انتشر مقطع فيديو على نطاق واسع زُعم أنه يوثق لحظة مرور مركبات إسرائيلية بمدينة درعا جنوبي سوريا، وسط تفاعل من الأهالي، مما أثار موجة عارمة من ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي.
اقرأ أيضا: حزب الوفد يحيي ذكرى رحيل زعمائه التاريخيين ويستعرض محطات الكفاح الوطني
واللافت أن الحسابات الناشرة للمقطع زعمت أن “أهالي درعا رحبوا بالمركبات الإسرائيلية أثناء تجوالها في الشوارع”، وهو ما أثار موجة غضب واسعة، واستناد الحسابات إلى مقطع مصور أسهم في رفع مصداقية الادعاء وتسريع انتشاره.
ويُظهر المقطع مرور 3 سيارات مدرعة (جيبات عسكرية) إسرائيلية تتبعها سيارة بيضاء، بينما يتحدث مصور المقطع مع أحد أصدقائه، وهما يرددان “هلا هلا اتفضلوا”.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وتداولت المقطعَ حسابات بارزة على فيسبوك وإكس وتيك توك، مرفقا بعبارة “مركبات إسرائيلية تجوب شوارع سوريا وسط ترحيب السوريين”، وسط تساؤلات: أين الأمن العام والعشائر العربية؟
لقطة تثير الغضب
واستُهل تداول المقطع بشن هجوم لاذع على الحكومة السورية والرئيس أحمد الشرع، ودفع ذلك بعض المستخدمين إلى التساؤل: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة في جنوب سوريا؟
كما اتجهت حسابات أخرى إلى نشر المقطع مقرونا بادعاء يزعم أن رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير أعلن إنشاء منطقة دفاع أمامية بعمق 40 كيلومترا داخل سوريا، تشمل ريف درعا وريف دمشق، مما زاد من حدة الجدل.
أول ناشر للمقطع
أظهر البحث أن أول جهة نشرت المقطع (مؤرشف) مقرونا بهذا الادعاء هي قناة “آي نيوز” الفضائية العراقية، بتاريخ 21 أغسطس/آب الجاري، قبل أن تتناقله حسابات أخرى على نطاق غير مسبوق.
وأثار المقطع المتداول عدة شكوك؛ إذ لم تعثر وحدة المصادر المفتوحة بالجزيرة على أي زوايا تصوير أخرى للتوغل المزعوم وسط شوارع حيوية متداولة بالسياق نفسه.
كما يتضح عند التدقيق أن لهجة المتحدث في المقطع ليست سورية. يضاف إلى ذلك أن وسائل الإعلام السورية، التي عادة ما ترصد مثل هذه الأحداث، لم تتطرق إلى التوغل المزعوم.
تفكيك المقطع بصريا
وحللت وحدة المصادر المفتوحة المقطع بصريا، وخلصت إلى 4 عناصر رئيسية استُند إليها خلال التحقق: لون مركبة مميز، وشكل شاحنة نقل محروقات، ولافتة مقهى ظاهرة في خلفية المقطع، وواجهة محطة لتزويد المركبات بالوقود.
فعند البحث عن السيارة الأجرة الصفراء الظاهرة في المقطع باستخدام كلمات مفتاحية مختلفة، تبين أنها متداولة في عدد من المدن السورية، منها درعا، لكنها متداولة أيضا في دول عربية أخرى مثل فلسطين ومصر، مما دفعنا لاستبعاد هذه الفرضية، خصوصا أن لوحة السيارة غير واضحة في المقطع.
وبالبحث العكسي عن شكل شاحنة الوقود، ظهر أن شاحنات مشابهة لها في الشكل واللون متداولة في مناطق وبلدات بالضفة الغربية، مثل سلفيت وقباطية، من خلال مقاطع سابقة توثق شاحنات قريبة جدا في الشكل، وهي مختلفة تماما عن شاحنات المحروقات المعروفة في سوريا.
في حين أدى البحث عن العبارة الظاهرة على اللافتة في المقطع، وتحمل اسم “Hamodi Coffé”، إلى العثور على مقهى بالاسم والشعار (لوغو) والواجهة نفسها في بلدة قباطية في جنين، شمالي الضفة الغربية، وله حسابات على منصات التواصل الاجتماعي.

وتتطابق صور المقهى بشكل كامل مع شعار (لوغو) المقهى وشكله الذي ظهر في لقطة من المقطع المتداول على أنه من سوريا.
وقادنا حساب المقهى على إنستغرام إلى صفحة “شركة قباطية للمحروقات” على فيسبوك، وبالعودة إلى أرشيف صورها ظهر المقهى نفسه داخل محطة المحروقات، وهو ما يفسر ظهور شاحنة الوقود في المقطع، ويؤكد أن التصوير كان في شمال الضفة الغربية، ولا صلة له بدرعا السورية.

وبتتبع أرشيف الصفحة وجدنا شكل سيارات الأجرة باللون الأصفر نفسه داخل محطة المحروقات.
اقرأ أيضا: شرطة التموين تلاحق الغشاشين.. ضربات استباقية لمصانع حلوى المولد الفاسدة
المصدر الأصلي وحقيقة الرواية
وقاد البحث المعمق إلى المصدر الأصلي للمقطع، وهو حساب على تيك توك يعود لشاب فلسطيني من بلدة قباطية، نشره في العاشر من أغسطس/آب الجاري في سياق ساخر، مرفقا بعبارة: “لما تتعود عليهم بزيادة”، في إشارة إلى تكرار الاقتحامات الإسرائيلية للبلدة.
ولتعزيز التحقق، رصدنا زاوية تصوير أخرى لمقطع من الاقتحام نفسه على حسابات فلسطينية محلية في “تلغرام”، وتظهر سيارات الجيب العسكرية تتبعها سيارة بيضاء في اللقطة التي التقطت بتاريخ التاسع من أغسطس/آب الجاري، مما يؤكد قطعا أن المقطعين التقطا خلال الاقتحام ذاته.
من نشر الرواية المضللة؟
وتبين لوحدة المصادر المفتوحة أن الرواية المضللة روجت لها في الأساس حسابات وقنوات عراقية على منصات التواصل الاجتماعي.
كما أن بعضها تعمّد طمس إشارة الموقع الأصلية (قباطية) الظاهرة في الفيديو الأصلي، وهو ما يؤكد أن التضليل جاء بشكل متعمد.
لماذا صدق كثيرون الرواية؟
جاء تداول الفيديو بعد ساعات من تصعيد إسرائيلي شهدته محافظتا درعا وريف دمشق، تضمن حملات دهم وتوغلات وقصف مدفعي.
وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير قد تفقد جنوده المتوغلين في جنوب سوريا، وجاءت جولته بعد يوم واحد من شن الطيران الإسرائيلي 8 غارات جوية استهدفت مدرج مطار أبو الظهور العسكري المهجور في إدلب، مما أسفر عن أضرار مادية في بنيته التحتية.
ووجهت وزارة الخارجية السورية رسالتين متطابقتين إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة مجلس الأمن، أدانتا بأشد العبارات ما وصفتاه بـ”الاعتداء السافر” الذي شنه الاحتلال الإسرائيلي على المطار.
واعتبرت دمشق أن إسرائيل تحاول “إعادة الساعة إلى الوراء” عبر اعتداءات مستمرة على سيادة سوريا، ضاربة بالقوانين والأعراف الدولية عرض الحائط، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن.
اقرأ أيضا: موقف بنتايج ومحمد إسماعيل من لقاء الزمالك والبنك الأهلي