عقد مجمع البحوث الإسلامية، اليوم الأربعاء، ندوةً في كليَّة التمريض بجامعة الإسكندريَّة تحت عنوان: «أخطار تزييف الوعي»، وذلك ضِمن فعاليَّات الأسبوع الدعوي الثاني والعشرين، الذي تُنظِّمه اللجنة العُليا للدعوة بالمجمع تحت عنوان: «مقوِّمات الوعي في عصر الانفتاح المعرفي»، برعايةٍ كريمةٍ من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيِّب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وكيل الأزهر، وفضيلة أ.د. محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.
اقرأ أيضا: حمزة عبدالكريم يسجل الهدف الأول لبرشلونة أمام الأهلي
وحاضر في الندوة: أ.د. حنان الشربيني، عميدة كليَّة التمريض في جامعة الإسكندريَّة، والدكتور إبراهيم الجمل، مدير منطقة وعظ الإسكندريَّة، والشيخ يوسف المنسي، عضو أمانة اللجنة العُليا لشئون الدعوة بمجمع البحوث الإسلاميَّة.
في بداية الندوة، أكَّدت أ.د. حنان الشربيني أنَّ الأزهر الشريف على مدار أكثر من ألف عام منارة للعِلم والمعرفة، وأنَّ علماءه -عبر تاريخه الطويل- لم يبخلوا بعِلم أو معرفة، وظلّوا حريصين على أداء رسالتهم في تعليم الأجيال وبناء وعيها، داعيةً شباب الجامعة إلى اغتنام فرصة وجود علماء الأزهر الشريف بينهم، والاستفادة من عِلمهم وطَرْح ما يدور في أذهانهم من أسئلة وأفكار بكل وضوح؛ لأنهم لن يجدوا الإجابات الصحيحة بعيدًا عن الأفكار المغلوطة إلا لدى علماء الأزهر.
وفي كلمته، قال الدكتور إبراهيم الجمل: إنَّ القرآن الكريم كشف لنا بوضوح عن غاية إبليس في إضلال الإنسان وإفساد وعيه، ويتَّضح هذا من خلال قصة سيِّدنا آدم -عليه السلام- حين سعى إبليس إلى تزييف وعيه بحقيقة الشجرة، فصوَّر له الاقتراب منها على أنه طريق إلى الخلود ومُلْك لا يَبلَى، بينما كان الوعي الحقيقي يقتضي الالتزام بنهي الله -تعالى- وعدم الاقتراب منها، ومن هنا ندرك أن تزييف الوعي ليس أمرًا جديدًا؛ وإنما هو أسلوب قديم في التأثير في الإنسان وصَرْفه عن الحقائق، وقد نجح إبليس في ذلك عندما قدَّم الباطل في صورة نصيحة؛ وهو ما يستدعي من الإنسان أن يكون أكثر وعيًا بما يعرض عليه، وألَّا يكتفي بالشكل الظاهري للكلام أو بمن يقدِّمه في صورة النَّاصح.
وأضاف الدكتور الجمل أنَّ مواجهة تزييف الوعي تظلُّ جزءًا أساسًا من رسالة الهداية، وفي عصرنا الحالي، تتَّخذ هذه المحاولات صورًا متعدِّدة؛ من بينها: انتشار الشائعات والمعلومات غير الحقيقية والمحتويات المضلِّلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تأتي أحيانًا في صورة نصيحة أو معلومة تبدو في ظاهرها صحيحة، لكنها تحمل في مضمونها أفكارًا تؤثِّر في وعي الإنسان وتوجُّهاته.
وبيَّن مدير منطقة وعظ الإسكندريَّة أنَّ ما يتعرَّض له الشباب من هذا المحتوى يمثِّل أحد التحديات التي ينبغي الانتباه إليها، خاصَّة في ظل ما يُعرف بـ(حروب الجيل الخامس)، التي تستهدف التأثير في العقول وتغيير القناعات دون مواجهة مباشرة؛ الأمر الذي يفرض ضرورة بناء وعي حقيقي لدى الأجيال، من خلال القراءة والرجوع إلى أهل العِلم؛ إذ لا يُمكِن مواجهة الوعي الزَّائف دون حصن معرفي نابع من مرجعيَّة دِينيَّة وثقافيَّة موثوقة.
مِن جانبه، أكَّد الشيخ يوسف المنسي أنَّ تسطيح المعرفة يمثِّل أحد أشكال تزييف الوعي، كما أنَّ الانشغال بسفاسف الأمور والقضايا الهامشيَّة، وصَرْف اهتمام الإنسان عن القضايا الحقيقية التي تمسُّ حياته ومستقبله؛ يُعدُّ صورة أخرى من صور تزييف الوعي؛ لأنَّ الوعي الحقيقي يقوم على حُسْن الفهم والقدرة على التمييز بين ما هو مهم وما هو ثانوي؛ فتزييف الوعي يجعل الإنسان يعيش خارج هُويَّته الحقيقيَّة؛ وهو ما يفقده القدرة على تكوين رؤية واضحة تجاه نفسه ومجتمعه، وقد ينتهي به إلى عدم القدرة على تحديد ما الذي يؤمن به وما الذي يسعى إليه، ومِن هنا تبرز أهميَّة بناء وعي قائم على المعرفة الصحيحة، والتفكير النقدي، والقدرة على السؤال والتحقُّق؛ حتى يكون الإنسان قادرًا على التعامل مع ما يحيط به من أفكار ومعلومات دون أن يكون مجرَّد متلقٍّ لما يُقدَّم إليه.
اقرأ أيضا: بريطانيا تضيف 7 أهداف جديدة لقائمة عقوباتها على إيران تشمل تجميد الأصول وقيود التعاملات
وأوضح الشيخ المنسي أنَّ الهدف من عمليَّة تزييف الوعي هو فصل المجتمع عن الضوابط والقِيَم والمحدِّدات التي تمثل جزءًا أساسًا من هُويَّته ومرجعيَّته؛ بما يجعل السيطرة على الإنسان والمجتمع أكثر سهولة؛ لأنَّ ما يميز أمَّتنا هو ما تمتلكه من وعي ومعرفة وهُويَّة راسخة؛ ومِن ثَمَّ فإنَّ محاولة فَصْلها عن هذه الهُويَّة تُضعف قدرتها على التمييز والاختيار، كما أنَّ من نتائج تزييف الوعي أن يتقبَّل الإنسان أفكارًا وسلوكيَّات لا تتسق مع هُويَّته وقِيَمه الحقيقيَّة؛ وهو ما يكشف خطورة هذه الظاهرة التي لا تتوقَّف آثارها عند جانب واحد؛ وإنما تمتدُّ إلى مختلِف جوانب حياة الإنسان والمجتمع، ومن بينها: انتشار بعض السلوكيَّات والمظاهر السلبيَّة؛ كالعري، وضَعْف الغيرة على القِيَم والأعراض، وتعاطي المخدِّرات، والانتحار، والإلحاد، وغيرها مِنَ الظواهر التي تتطلَّب وعيًا حقيقيًّا وقدرةً على التمييز والمواجهة.
وتستمرُّ فعاليَّات الأسبوع الدَّعوي بجامعة الإسكندريَّة حتى غدٍ الخميس، بمشاركة نخبةٍ من علماء الأزهر الشريف، وتناولتِ الفعاليَّات خلال اليومين الماضيين ضرورة الوعي، مع توضيح مفهومه وأبرز سماته، ودور الدِّين في بنائه وتوجيهه، مسلِّطةً الضوء على ركائز الوعي وأركانه والتعريف بمقوِّماته وأُسُس تكوينه، ومِنَ المقرَّر أن تُختتم الفعاليَّات غدًا بمناقشة أثر الوعي في استقرار الفرد والمجتمع، ودور القِيَم الدِّينيَّة والأخلاقيَّة في تحقيق الأمن النفسي والمجتمعي.
اقرأ أيضا: الإفتاء: الاحتفال بالمولد النبوي مستحب وتهادي الحلوى مطلوب ولا حرج فيه