اتفاق مكة للدفاع المشترك.. تحول في معادلة الأمن الإقليمي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

كتبت : دينا يحيي الأدغم 

اقرأ أيضا: على ظهر مُدرعة وسط استقبال شعبي.. هل عاد العليمي من السعودية إلى اليمن؟ | أخبار

يمثل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تطورًا لافتًا في خريطة الأمن الإقليمي، في ظل تصاعد التوترات الأمنية في الشرق الأوسط وتزايد توجه دول المنطقة نحو تعزيز قدراتها الدفاعية وتوسيع شراكاتها الاستراتيجية.

ووقعت الدول الثلاث الاتفاق في مكة المكرمة، متضمنًا مبدأً أساسيًا يقوم على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة هجومًا عليها جميعًا، بما يعزز مفهوم الردع الجماعي والتعاون الدفاعي المشترك.

وبحسب وكالة أسوشيتد برس (AP)، فإن الاتفاق يهدف إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني بين الدول الثلاث، مع تأكيد أطرافه أن طبيعته دفاعية ولا يستهدف دولة بعينها.

ترامب يدعم الاتفاق

حظي الاتفاق بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في موقف يعكس، وفقًا للسفير الأميركي السابق لدى السعودية مايكل راتني، توجهًا طويل الأمد لدى ترامب يدعو دول المنطقة إلى تحمل قدر أكبر من المسؤولية عن أمنها.

وقال راتني، في تصريحات لـالعربية الإنجليزية (Al Arabiya English)، إن دعم ترامب لاتفاق مكة يتماشى مع رؤيته بشأن ضرورة أن تتحمل الدول الإقليمية مسؤولية أكبر عن أمنها، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على الولايات المتحدة.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط نقاشًا متزايدًا حول تقاسم الأعباء الأمنية بين واشنطن وحلفائها وشركائها الإقليميين.

هل يمثل الاتفاق «ناتو شرق أوسطيًا»؟

ورغم أن مبدأ الدفاع المشترك في الاتفاق يذكّر بالمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، التي تعتبر الهجوم على عضو هجومًا على الحلف بأكمله، فإن مسؤولين من الدول الثلاث شددوا على أن الاتفاق لا يمثل تحالفًا عسكريًا موجهًا ضد دولة محددة.

ونقلت أسوشيتد برس عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تأكيده أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو أي دولة أخرى، وأن الهدف منه تعزيز الاستقرار والأمن المشترك.

كما وصف مسؤولون باكستانيون الاتفاق بأنه دفاعي بحت، مع الإشارة إلى إمكانية انضمام دول أخرى إليه مستقبلًا.

ويعني ذلك أن مقارنة الاتفاق بحلف الناتو تظل توصيفًا تحليليًا أكثر منها وصفًا رسميًا لطبيعته.

ماذا تضيف الدول الثلاث إلى الاتفاق؟

يجمع الاتفاق بين ثلاث دول تمتلك قدرات ومزايا استراتيجية مختلفة.

فتركيا عضو في حلف الناتو وتمتلك قاعدة صناعية دفاعية متطورة وقدرات عسكرية واسعة، بينما تمثل السعودية قوة سياسية واقتصادية رئيسية في الخليج وتمتلك إنفاقًا دفاعيًا مرتفعًا وشبكة واسعة من الشراكات العسكرية.

أما باكستان، فتمتلك جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية واسعة، إضافة إلى كونها الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة التي تمتلك أسلحة نووية.

وترى أسوشيتد برس أن الجمع بين هذه القدرات المختلفة يمنح الاتفاق أهمية استراتيجية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الدول الثلاث أصبحت تحالفًا عسكريًا متكاملًا على غرار «الناتو».

إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي

ويرى مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) أن الاتفاق قد يكون مؤشرًا على تغير أوسع في النظام الأمني بالشرق الأوسط، مع اتجاه القوى الإقليمية إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر اعتمادًا على قدراتها وشراكاتها الخاصة.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للسعودية، التي تسعى خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية وعدم حصر علاقاتها الأمنية في طرف دولي واحد.

كما يعكس الاتفاق تنامي الدور الإقليمي لتركيا وباكستان، ويمنح الدول الثلاث إطارًا جديدًا للتنسيق في مواجهة التحديات الأمنية، بما في ذلك التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة والإرهاب والهجمات السيبرانية.

اقرأ أيضا: فرنسا تطرد دبلوماسيين إيرانيين خلال أيام

ماذا يعني الاتفاق للولايات المتحدة؟

لا يعني دعم ترامب للاتفاق بالضرورة تراجع الدور الأميركي في الشرق الأوسط، لكنه قد يعكس تحولًا نحو نموذج أمني يقوم على تقاسم المسؤوليات والأعباء.

ويشير تحليل السفير الأميركي السابق مايكل راتني إلى أن واشنطن ترغب في أن تتحمل الدول الإقليمية جانبًا أكبر من مسؤولية الدفاع عن مصالحها وأمنها، مع استمرار العلاقات والشراكات الأمنية الأميركية.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اتفاق مكة باعتباره متوافقًا مع مبدأ يدفع الحلفاء والشركاء إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية بدلًا من الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية.

اتفاق ذو أبعاد تتجاوز الجانب العسكري

ولا تقتصر أهمية اتفاق مكة على بنوده الدفاعية، إذ يحمل أيضًا رسالة سياسية بشأن قدرة القوى الإقليمية على إنشاء ترتيبات أمنية مستقلة نسبيًا.

ويرى المجلس الأطلسي (Atlantic Council) أن الاتفاق يوفر للسعودية خيارات إضافية لتعزيز أمنها وتنويع شراكاتها، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة في موازين القوى.

وفي المقابل، تظل فعالية الاتفاق مرتبطة بمدى ترجمة مبدأ الدفاع المشترك إلى آليات عملية واضحة، وبكيفية تعامل الدول الثلاث مع أي تهديد مستقبلي.

وبالتالي، فإن اتفاق مكة لا يمثل بالضرورة ميلاد «ناتو شرق أوسطي»، لكنه يشكل خطوة مهمة باتجاه إعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي، بحيث تتحمل القوى الإقليمية دورًا أكبر في حماية أمنها، بالتوازي مع استمرار علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى.


 

اقرأ أيضا: كوريا الشمالية تندد بالتدريبات العسكرية بين أمريكا وكوريا الجنوبية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً