استنزاف الذخائر الأمريكية يثير مخاوف بشأن قدرة واشنطن على ردع الصين وحماية تايوان

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

كتبت: دينا يحيي الأدغم 

اقرأ أيضا: الإمارات تعلن وقف التبادل التجاري والمالي مع إيران | أخبار

تواجه الولايات المتحدة تحديًا متزايدًا يتمثل في تراجع مخزونات بعض الذخائر والصواريخ المتقدمة، في وقت تتصاعد فيه المخاوف بشأن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ولا سيما حول تايوان.

ويأتي هذا القلق في أعقاب الاستهلاك الكبير للذخائر الأمريكية خلال العمليات العسكرية الأخيرة، بالتزامن مع استمرار دعم واشنطن لحلفائها وشركائها، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية على إعادة بناء المخزونات بالسرعة التي تفرضها التطورات الأمنية.
وكانت وكالة Reuters قد أفادت في أغسطس بأن الجيش الأميركي استهلك جزءًا كبيرًا من مخزونه العالمي من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى خلال الحرب مع إيران، وهو ما أثار مخاوف بشأن جاهزية القوات الأميركية لأي صراع مستقبلي.
وتتوافق هذه المخاوف جزئيًا مع ما طرحه مقال نشرته The National Interest بعنوان How US Munition Depletion Puts Taiwan at Risk، والذي يحذر من أن انخفاض المخزونات الأميركية قد يمثل عامل ضغط على قدرة واشنطن على دعم تايوان في حال اندلاع مواجهة مع الصين.
مخزونات محدودة أمام صراعات متعددة
لا ترتبط المشكلة فقط بحجم الأسلحة الموجودة في الترسانة الأميركية، وإنما أيضًا بسرعة إنتاجها وإعادة تخزينها. فالصراعات الحديثة أثبتت أن الذخائر الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي يمكن استهلاكها بمعدلات تفوق بكثير قدرة خطوط الإنتاج التقليدية على التعويض.
وأشارت وكالة AP مؤخرًا إلى أن وزارة الدفاع الأميركية تضغط على شركات الدفاع لتسريع إنتاج الأسلحة، في ظل نقص حاد في بعض الذخائر، ولا سيما صواريخ الاعتراض المتقدمة.
كما كشفت Reuters أن الولايات المتحدة أبرمت في يوليو عقدًا تصل قيمته إلى 58.6 مليار دولار لتعزيز إنتاج صواريخ Patriot PAC-3، مع خطط لزيادة الطاقة الإنتاجية بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة.
وفي خطوة أخرى لتعويض المخزونات، أعلنت واشنطن في أغسطس عقدًا بقيمة 22.9 مليار دولار مع شركة Raytheon لزيادة إنتاج صواريخ Tomahawk من عشرات الصواريخ سنويًا إلى أكثر من ألف صاروخ سنويًا.
تايوان في قلب الحسابات الأميركية
تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى تايوان، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم العسكري الأميركي لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة الضغوط الصينية.
وتشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS إلى وجود تراكم كبير في عمليات تسليم الأسلحة الأميركية إلى تايوان، بقيمة تقارب 32 مليار دولار، بينما تحتاج الولايات المتحدة وتايوان إلى زيادة إنتاج المنصات والذخائر بكميات كبيرة إذا أرادتا الاستعداد لصراع طويل الأمد في منطقة المحيط الهادئ.
وكانت المخاوف بشأن تأثير الحرب في الشرق الأوسط على تايوان قد ظهرت في وقت سابق من العام، بعدما أفادت Reuters في مارس بأن مسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترامب أكدوا أمام الكونغرس أن الحرب مع إيران لم تؤدِ إلى تأخير شحنات الأسلحة إلى تايوان، رغم المخاوف المتعلقة بالمخزونات الأميركية.
لكن التطورات اللاحقة أعادت القضية إلى الواجهة، مع تقارير عن ضغوط على المخزونات الأميركية وضرورة إعادة بناء القدرات قبل خوض حرب كبرى أخرى.
هل يعني ذلك أن الردع الأميركي أمام الصين ينهار؟
رغم خطورة أزمة الذخائر، فإن القول إن الولايات المتحدة أصبحت غير قادرة على الدفاع عن تايوان سيكون استنتاجًا مبالغًا فيه.
فقد خلص تحليل حديث لمعهد Brookings إلى أن انخفاض مخزونات الذخائر يمثل مشكلة حقيقية ويحتاج إلى معالجة سريعة، لكنه لا يعني بالضرورة انهيار الردع الأميركي تجاه الصين؛ إذ إن قرار بكين بشأن تايوان يعتمد على مجموعة واسعة من العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية، وليس على حجم المخزون الأميركي وحده.
وفي الوقت نفسه، تعمل واشنطن على زيادة الإنتاج الدفاعي. فالعقود الجديدة الخاصة بصواريخ Patriot وTomahawk، إلى جانب الاتفاقات الرامية إلى زيادة إنتاج مكونات صواريخ الاعتراض، تعكس تحولًا واضحًا نحو إعادة بناء المخزونات وتوسيع القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية.
تايوان تعزز قدراتها الذاتية
في المقابل، لا تنتظر تايوان وحدها الدعم الأميركي، إذ تتجه إلى زيادة إنفاقها الدفاعي وتعزيز قدراتها المحلية.
وأعلن الرئيس التايواني لاي تشينغ-تي مؤخرًا عن ميزانية دفاع قياسية لعام 2027 تتجاوز 1.1225 تريليون دولار تايواني، بما يزيد على 3% من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكدًا أن تعزيز القدرات العسكرية يمثل استثمارًا في السلام.
وتتضمن الاستراتيجية التايوانية تطوير قدرات محلية في مجال الصواريخ والذخائر، إلى جانب تعزيز الدفاع الجوي والقدرات البحرية وغير المتماثلة، بهدف تقليل الاعتماد الكامل على الإمدادات الخارجية في حال نشوب أزمة.
معركة الإنتاج قد تكون حاسمة
تكشف أزمة الذخائر الأميركية عن جانب أكثر تعقيدًا من التنافس العسكري بين واشنطن وبكين؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد الطائرات والسفن والصواريخ التي تمتلكها كل دولة، وإنما بقدرتها على إنتاج الذخائر وتعويض الخسائر والاستمرار في القتال لفترة طويلة.
ويحذر مركز CSIS من أن الصراعات الحديثة تستهلك الذخائر الهجومية بعيدة المدى وأنظمة اعتراض الصواريخ بوتيرة أسرع من قدرة القاعدة الصناعية الأميركية الحالية على تعويضها، ما يجعل توسيع القدرة التصنيعية جزءًا أساسيًا من استراتيجية الردع.
ومن ثم، فإن المخاوف التي أثارها تقرير The National Interest لا تعني بالضرورة أن تايوان أصبحت مكشوفة عسكريًا، لكنها تسلط الضوء على نقطة استراتيجية شديدة الأهمية: في أي مواجهة محتملة مع الصين، لن يكون التفوق التكنولوجي الأميركي وحده كافيًا، بل ستصبح القدرة على إنتاج الذخائر بسرعة وبكميات ضخمة عاملًا حاسمًا في نتيجة الصراع.
وبينما تسعى واشنطن إلى إعادة بناء مخزوناتها، وتعمل تايوان على تعزيز دفاعها الذاتي، تظل قدرة الولايات المتحدة على تحويل قوتها الصناعية إلى إنتاج عسكري سريع ومستدام أحد أبرز الاختبارات التي ستحدد مستقبل الردع الأميركي في مضيق تايوان.

اقرأ أيضا: اتفاق مكة للدفاع المشترك.. تحول في معادلة الأمن الإقليمي

‫0 تعليق

اترك تعليقاً