«فورين أفيرز»: انتهاء دور الشرق الأوسط الأمريكي  

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لطالما تناولت عدد من التقارير والخبراء الغربيين، تراجع  الوجود الأمريكي بالمنطقة، إلا أن تقرير لمجلة فورين أفيرز لكاتبها مارك لينش أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، يذهب إلي أبعد من ذاك، معتبرًا أن دور “الشرق الأوسط الأمريكي” قد انتهي، مشيرا إلي أن هذا النظام الذي نشأ  في أعقاب الغزو العراقي للكويت  عام 1991، والتدخل الأمريكي لتحريرها بعملية “عاصفة الصحراء”، أصبح أحد أبرز ضحايا الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران.

اقرأ أيضا: أوجاع على ضفاف النيل.. النهر ينحسر وسلة غذاء السودان خاوية | أخبار

حيث يوضح مارك لينش ، في تقريره ، أن هذا التحول ليس وليد الصدفة بل نتاج تراجع قدرة الولايات المتحدة لعقود في إدارة أزمات المنطقة، حيث أثبتت جولتي الحرب على إيران، فشل أمريكا وإسرائيل في إزاحة النظام الإيراني. هذا الفشل  لم يتوقف عند حدود الحرب، بل امتد إلي علاقة واشنطن بحلفائها في الخليج، وعجزها عن حمايتهم أو الحفاظ علي جعل مضيق هرمز مفتوحًا.

كما أنه قوّض بشكلٍ خطير الاتفاق الأمني ​​الأساسي الذي برر شبكة قواعدها العسكرية بالمنطقة. 

اقرأ أيضًا| باحث سياسي: ترامب يلجأ للضغط الاقتصادي بدلًا من المواجهة العسكرية مع إيران

 

فشل التقديرات العسكرية الأمريكية

وتطرق تقرير « فورين أفيرز» إلى القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن التصعيد الإسرائيلي المتزايد، وتخليها عن أي تظاهر بالرغبة في التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، مهمة واشنطن التي استمرت لفترة طويلة، والمتمثلة في الجمع بين حلفائها العرب وإسرائيل في شراكة أمنية مستدامة. 
ولكن حرب دونالد ترامب الأخيرة أوصلت هذه الاستراتيجية إلي نهايتها .

ووفق التقرير، فإن مهندسي هذه المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط  فشلوا في تقدير ما يمكن أن تحققه القوة العسكرية، وقللوا من شأن قدرة الخصوم على التكيف، وافترضوا أن الحلفاء سيلتزمون بموقفهم، وتجاهلوا بلا مبالاة أرواح المواطنين العزل، إذ لم تكن مغامرة واشنطن الفاشلة استثناءًا بقدر ما كانت التعبير الأمثل عن الخلل الجوهري في استراتيجيتها تجاه الشرق الأوسط.

ويشبه لينش، الحقبة الحالية بما حدث في أزمة السويس عام 1956 ، باعتبارها آخر أنفاس القوة الإمبريالية البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط، فبرغم أن الوصول إلى تلك النهاية الحتمية استغرق سنوات، إلا أن  الهيمنة الأمريكية لن تختفي فجأة؛ فقد يصاحبها شراء أسلحة من حلفائها بالخليج أوضمانات أمنية أخري، لكن الشكوك المتراكمة منذ زمن طويل حول القوة الأمريكية وغاياتها قد بلغت ذروتها، ولن تُصلح جولة أخرى من القتال  ما حدث من شرخ حتي ولو انتخب رئيس أمريكي آخر.

محذرًا، من أن السنوات المقبلة قد  تتصاعد فيها الخلافات، في ظل سعي إسرائيل لتوسيع نفوذها الإقليمي، وإصرار إيران على الدفاع عن نفوذها وتوسيعه، مع محدودية قدرة واشنطن على كبح الطرفين. ومع استمرار النظام الإيراني، يُرجح أن تنخرط طهران وواشنطن في صراعات «المنطقة الرمادية» الممتدة، بما يعمق حالة الفوضى والعنف بالمنطقة.

 

أسباب الهيمنة وحالة الانقسام

يقول لينش أن بعد حرب 1991، انتهزت واشنطن الوضع في منطقة طال أمد الصراع فيها، لترسيخ نظام تهيمن عليه وقامت بإنشاء القواعد العسكرية وإرساء ترتيبات أمنية لاحتواء طهران وبغداد، وجعلت من نفسها قوة لا يمكن الاستغناء عنها.

ولإضفاء الشرعية على دورها كقوة تتجاوز مجرد الهيمنة العدوانية، أطلقت واشنطن عملية السلام العربية- الإسرائيلية على أمل دمج حلفائها العرب وإسرائيل في إطار أمني مشترك. وكانت النتيجة منطقة منقسمة بين كتلتين: الأولي:تقودها الولايات المتحدة تضم إسرائيل وتركيا ومعظم الدول العربية.

-الثانية: كتلة معارضة أقل رسمية تضم إيران وسوريا في ظل حكم الأسد، وجماعات غير حكومية مثل حماس وحزب الله والحوثيين. 

وظل هذا الهيكل ثابتاً بشكل ملحوظ على مدى ثلاثة عقود من التغيرات الجذرية في السياسة العالمية والإقليمية والأمريكية.

 

مكاسب واشنطن مقابل خسائر شعوب المنطقة 

ووفقاً للرواية الأمريكية، فقد وفر هذا النظام قدراً من الاستقرار مع حماية المصالح الأمريكية الأساسية مثل تجارة النفط والأمن الإسرائيلي ومكافحة الإرهاب، خاصة وأن المكاسب الاستراتيجية بدأت تجنيها من هذا النظام مبررة تكاليف الحروب اللازمة للحفاظ عليه. 

لكن تلك المكاسب لم يستفيد منها سوي مصالح واشنطن، إذ علي النقيض كان الثمن باهظًا للغاية بالنسبة لسكان المنطقة، فقد شهدت السنوات الخمس والثلاثون الماضية دخول إسرائيل في حروب عديدة أصغر حجمًا ضد جيرانها الأضعف منها بكثير، وانهيار عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية تمامًا، وهجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، ثم قيام إسرائيل بتدمير غزة. 

في العراق، فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على مدى اثني عشر عامًا، وقصفًا متقطعًا، وجهودًا فاشلة لتغيير الأنظمة ومكافحة الانتشار النووي، أعقبها الغزو والاحتلال الكارثي عام 2003، وكل ذلك بتكلفة بشرية باهظة، وتحت القيادة الأمريكية، دمرت حروب كارثية لبنان وليبيا والسودان وسوريا واليمن.

اقرأ أيضًا| ترامب: لا أحد يريد أن يكون رئيساً في إيران في الوقت الحالي

 

فخ الهيمنة من كلينتون لترامب 

يتابع الكاتب أن الإدارات الأميركية المتعاقبة وقعت في الفخ الذي نصبته حول عنقها،  فكل رئيس منذ بيل كلينتون تولى منصبه متعهدًا بتقليص التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، ووجد نفسه منجرفًا إلى السياسات والحروب نفسها.

قد تبدو الأزمة المزدوجة المتمثلة في تدمير إسرائيل لغزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران مجرد حلقة أخرى في هذه الدورة. لكن في الحقيقة، وجهت هذه الأحداث مجتمعة ضربة قاضية للشرق الأوسط الأمريكي. فقد قضى الدعم الأمريكي للعدوان الإسرائيلي على غزة، لا سيما في عهد الرئيس جو بايدن، على أي سلطة معنوية متبقية للولايات المتحدة. أما هزيمة ترامب في إيران فقد حطمت وهم الهيمنة العسكرية الأمريكية المطلقة. وقد أظهر كلا الحادثين للدول العربية افتقارها إلى نفوذ حقيقي في النظام الإقليمي، وتضاؤل ​​جدوى الضمانات الأمنية الأمريكية.

حيث أدي فشل المسؤولون الأمريكيون في عهدي بايدن وترامب في إدراك الآثار المدمرة للحرب الإسرائيلية على غزة. كان لديهم رأي مشترك مفاده أن آراء القادة الإقليميين هي وحدها المهمة، وأن هؤلاء القادة قد نسوا الفلسطينيين منذ زمنٍ طويل، وأنهم يتوقون إلى علاقاتٍ أوثق مع إسرائيل القوية وإلى ضماناتٍ أمنيةٍ أقوى تُقدمها الولايات المتحدة كحوافز، جسدتها رؤية قصيرة البعد في إدارة بايدن وسعيه العبثي للتوسط في تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، حتى بعد أن أدي ارتفاع عدد القتلى في غزة إلي حالة من الغضب المتنامي لدى الرأي العام العربي.

 

-الاتفاقات الإبراهيمية وتضاءل ثقة الحلفاء

إذا كانت الحرب في غزة قد تركت مستقبل القيادة الإقليمية الأمريكية موضع شك، فإن الحرب مع إيران كانت بمثابة تأكيد على نهاية هذا النظام. استشاط قادة الخليج غضبًا لأن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا الحرب دون استشارتهم، مع علمهما بمعارضتهم لها، وفي خضم مفاوضات مع إيران بوساطة عُمانية. 

اقرأ أيضا: تواجد ربيعة.. العين يستضيف خور فكان في الدوري الإماراتي

استهدفت إيران جميع دول الخليج، بما فيها دولًا أكثر ودًا كعُمان وقطر، لكنها ركزت قصفها على الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام: البحرين، والإمارات العربية المتحدة بشكل خاص. في غضون أسابيع قليلة، تمكنت إيران من إلحاق أضرار بالغة، أو تدمير، أو تعطيل أجزاء كبيرة من مجموعة القواعد العسكرية التي دعمت الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط.

تضاءلت ثقة الحلفاء في واشنطن أكثر عندما فشلت الحملة الأمريكية الإسرائيلية في إزاحة النظام الإيراني، والذي حُذر لعقود من عواقبه والفوضي التي قد تلحق به ، بالإضافة إلى ذلك ، وقفت الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي بينما أغلقت إيران مضيق هرمز، مُهددة اقتصاد الخليج بأكمله.

وما زاد الأمر سوء، عندما قصفت منشآت تخزين المياه الإيرانية، وقصفت إسرائيل مستودعات النفط الإيرانية. كانت واشنطن تُقامر بمستقبل شركائها؛ فلو ردت طهران بضرب منشآت المياه أو مواقع الطاقة النووية في الخليج، لكانت دوامة التصعيد الناتجة قد انتهت بكارثة اقتصادية تُهددهم، ودمار بيئي هائل يجعلها غير صالحة للسكن. ما استنتجته دول الخليج من كل هذا هو أن الضمانات الأمنية الأمريكية، جوهر الاتفاق الإقليمي، لم تعد موثوقة

 

-الدبلوماسية وحصن الأمن الجماعي

ويشدد الكاتب، إذا كانت تريد الولايات المتحدة الاستقرار للشرق الأوسط فعليها الانخراط في عملية دبلوماسية لضمان الأمن الجماعي،  وإدخال إيران في منظومة الأمن الإقليمي كشريك فاعل. 

مشيرا إلي أن دول الخليج قد تكون منفتحة على هذا النهج رغم غضبها من الهجمات الإيرانية الأخيرة، خاصة وأن هناك تجارب سابقة لاتفاقات كان أحدثها، المحادثات بين السعودية وإيران والتي أدت إلى تقارب في عام ٢٠٢٣ بعد جولة سابقة من العدوان الإيراني. 

كما سبق وأن طرحت إدارة أوباما رؤية مماثلة أثناء مفاوضاتها بشأن الاتفاق النووي الإيراني لعام ٢٠١٥، بل إن نائب الرئيس جيه دي فانس قد تحدث بالفعل عن استعداده “لإحداث تحول جذري” في علاقة الولايات المتحدة مع إيران في أعقاب اتفاق جديد. الطموح موجود، لكن على الإدارة الجديدة أن تُثبت سريعًا وبحزم عزمها على المضي قدمًا في تحقيقه.

 

إعادة النظر في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية 

ويلفت لينش، أنه يجب إعادة ضبط السياسة الأمريكية أيضًا في طريقة تعاملها مع حلفائها، بما في ذلك إسرائيل، خاصة وأن الظروف مواتية لإعادة النظر في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية: فبحسب استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك ونُشر في يونيو الماضي، يعتقد ما يقرب من ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلين أن الولايات المتحدة تُفرط في دعم إسرائيل. وفي منتصف يوليو، صوت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب لصالح مشروع قانون لقطع المساعدات العسكرية الأمريكية عن إسرائيل.

لذلك ينبغي للإدارة القادمة استغلال هذا الزخم لممارسة الضغط على إسرائيل، وهو الضغط الذي لطالما تجنبته الحكومات الأمريكية. فيتعين عليها أن تُطالب إسرائيل باحترام حقوق الإنسان في جميع الأراضي التي تسيطر عليها، ووقف التوسع التدريجي للضفة الغربية، وإنهاء تدخلاتها المزعزعة للاستقرار في لبنان وسوريا.

 على نطاق أوسع، يتطلب الاستقرار على المستوى الإقليمي أن تعيد الولايات المتحدة التزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأن تعارض الحركات الانفصالية في دول مثل سوريا واليمن، وأن تردع التدخلات العسكرية والحروب بالوكالة التي قد تشنها الدول الشريكة في مناطق مثل السودان وليبيا، وأن تكف عن حث الحكومتين العراقية واللبنانية على نزع سلاح الميليشيات العراقية وحزب الله قبل أن تكونا على أتم الاستعداد لذلك.

اقرأ أيضًا| المركزية الأمريكية: نشر أكثر من 20 سفينة حربية لفرض الحصار على إيران

اقرأ أيضا: انس كل ما تعرفه عن لدغات الأفاعي.. العلم يرسم خريطة النجاة | علوم

‫0 تعليق

اترك تعليقاً