حيث أن استنشاق الهيليوم الخالص يحرم الرئتين والدم من الأكسجين اللازم للحياة، وعند امتلاء الرئتين بالهيليوم الخالص، ينتقل الأكسجين بسرعة من الدم إلى الرئتين ليُطرد إلى الخارج بدلاً من أن تتم عملية امتصاصه بصورة طبيعية، ومع استمرار استنشاق الهيليوم، ينخفض وصول الأكسجين إلى الدماغ خلال فترة قصيرة قد تصل إلى 5 إلى 10 ثوانٍ، ويبدأ الشخص فى الشعور بالتشوش والدوار، يلى ذلك فقدان الوعى خلال نحو 10 إلى 20 ثانية، محذرة من أنه إذا لم يسترد الشخص تنفس الهواء الطبيعى فوراً، فقد تحدث تلفيات دائمة فى خلايا الدماغ أو يتوقف القلب.
درجات النقاء
بينما وضع الدكتور مهندس أحمد تركى، نائب رئيس الجمعية المصرية للهندسة الطبية، حداً للشائعات والمفاهيم المغلوطة المنتشرة حول استخدامات غاز الهيليوم وحقيقة المخاطر المترتبة على تداوله، موضحاً أن غاز الهيليوم فى أصله الكيميائى غاز خامل وآمن تماماً، ولا يسبب أى اشتعال أو حرائق، ويستخرج من طبقات الأرض فى حالته السائلة عند درجات حرارة متدنية جداً، ويتحول بسهولة كبيرة إلى غاز، حيث يتم تعبئته فى المصانع تحت ضغوط مرتفعة للغاية كما سبق ذكره، ويشرح أنه يستحيل غش غاز الهيليوم المستخدم فى المجالات الطبية مثل أجهزة الرنين، لأنه يجب أن يكون خالياً تماماً من الشوائب وبه نسبة نقاء عالية؛ لأن وجود أى نسبة شوائب سيؤدى فوراً إلى تلف جهاز الرنين بالكامل والذى تقدر تكلفته بملايين الجنيهات، كما أنه لا توجد أسطوانات هيليوم يتم تخزينها فى المستشفيات، بل يتم إحضارها فقط عند الحاجة، ومن قبل متخصصى الصيانة، وذلك عند عمل صيانة لجهاز الرنين، ففكرة أن المستشفيات هى التى تقوم ببيع أسطوانات الهيليوم المنتهية الصلاحية للمحلات هى فكرة مستحيلة، لأن هذا الغاز ليس له صلاحية، كما أن المستشفيات لا تحتفظ بهذه الأسطوانات، بل يتم إحضارها بالطلب من قبل متخصصى الصيانة.. ويشدد نائب رئيس الجمعية المصرية للهندسة الطبية، على أن درجات نقاء الغازات ليست مجرد مسميات عادية، بل هى تصنيفات علمية صريحة تصدر بها شهادات رسمية من المصانع المنتجة، مثل (N60 أو N55 والتى تعنى نقاء يصل إلى 99.9999%)، ويشير إلى أن هناك فرقاً جوهرياً بين نسبة النقاء والغش التجارى بخلط أسطوانة الهيليوم بغاز الهيدروجين الأقرب له فى الكثافة والقدرة على رفع البالونات.
جشع تجارى
ويستكمل تركى حديثه، قائلاً: الارتفاع الكبير فى سعر أسطوانة الهيليوم والذى تجاوز 18 ألف جنيه، دفع بعض التجار الجشعين وبائعى البالونات الجائلين فى الشوارع إلى تفريغ أسطوانة الهيليوم الأصلية على أكثر من أسطوانة، ثم تكملة النسبة المتبقية بغاز الهيدروجين شديد الاشتعال والانفجار، وهنا تكمن الكارثة، فمع تعريض الأسطوانة أو البالونات لدرجات حرارة عالية أو مصدر شرر، يشتعل الهيدروجين داخل الأسطوانة مما يؤدى إلى انفجارها كعائلات من الشظايا وتتسبب فى حرائق وإصابات خطيرة، فضلاً عن أن أى أسطوانة غاز مضغوطة سواء هيليوم أو أكسجين أو نيتروجين، تخزن بضغط يصل لـ 200 بار، وفى حالة عدم توافر عوامل الأمان التخزينية لها أو سقوط الأسطوانة وتحطم المنظم الخاص بها، فإن قوة الضغط العالية تحول الأسطوانة فوراً إلى «مقذوف نارى» يحطم الجدران ويدمر المكان.
تجاهل الاشتراطات
وفى هذا السياق، يجيب اللواء علاء عبد الظاهر مساعد وزير الداخلية للحماية المدنية الأسبق، على تساؤل حول أسباب وقوع انفجارات فى بعض المنشآت والمحال التجارية نتيجة أسطوانات من هذا الغاز، وهى أن معاينة مسارح الحوادث أثبتت أن الأسباب الحقيقية لا تعود لغاز الهيليوم النقى، بل ترجع إلى لجوء بعض التجار إلى شراء أسطوانات مغشوشة أو مخلوطة بغازات شديدة الاشتعال، مشيراً إلى أن الشق الآخر للأزمة يكمن فى إهمال الاشتراطات الفنية لتخزين الأسطوانات واستخدامها، كوضعها فى أماكن سيئة التهوية أو تعريضها لدرجات حرارة مرتفعة، موضحاً أن المنظومة التشريعية والكود المصرى يفرضان اشتراطات صارمة للأمن والسلامة على كافة المنشآت والمحال التجارية والمولات والمستشفيات، إلا أن المخالفات الفردية تؤدى إلى تفاقم المخاطر عند حدوث أى طارئ، وعلى ذلك فهو يطالب بتشديد الرقابة الميدانية على باعة البالونات فى الشوارع والأماكن المغلقة؛ وذلك لمنع تداول أسطوانات الغاز غير المعتمدة ومواجهة الممارسات العشوائية التى تهدد سلامة المواطنين والممتلكات.
ارتفاع الأسعار
كما تواصلت «الأخبار» مع المهندس إيميل فايز، مهندس ميكانيكا ومنسق حفلات، لتوضيح التفاصيل حول ظاهرة غش غاز الهيليوم المستخدم فى البالونات والحفلات، وقد أوضح أن السوق بات يشهد ممارسات غير آمنة تشكل تهديداً مباشراً على سلامة المواطنين، ففى بداية عمله هذا المجال كان يقوم بشراء أسطوانة الهيليوم مع جميع مشتملاتها «المنظم والمسدس ومفتاح الربط» بمبلغ أقل من 2000 جنيه، أما حالياً سعر إعادة تعبئة أسطوانة غاز الهيليوم الصافى قفز ليصل إلى حوالى 11 ألف جنيه، وهذا السعر للهيليوم ذو درجة نقاء رابعة الذى يتم استخدامها فى المعامل، بينما عندما يتم إعادة تعبئة ذات الأسطوانة بغاز الهيدروجين فلا يتجاوز تكلفتها 3 آلاف جنيه، وبسبب ذلك الفارق الشاسع فى التكلفة دفع البعض إلى خلط الهيليوم بالهيدروجين أو استبداله بالكامل للحصول على هامش ربح سريع دون النظر إلى العواقب الكارثية.. وهذا ما يجعله يحرص على إجراء اختبارات بنفسه عند شراء أسطوانات الهيليوم عن طريق «نفخ» بالونة وتقريب مصدر لهب منها، فإذا اشتعلت يثبت أن الغاز ليس هيليوم صافى وتم خلطه بالهيدروجين.. وينوه إلى أن هذه التجربة ضرورية للغاية لضمان سلامة الغاز المستخدم فى مثل هذه الفعاليات؛ حيث إن طبيعة عملهم دائماً يعتمد على وجود مصدر للنار بجوار البالونات مثل شموع عيد الميلاد أو الألعاب النارية، فإذا لم يكن غاز الهيليوم صافيا فمن المحتمل وقوع كارثة، ولكن هذا لا يعنى أن خطورة أسطوانات الغاز المضغوط لا تقتصر فقط على نوع الغاز، بل تتعداه إلى سلامة الأسطوانة نفسها ومدى مطابقتها لمعايير الجودة والضغط، حيث إن أى تلف فى صمام الأسطوانة تحت الضغط العالى قد يحولها إلى مقذوف مفجر إن لم تكن مثبتة ومخزنة وفق الاشتراطات الصحيحة.

اقرأ أيضا: أمين “العُليا للدعوة”: ميلاد النبي كان ميلاد أُمَّة وإشراق حضارة

 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً