من الأزبكية إلى القلعة.. أسرار احتفالات المولد النبوي عبر التاريخ

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

حين تقترب ذكرى المولد النبوي الشريف، تتغير ملامح الشوارع والأسواق المصرية، وتظهر واحدة من أشهر مظاهر الاحتفال التي ارتبطت بوجدان المصريين عبر أجيال متعاقبة.. عروسة المولد وحصانه، وبينما يراهما الأطفال حلوى وألعابًا تحمل ألوانًا وأشكالًا مبهجة، تحمل هذه الرموز حكايات متداخلة مع التاريخ والتراث الشعبي المصري.

اقرأ أيضا: 13 مواجهة نارية للفراعنة في افتتاح البطولة العربية للمواي تاي

ويؤكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن المناسبات الدينية والاحتفاء بها جزء لا يتجزأ من ذاكرة المصريين وهويتهم، وتمثل أحد أسرار تماسك قوى الشعب، لارتباطها بتاريخ عريق وذكريات استمرت وعاشت في الوجدان طوال هذه السنين، ومن بينها ذكرى المولد النبوي الشريف وصناعة العروسة والحصان.

 

◄ عروسة المولد.. حكاية تمتد عبر الزمن

 

وعن أصول العروسة والحصان، يوضح الدكتور ريحان أنهما يرتبطان بتصورات تراثية تعود إلى أسطورة إيزيس وأوزوريس، حيث جاء حصان المولد مستوحى من تمثال «حورس» راكبًا الحصان وممسكًا بالسيف لقتل رمز الشر «ست»، الذي صُوّر على هيئة تمساح.

أما عروسة المولد بكرانيشها الملونة، فيرى ريحان أنها مستوحاة من جناح إيزيس الملون، ولم يتوقف هذا التصور عند الحقبة المصرية القديمة، بل استمر خلال الفترة المسيحية في مصر، حيث صنع مسيحيو مصر العروسة في مصانع بمنطقة أبو مينا بكينج مريوط بالإسكندرية، وكانت ترمز في المسيحية إلى النفس البشرية، كما كانت اللعبة المفضلة للبنات.

وفي المقابل، صُوّر الفارس باعتباره البطل الذي يمتطي جواده ويطعن الشر بحربته، وهي الصورة التي استوحاها المسيحيون من النحت الذي يمثل حورس وهو يطعن «ست» رمز الشر.

 

◄ السكر يجمع المصريين في الاحتفال

 

ويلفت الدكتور ريحان إلى أن المسيحيين في مصر كانوا متقدمين في صناعة السكر منذ إنشاء أول مصنع عام 1811، كما قامت عائلات مسيحية شهيرة بزراعته، وأنشئت مصانع للسكر في أبو قرقاص وملوي بمحافظة المنيا.

وشهد العصر الفاطمي عملًا دؤوبًا من المسلمين لإحياء مصانع الحلوى بمدينة أبو مينا التي أغلقت أبوابها، وصادف ذلك احتفالهم بالمولد النبوي الشريف، فبدأ العمال المسيحيون في استئناف نشاطهم وصنعوا العروسة والفارس الممتطي الحصان ليفرح بهما الأطفال المسلمون والمسيحيون، بعيدًا عن أي مدلولات دينية.

ثم صنعت العروسة والحصان من الحلوى وخامات مختلفة ضمن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وأصبحت احتفالات المولد ذات طابع قومي، يحتفل بها كل شعب مصر بنسيجه الوطني من المسلمين والمسيحيين.

 

◄ المولد النبوي.. احتفال يجمع المصريين

 

ويشير ريحان إلى أن الباحث الفرنسي «إدوارد ليم لين» تعجب من احتشاد المسيحيين لمشاهدة حلقات المنشدين حتى آذان الفجر، وكأن مصر مجتمعة كلها، بداية من الأمير وولي العهد في سرادقه، وصولًا إلى المزارعين والعمال والصناع، للاحتفال بالمولد النبوي الشريف.

 

اقرأ ايضا| من العروسة والحصان إلى «شاورما الملبن».. حلوى المولد تدخل عصر الابتكار

 

ويكشف هذا الوصف عن المكانة التي احتلتها احتفالات المولد في الحياة الاجتماعية المصرية، باعتبارها مناسبة شعبية واسعة تتجاوز حدود الفئات والطبقات.

 

◄ بركة الأزبكية.. سرادقات وذكر حتى الفجر

 

وعن احتفالية المولد النبوي، يرصد الدكتور ريحان، من خلال دراسة أثرية تاريخية للدكتور علي أحمد إبراهيم، أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة السابق، أن الحملة الفرنسية رصدت احتفالًا بالمولد النبوي الشريف في الساحة الرحبة ببركة الأزبكية.

وكانت السرادقات تُنصب للدراويش، وتقام حلقات الذكر للمنشدين طوال الليل، بينما يجتمع الناس لمشاهدة المهرجين.

كما كان الخليفة الفاطمي يخرج راكبًا حصانه، ومن خلفه سيدة القصر في هودجها، في موكب مهيب يبدأ من قصر الخلافة حتى مشهد الحسين رضي الله عنه.

 

اقرأ ايضا| المولد النبوي.. ذكرى تسكن القلوب وتضيء المساجد بأنوار السيرة

 

ومن هذا الموكب، بحسب ما يوضح الدكتور ريحان، قد تكون ظهرت الصورة التي عُرفت لاحقًا بحصان المولد وعروسة المولد، إذ صنع المصريون من السكر أشكالًا للحصان والعروسة التي لا تزال موجودة حتى الآن.

 

◄ «خيمة المولد».. احتفال السلطان في القلعة

 

ولم تكن مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي مقتصرة على الأسواق والشوارع، بل كان للسلطان طقوسه الخاصة، ففي ليلة الاحتفال بالمولد النبوي، كان السلطان يقيم خيمة بالحوش السلطاني في القلعة، ذات أوصاف خاصة، عُرفت باسم «خيمة المولد».

ويذكر ابن إياس أنها كانت من عجائب الدنيا، وأن أول من وضع هذه الخيمة كان السلطان المملوكي الجركسي قايتباي.

اقرأ أيضا: الرعاية الصحية بالإسماعيلية تتابع مؤشرات التشغيل وجودة الخدمات بالمنشآت التابعة

ووُصفت الخيمة بأنها زرقاء اللون، على شكل قاعة تضم ثلاثة أواوين، وفي وسطها قبة مقامة على أربعة أعمدة، وبلغت تكلفتها نحو ثلاثين ألف دينار.

وكان نصب الخيمة يحتاج إلى ثلاثمائة رجل، بينما توضع عند أبوابها أحواض من الجلد تملأ بالماء المحلى بالسكر والليمون، وتُعلق حولها أكواب فاخرة مصنوعة من النحاس الأصفر ومزينة بالنقوش الجميلة، وتُربط الأكواب بسلاسل من النحاس.

ويصطف حولها عدد من غلمان الشربخانة لمناولة الوافدين من الناس، دون فرق بين صغير وكبير، واستمرت إقامة هذه الخيمة حتى العصر العثماني.

 

◄ الحلوى والقمح.. طقوس اليوم الأخير

 

وفي الليلة الختامية للاحتفال، كان المقرئون يظهرون براعتهم في تلاوة آيات الذكر الحكيم، فيتعاقب واحد بعد الآخر. وبعد صلاة المغرب، كانت تُمد الحلوى السكرية المختلفة الألوان، بينما في صباح يوم المولد كان السلطان يوزع كميات من القمح على الزوايا.

وهكذا امتزجت مظاهر الاحتفال الدينية والاجتماعية بالطعام والحلوى والعطاء، لتتحول المناسبة إلى طقس شعبي واسع الحضور.

 

◄ نابليون والمولد النبوي

 

ولا تخلو ذاكرة الاحتفال بالمولد من تفاصيل سجلها المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، الذي عاش في زمن الحملة الفرنسية على مصر.

ويذكر الجبرتي أن نابليون بونابرت اهتم بإقامة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سنة 1213هـ/1798م، من خلال إرسال نفقات الاحتفالات وقدرها 300 ريال فرنسي إلى منزل الشيخ البكري، نقيب الأشراف في مصر، بحي الأزبكية.

كما كانت تُرسل الطبول الضخمة والقناديل، وفي الليل تقام الألعاب النارية احتفالًا بالمولد.

 

◄ عروسة وحصان.. ذاكرة شعب

 

وبين العروسة ذات الكرانيش الملونة، والحصان الذي يحمل صورة الفارس، والسرادقات وحلقات الذكر، والحلوى السكرية والمواكب، تبدو احتفالات المولد النبوي في مصر أكثر من مجرد مناسبة دينية.

إنها صورة من صور الذاكرة الشعبية التي احتفظ بها المصريون عبر الزمن، وتداخلت فيها عناصر التاريخ والفن والحلوى والعادات الاجتماعية، حتى أصبحت عروسة المولد وحصانه من أشهر رموز الاحتفال التي يعرفها المصريون، ويترقبها الأطفال والكبار مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف كل عام.

اقرأ أيضا: برلماني يطالب بتعميم «الاسترداد الذكي» للمخلفات على مستوى المحافظات

‫0 تعليق

اترك تعليقاً