منذ الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر وزيادة الأنشطة البشرية، مثل استخراج الوقود الأحفوري الذي يؤدي إلى توليد الطاقة، شهد العالم موجة لا مثيل لها من الانبعاثات الكربونية الضارة التي تؤدي إلى ارتفاع حرارة الكوكب إلى نسب غير معتادة، الأمر الذي أطلق عليه بعض العلماء «التغير المناخي».
اقرأ أيضا: اختراق علمي.. أدمغة مصنعة في المختبر تكتسب «إحساسًا بالمكان»
وينقسم التغير المناخي إلى عدة صور، منها ارتفاع درجات الحرارة زيادة عن المتوسط المعتاد عليه، وهو ما يسمى بالاحتباس الحراري.
أيضًا، تغير أنماط سقوط الأمطار، مثل زيادة الأمطار في مناطق وحدوث جفاف في مناطق أخرى، أو زيادة موجات الحر والبرد، أو ذوبان الجليد الذي يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، الأمر الذي يهدد المناطق الساحلية والجزر، أو زيادة الظواهر الجوية كالأعاصير والفيضانات والعواصف، أو تصحر الأراضي نتيجة قلة المياه وتغير أنماط الأمطار، وتغير النظم البيئية التي تؤثر على الحيوانات والنباتات بسبب تغير درجات حرارة المياه والموائل الطبيعية.

– ارتفاع متوسط حرارة الأرض
الأمر الذي جعل الدول، سواء المتقدمة أو النامية، تسرع في اتخاذ إجراءات لمجابهة التغير المناخي، والأمم المتحدة التي سارعت بعقد المؤتمرات والاتفاقيات والإجراءات، ومنها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) عام 1992، لوضع إطار دولي للتعاون في مواجهة تغير المناخ.
اقرأ ايضا| خطر تحت الجليد.. كيف يتحول «الكربون المحبوس» إلى أزمة مناخية؟
كما جاءت اتفاقية كيوتو عام 1997، التي هدفت إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة، خصوصًا من الدول الصناعية.
وجاء اتفاق باريس للمناخ عام 2015، ويهدف إلى إبقاء ارتفاع متوسط حرارة الأرض أقل بكثير من درجتين مئويتين والسعي لحصره في 1.5 درجة مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.
وشملت الجهود دعم الدول النامية من خلال التمويل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات لمساعدتها على التكيف مع آثار التغير المناخي، إلى جانب عقد مؤتمرات المناخ COP بشكل دوري لمراجعة الالتزامات المناخية للدول وزيادة الطموح في خفض الانبعاثات.

– موجات حر قياسية
كما جرى تشجيع التحول إلى الطاقة النظيفة والمتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وحماية الغابات والنظم البيئية وزيادة جهود التشجير والحد من إزالة الغابات، إلى جانب أهداف التنمية المستدامة، وخاصة الهدف رقم 13 المتعلق بالعمل المناخي.
ولكن في الأعوام الأخيرة شهد العالم التغير المناخي بشكل غير مسبوق، ومثل الكثير من الكوارث، سواء البيئية أو الاقتصادية أو الصحية أو الزراعية.
موجات حر قياسية: تشهد معظم مناطق العالم درجات حرارة غير مسبوقة تتجاوز المعدلات الطبيعية بشكل دوري وتتسبب في آلاف الوفيات.
فيضانات وسحب عاتية: يؤدي دفء الغلاف الجوي إلى زيادة تبخر المياه، مما ينتج عنه أمطار غزيرة وفيضانات مدمرة.
حرائق الغابات الشرسة: التهمت الحرائق ملايين الهكتارات من الغابات حول العالم، مثل أوروبا وشرق آسيا، مما دمر التنوع البيولوجي.

– خسائر اقتصادية وبنية تحتية فادحة
ضربة للماليات العامة: تكبد الكوارث المناخية ميزانيات الدول مليارات الدولارات؛ فعلى سبيل المثال تشير تقارير رويترز إلى أن الخسائر قد تلتهم نسبة تصل إلى 7% من الناتج المحلي لبعض الدول الأوروبية.
تهديد قطاع الطاقة: تسبب جفاف الأنهار وانخفاض منسوب المياه في إغلاق أو خفض إنتاج العديد من المحطات النووية ومحطات توليد الطاقة في أوروبا.
أزمة قطاع التأمين: أصبحت شركات التأمين عاجزة عن تغطية سوى ربع الخسائر المناخية تقريبًا بسبب وتيرة الدمار السريعة.
– أمن الغذاء والمياه والزراعة
جفاف تاريخي: تعاني مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية من الشح المائي والتصحر.
اقرأ ايضا| خطوط دفاع ضد مخاطر المناخ.. كيف تستعد الإسكندرية لطقس المستقبل؟

تراجع إنتاجية المحاصيل: انخفضت إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية نتيجة تقلب الفصول والهجمات المفاجئة من الآفات الزراعية المرتبطة بالدفء.
إجهاد المياه الجوفية: يتسبب التغير المناخي في تسريع استنزاف المياه الجوفية وتملحها.
– التهديدات الصحية والبيئية
اقرأ أيضا: هالاند يقود تشكيل مانشستر سيتي أمام بورنموث.. ومرموش بديلا
انتشار الأوبئة والأمراض: تهيئ درجات الحرارة المرتفعة بيئة مثالية لانتشار البعوض الناقل للأمراض مثل حمى الضنك، بجانب زيادة أمراض القلب والجهاز التنفسي.
ارتفاع منسوب البحار: يهدد ذوبان الجليد بغرق وتآكل المناطق الساحلية والدلتا، مثل دلتا النيل في مصر.
احترار وحموضة المحيطات: تمتص المحيطات كميات هائلة من الحرارة الزائدة، مما يدمر الشعاب المرجانية ويهدد الثروة السمكية وسلاسل الغذاء البحرية.

– الفرق بين الانقلاب المناخي و التغير المناخي
وفي هذا السياق، قال الدكتور مجدي علام، مستشار برنامج المناخ العالمي وأمين اتحاد خبراء البيئة العرب، إن الانقلاب المناخي يختلف تمامًا عن التغير المناخي، ويشكل خطورة على العالم، موضحًا أن التغير المناخي يتمثل في زيادة الحرارة بحدود الدرجتين أو الثلاث درجات.
وأضاف علام، أنه لا يمكن السيطرة على التغيرات المناخية كون انطلقت أسبابها دون توقف، فجميع أنواع الحرق منذ الثورة الصناعية وحتى الآن لم تتوقف مرورًا بالبترول والفحم وكل أنواع الوقود المستخدمة، وبالتالي تزداد نسب الكربون في الجو، وبعدها زيادة الاحتباس الحراري.
وتابع، أن الحرارة لا تستطيع حاليًا الخروج من الغلاف الجوي لسطح الأرض، وهو ما يُعرف بالاحتباس الحراري، وهذا الأمر يسبب تدمير حوالي 45% من النظم البيئية، موضحًا أن هناك فصلين مناخيين اختفيا، وهما الربيع والخريف، وأصبح يوجد طوال العام فصلي الصيف والشتاء فقط، وهذه تعد أزمة المناخ العالمية، ولن يعود الوضع إلى طبيعته إلا في حالة توقف دول العشرين «المسببة للتلوث عالميًا» عن هذا الحجم من حرق البترول والفحم ومشتقاتهم.

– التحديات البيئية
من جانبه، أكد المهندس عماد سعد، خبير المناخ ورئيس شبكة بيئة أبو ظبي، إن كلفة التخفيف من أسباب التغير المناخي أقل من كلفة التكيف، وبالتالي يمكن القول إن التخفيف والتكيف هما واجب وطني على الدول والشركات والمؤسسات والأفراد.
وأضاف أن لو سألنا عن التحديات البيئية التي تواجه الكوكب من حولنا، نجد أن هناك أسبابًا كثيرة وتحديات كثيرة، ولكن أنا ألخصها بتحديين رئيسيين، الأول هو نمط الإنتاج الجائر وغير المستدام، والثاني هو نمط الاستهلاك المستنزف وغير المستدام.

– انبعاثات الغاز الحراري
وتابع: «فرط الاستهلاك الذي تعيشه الشعوب من طعام وملابس وغيرها يؤثر سلبًا وبشكل مباشر على التغير المناخي، لأن عملية إنتاج السلعة، وبخاصة إذا علمنا أن 8% إلى 10% من انبعاثات الغاز الحراري ترتبط حصرًا بالغذاء غير المستهلك والمهدر من الطعام».
وشدد على أن هذا مؤشر في حد ذاته له دلالة على ضعف المسؤولية تجاه الأجيال التي لم تولد بعد: «نمط الاستهلاك الذي يستنزف موارد الأرض منتشر بين الكثيرين، وبخاصة الشريحة الوسطى والعالية في المجتمع، وفي النهاية لن يكون هناك أفراد ولا دول بمنأى عن آثار التغير المناخي».
اقرأ أيضا: الاحتلال الإسرائيلي يرفع علمه أعلى مئذنة مسجد أبو عبيدة شرق طولكرم