جريمة 15 مايو.. تحليل نفسي وديني يكشف آليات تبرير العنف باسم الدين

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تبدأ مأساة جلسة الصلح في 15 مايو، لحظة انطلاق الرصاص، بل سبقتها مقدمات أكثر خطورة، تشكلت داخل عقل حمل أفكارًا متطرفة، وتأويلات دينية مغلوطة، ونزعة انتقامية انتهت بتحويل مكان كان يفترض أن يجمع أطراف الخلاف على طاولة واحدة إلى مسرح لجريمة دامية.

اقرأ أيضا: اتحاد الكرة يعتمد برنامج إعداد منتخب الصالات

كان الهدف المعلن، هو احتواء الخلافات الأسرية، وإعادة الهدوء إلى عائلة أنهكتها الخصومة، ولكن دخل الجاني حاملًا «طبنجة»، لتنقلب محاولة الإصلاح إلى مأساة سقط خلالها أربعة قتلى أبرياء.

تكشف هذه الجريمة، في بعدها النفسي والفكري، عن خطورة اللحظة التي تتداخل فيها الاضطرابات النفسية مع القناعات المتطرفة والتأويلات المنحرفة للنصوص الدينية، فتتراجع قدرة الإنسان على رؤية الآخر باعتباره إنسانًا له حقوق وحرمة، ويتحول الخلاف من مشكلة قابلة للحل إلى معركة بين «حق» يتوهمه الجاني و«أعداء» يراهم مستحقين للعقاب. 

 

اقرأ ايضا| توظيف الدين في خدمة العنف.. كيف قاد التأويل المنحرف إلى جريمة 15 مايو؟

 

وتزداد خطورة المشهد عندما تتحول القناعة المتطرفة من أفكار داخلية إلى سلوك واستعداد للتنفيذ، خصوصًا عندما تتزامن مع مؤشرات اضطراب نفسي وشكوك مرضية وضغوط متراكمة، وهنا لا تعود الجريمة مجرد انفجار لحظي للغضب، وإنما نتيجة لمسار يمكن أن يبدأ بإشارات تبدو محدودة، ثم يتطور إلى عزلة فكرية، ورفض للآخر، وشعور بالاستعلاء، وصولًا إلى الاعتقاد بأن العنف وسيلة مشروعة لفرض الإرادة.

 

◄ الأبعاد النفسية للجريمة.. قراءة في عقلية الجاني

 

في محاولة لتفكيك السايكولوجيا النفسية لشخص يقدم على قتل أبنائه داخل جلسة صلح وُجدت لإصلاح ذات البين، يوضح الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي، أننا أمام شخصية شكوكية تسمى «البارانويدية»، أو ما يُعرف بالاضطراب التشككي تلك الشخصية، لديه قناعات بوجود أفكار ومطاردة وشكوك تجاه تصرفات الآخرين، وتولّد من داخلها شعوراً دائماً بالعداء تجاه أي شخص يخالفها أو يتعبها.

ويشير «فرويز»، إلى أن الاستفزازات المستمرة من الطرف الآخر، مترافقة مع معيار خاطئ ومغلوط يستند إلى التأويلات الدينية الخاطئة، تُغذي لدى هذه الشخصية شعوراً بأن ما تفعله سليم وصحيح تماماً وبالتالي لا يشعر الجاني بالخطأ أو الذنب، بل يرى أن ما ارتكبه هو أمر إلهي.

وتابع: «تتسم الشخصيات التشكوكية بشعور عميق بالتعالي، واعتقادهم بأنهم أفضل من غيرهم، وأن أي محاولة للاعتراض عليهم أو تقويمهم تُقابل بانتقام شديد، حتى لو طال ذلك الأبناء الذين يتم الزج بهم في أتون الخلافات الزوجية».

 

◄ التشخيص الطبي.. ضلالات أم هلوسات

 

حول طبيعة هذا الاضطراب، وما إذا كان مصحوباً بمهلوسات سمعية أو بصرية أو حسية، يؤكد استشاري الطب النفسي، أن هذه الحالة قد تندرج تحت مظلة الفصام الشكوكوي، أو قد ترتبط بتعاطي المخدرات، حيث تتضافر ثلاثة عوامل رئيسية: «وجود مخدرات أو مؤثرات عقلية، اضطراب تشكوكي شديد، ضغوط نفسية وحياتية متراكمة، مثل القضايا والخلافات المتبادلة مع الزوجة، حتى وإن كانت مستندة إلى تصورات وهمية وغير حقيقية.

 

◄ كيف نكتشف الشخصية غير السوية قبل وقوع الكارثة؟

 

تطرّق «فرويز» إلى العلامات المبكرة التي تكشف عن خطورة الشخص المضطرب نفسياً، قبل أن يتحول إلى قنبلة موقوتة، حيث أشار المصدر إلى أن العلامات الأولية تظهر من أول سلوك أبرزها:

ـ صدور تصرفات عنيفة غير مبررة أو مبنية على أسباب واهية، مثل الاعتقاد بأن الأهل أو المحيطين يراقبونه أو يتتبعون خطواته.

– ظهور أعراض غير طبيعية كأن يتحدث الشخص بمفرده، أو يضحك بلا مبرر، أو يوحي بتلقيه أصواتاً وكلمات خفية.

– التغاضي المجتمعي؛ إذ للأسف قد تلاحظ الأسرة أو المحيطون هذه الأعراض المبكرة، لكن قلة الوعي تدفعهم للتماشي معها أو تجاهلها حتى تفقع الأزمة.

 

◄ كيف نحمي الأسرة؟

 

يؤكد استشاري الطب النفسي، أن التعامل مع أي مرض نفسي يبدأ بالتشخيص الدقيق والعلاج الدوائي تحت إشراف متخصص، مع ضرورة الالتزام بالجرعات والمتابعة الطبية لفترات كافية، مؤكداً أهمية الوعي المجتمعي بعدم الاستهانة بالمؤشرات الأولى للاضطرابات النفسية والشكوك المرضية قبل فوات الأوان.

 

◄ من الصلح إلى الإبادة

 

من جانبها، قالت إيمان عبدالله، أخصائية العلاج النفسي والأسري، أن الجريمة لم تكن وليدة لحظة غضب عابرة استفزت فيها كلمة طارئة الجاني، بل جاءت مدبرة ومخطط لها؛ إذ حضر الجاني جلسة الصلح وهو يحمل حقيبة أسلحة بيضاء ونارية، تماماً كما يحمل المرء حقيبته الشخصية المعتادة. هذا التحول من رغبة معلنة في الحوار إلى “إبادة مبيتة” يطرح تساؤلات خطيرة حول طبيعة العنف الأسري حين يتغذى على أفكار السيطرة المطلقة.

وأوضحت أخصائية العلاج النفسي والأسري، أن الجاني يرى في أبنائه وأسرته رموزاً وشياطين، لابد من طمسها وبترها لأنهم يمتلكون أفكاراً تختلف عن منظومته.

 

◄ حين يصبح النص غطاءً للجريمة

 

وأكدت أن الخطورة الكبرى تتجسد في توظيف النصوص الدينية خارج سياقها الصحيح؛ فالجاني لم يستوعب القيم الحقيقية للدين القائمة على الرحمة، ضبط النفس، حفظ الدماء، وقبول الرفض، بل قام بـ “سلخ” النصوص من معانيها الإنسانية، ونزع عنها بنود التسامح، مستخدماً القشرة الظاهرية للتدين كـ “فرش أخلاقي” لإضفاء الشرعية على العنف.

وتابعت: «لا يعاني الجاني من أي شعور بالذنب أو الندم؛ فهو لا يقول “أنا غضبت وانتقمت”، بل يرتدي عباءة المشرّع الذي يعاقب من يستحق العقاب، معتقداً أن الله منحه الصلاحية لإنفاذ حكمه في أهل بيته. كما أن استخدام النصوص والمظاهر الدينية هنا يعمل بمثابة “مخدر نفسي” يخفف به شعوره بالذنب، ويصطنع شرعية وهمية لأفعاله البشعة.

 

◄ التطرف الديني وتحويل الناس إلى أعداء

 

وكشفت أخصائية العلاج النفسي والأسري، أن الخطورة الحقيقية للتطرف تكمن عندما يتحول الفكر إلى منظومة إقصائية ذات حقيقة مطلقة، يتم من خلالها:

1. إلغاء الآخرين تماماً وعدم الاعتراف بحقهم في الاختلاف.

2. تقسيم المجتمع إلى فئتين: “اتباعي” و”أعدائي”، وكل من لا يدور في فلك أفكاره فهو عدو مباح الدم.

3. تحويل الدماء والقتل إلى وسيلة مشروعة وواجب أخلاقي لتحقيق الأهداف المنشودة.

وأكدت أن ربط الدين بالقتل لمجرد رفع الجاني شعارات دينية هو تبسيط غير علمي؛ فالمتطرف يستخدم الدين كشماعة لتبرير دوافعه النفسية المريضة وسعيه المحموم للسيطرة والتحكم المطلق، مما يتطلب منا وعياً مجتمعياً أعمق لكشف هذه الخفايا قبل أن تتحول الخلافات الأسرية إلى كارثة إنسانية.

 

◄ الأديان السماوية رحمة للبشرية وكرامة للإنسان

 

وفي السياق الديني، أكد الشيخ سعيد عبد الدايم، عضو اللجنة العليا بالدعوة لمحافظة شرقية حاليًا، أن الأديان السماوية، وفي مقدمتها الإسلام الحنيف، جاءت لتكون “رحمة للعالمين”، ولتحفظ للإنسان إنسانيته وكرامته وحقه الأصيل في الحياة.

واستشهد بقوله تعالى:«وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا»وقوله سبحانه:«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمينَ».

وتابعن: إلا أن الواقع المعاصر والتاريخ يشهدان على محاولات بعض الجماعات والأفراد تحريف المفاهيم الدينية ونزع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة عن سياقها الصحيح، وتحويل النص الديني من مصدر للرحمة إلى أداة للقتل والاعتداء على النفس والآخرين.

 

◄ الفهم الخاطئ لنصوص الدين

 

أشار عبد الدايم إلى أن هذا الانحراف الفكري لم يعد مقتصراً على التنظيمات المتطرفة فحسب، بل امتد ليتغلغل في بعض القضايا الأسرية المعاصرة، مستشهداً بحوادث مؤلمة تشهدها المجتمعات، مثل قيام زوج بالاعتداء على زوجته فيقتلها بأكثر من عشرين طعنة، أو ذهاب شخص بسلاح ناري إلى جلسة صلح مع زوجته وأهلها ليقوم بقتل أربعة منهم وإصابة آخرين، من بينهم أبناؤه.

 

اقرأ ايضا| قتل باسم الدين.. كيف قاد فكر الإخوان مرتكب جريمة 15 مايو لتنفيذ مخططه؟
 

أوضح أن هؤلاء الأشخاص والجماعات يحاولون احتكار الحق المطلق، مفترضين أن كل واحد منهم هو “الوكيل الحصري لإرادة الله عز وجل في أرضه” أو المفسر لآيات القرآن والسنة بحسب هواه وزعمه. وهو ذات النهج الذي انتهجته الجماعات التكفيرية التي أباحت دم الأبرياء، لافتاً إلى المعاناة الكبيرة التي شهدتها سيناء وغيرها من المناطق في السنوات الماضية.

وبيّن أن الإسلام جعل حرمة دم الإنسان – أيا كان معتقده – من أعظم الحرمات، واعتبر الاعتداء على فرد واحد بمثابة اعتداء على الإنسانية جمعاء، مستشهداً بقوله تعالى: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَاحَا النَّاسَ جَمِيعًا».

وأضاف أن عصمة الدماء تشمل المجتمع بأسره، مسلماً كان أو غير مسلم (المعاهدين)، محذراً من الحديث النبوي الشريف:«من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً».

اقرأ أيضا: أوتاكا يطعن بالنقض على حكم حبسه سنتين

 

◄ إلباس الباطل ثوب الحق وتزييف المفاهيم

 

وحذر الشيخ عبد الدايم ،من خطورة ما تقم به الفئات المنحرفة من “إلباس الباطل ثوب الحق” أو “ثوب الشهادة”، حيث يوهم الجاني نفسه بأنه مجاهد أو شهيد بينما هو قاتل ومخرب.

وقال في هذا الصدد، إن الاشخاص التي تستخدم أفكاراً مغلوطة على الدين وتحاول تحريف آيات القرآن والسنة لوهم في خيالها أو لإرادة أمر آخر زي القتل والتخريب.. فهذا من أكبر المغالطات التي تروجها الفئات المتطرفة، مؤكداً أن الإسلام حرم إيذاء النفس أو الانتحار، مستشهداً بقوله تعالى: «وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا»* و«وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ».

وأوضح عبد الدايم، أن التضحية بالنفس لا تكون إلا في الأطر الشرعية وتحت مؤسسات الدولة وأمر الحاكم.

 

◄ الحلول الإسلامية للخلافات الأسرية

 

تطرق عضو اللجنة العليا بالدعوة لمحافظة شرقية حاليا أن الدين تطرق لحل الخلافات الأسرية بالود بقوله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا»*.

وأضاف أن الغاية السامية للتشريع الإسلامي عند تعذر الصلح قائلاً:«إنما لو مافيش إصلاح.. خلاص، لو مافيش إصلاح ومش قادرين أن نصطلح؛ ربنا سبحانه وتعالى بيّن أن الزواج حلال وأن الطلاق حلال، فقال: الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.. لم يقل مشاجرات ولا قتل ولا مشاحنات ولا قضايا ولا خلاف! خلاص مش قادرين أن نعيش بالمعروف، نفارق بالمعروف وكل واحد يروح لحاله بالأدب.. بالأدب والاحترام! هذا ما بيّنه الإسلام، أما غير ذلك فهو بعيد كل البعد عن الإسلام وعن أهداف الإسلام وأهداف القرآن والسنة».

 

◄ كيف يتحول التطرف الديني إلى قنبلة موقوتة؟

 

وكشف عن أن التطرف الديني قنبلة موقوتة حقيقية تهدد أمن المجتمع واستقراره، لأنه يمثل خروجاً عن منهج الوسطية والاعتدال الذي جاء به الإسلام،وعندما يتخلى الإنسان عن هذا المنهج الجميل المتوازن، تبدأ القنبلة الموقوتة في التكون والانفجار وفق الآليات التالية:

 

1- الانحراف الفكري واختطاف النصوص

 

تبدأ العملية بتغذية الفرد بأفكار مغلوطة عبر اقتطاع واجتزاء آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ، وتطويعها لخدمة أفكار متشددة ومسبقة الصنع.حيث يتطور التطرف الفكري من مجرد قناعات متشددة إلى استعلاء واستكبار على المجتمع، وصولاً إلى تكفير المخالفين في الرأي والفكر، بل والخروج بهم عن الملة.

 

2- التحول من القناعات الفكرية إلى العنف المسلح

 

يتحول الفكر المتطرف من مجرد آراء نظرية إلى شرعنة للقتال والعنف والاعتداءعلى المجتمع والأبرياء. يصل التطرف بالبعض إلى ارتكاب جرائم بشعة، كاستباحة دماء المسلمين والمخالفين، بل وحتى الأقارب وأفراد الأسرة، والاعتداء بالأسلحة في أبسط الخلافات تحت زعم تحقيق أهداف وهمية.

 

3- ضرب منظومة القيم الإنسانية ومكانة النفس البشرية

 

يُهمل المتطرف القيمة العظيمة التي أقرها الإسلام للنفس البشرية؛ فالله عز وجل كرّم الإنسان أعظم تكريم بقوله: ولقد كرمنا بني آدم، وجعل الاعتداء على نفس واحدة كاعتداء على الناس جميعاً.

 

4- وهم البطولة والبطولات الفردية الزائفة

 

يعتقد المتطرفون وأصحاب الجماعات المنحرفة أنهم يصنعون بطولات عبر القتل وسفك الدماء وفرض الآراء بالقوة، وهي في حقيقتها بطولات زائفة لا قيمة لها شرعاً ولا أخلاقاً.

تغيب عن هؤلاء المفهوم الصحيح للضوابط الشرعية؛ فالجهاد ليس بطولات فردية ولا خاضعاً لرايات الجماعات المختلفة، بل له إطاره الصحيح المنضبط تحت راية ولاية الأمر والمجتمع السليم.

اقرأ أيضا: مدبولي: الدولة تولي اهتماما كبيرا بتنمية وتطوير الساحل الشمالي

‫0 تعليق

اترك تعليقاً