يتفق الألمان والنمساويون على كل شيء تقريبا، إلا على شخصيتين “كبيرتين” ومدينة، الشخصية الأولى هي ولفغانغ أماديوس موزارت، وهو نار على علم في عالم الموسيقى الكلاسيكية، والثانية هي أدولف هتلر، الزعيم النازي الذي لا تخطئه ذاكرة الشعبين عندما يدور الحديث عن الإبادة الممنهجة.
اقرأ أيضا: هجوم يستهدف سفينة أثناء عبورها في مضيق هرمز | أخبار
فموزارت يتبناه البلدان، ويقول النمساويون إنه ولد في سالزبورغ وألّف في فيينا أفضل ما ألّف، وسالزبورغ الآن مدينة نمساوية وفيينا كانت وما زالت عاصمة النمسا، بينما يحاجج الألمان بالقول إن سالزبورغ لم تنضم إلى النمسا إلا في عام 1816 وإنها كانت حتى ذلك الحين إما جزءا من بافاريا أو إمارة أسقفية مستقلة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
في المقابل، لا يريد أي منهما هتلر، فالألمان يقولون إن الزعيم النازي ولد عام 1889 في “براوناو آم إنّ”، وهي مدينة كانت وما زالت نمساوية، بينما يردّ النمساويون بأن ذلك صحيح ولكن هتلر أصبح لاحقا مواطنا ألمانيًا ثم مستشارا لألمانيا النازية بين عامي 1933 و1945.
أما المدينة، فهي سالزبورغ، مسقط رأس موزارت التي لم تكن بين العام الذي ولد فيه الموسيقار (1756) والعام الذي توفي فيه (1791) لا نمساوية ولا ألمانية، بل إمارة كنسية تابعة للإمبراطورية الرومانية.

مزار للنازيين الجدد
وفي هذه الأيام، يناقش البلدان موضوعا يختلف قليلا، ولكنه يتعلق بمسقط رأس الشخصية التي لا يريدها أحد، أي مدينة “براوناو آم إنّ” وتحديدا بالبيت الذي ولد فيه الزعيم النازي، ولكن النقاش هذه المرة لا يتعلق بأحقية كل بلد بهذه المدينة، فهي نمساوية، وإنما بسؤال محدد: ماذا نفعل بهذا البيت؟ وكيف نمنع تحوله في 20 أبريل/نيسان من كل عام إلى مزار للنازيين الجدد الذين يحجون إلى شارع سالزبورغر فورشتات 15 للاحتفال بعيد ميلاد هتلر؟
وهنا، لا يختلف الطرفان، بل يلتقيان على ضرورة الحد من جاذبية هذا البيت كمزار للنازيين الجدد ولكن كيف يفعلون ذلك؟ هل يهدمونه ويمحون جزءا لا يمكن تجاهله من تاريخهم؟ أم يبقونه على حاله ويخاطرون بتحوله إلى رمز لليمين المتطرف؟
ومؤخرا، توصل المهندسون المعماريون إلى حل وسط، فأبقوا على المبنى كشاهد تاريخي ولكنهم غيروا لون الواجهة من الأصفر الباهت إلى الأبيض وأزلوا الأقواس حول النوافذ واستبدلوها بنوافذ مستطيلة وعدلوا الواجهة والسقف وأدخلوا تعديلات كبيرة على أجزائه الداخلية بحيث يبدو أقرب إلى مبنى عادي من القرن الـ18 أي إلى الفترة التي سبقت ميلاد الزعيم النازي بأكثر من 100 عام.

ونقلت صحيفة “دير ستاندارت” عن وزير الداخلية النمساوي غيرهارد كارنر قوله إن الشرطة اليوم “هي نقيض تام للرمزية المرتبطة بهذا المكان، فهي تمثل الديمقراطية وسيادة القانون والحرية والكرامة الإنسانية والدفاع عنها بلا هوادة ضد كل من يهددها، وضد كل أشكال التطرف والشمولية”.
وبهذا، يطمح المهندسون والحكومة النمساوية لإنهاء جدل مستمر منذ أعوام، ففي نهاية يوليو/تموز الماضي، افتتح وزير الداخلية النمساوي في المبنى مركزا للشرطة يتسع لقرابة 45 شرطيا يهتمون بمشاكل المنطقة وتحديدا بمكافحة المخدرات، إذ يقول رئيس قسم الشرطة في المنطقة شتيفان هاسلبرغر للصحيفة النمساوية “دير ستاندارت” إن موقع المدينة على الحدود مع ألمانيا يجعلها أحد الطرق المهمة لتهريب المخدرات.
فندق صغير ومعمل بيرة
ووفق مصادر إعلامية نمساوية متطابقة، استُخدم البيت لفترة طويلة كفندق صغير مع معمل للبيرة، وفي إحدى الشقق السكنية في الأعلى، قضى هتلر الطفل في عام 1889 أسابيعه الأولى قبل رحيل عائلته إلى مدينة باساو على الطرف الألماني من الحدود، ثم لاحقا إلى ليونغ بالنمسا العليا، حيث قضى هناك مع عائلته 6 أعوام.
ويتساءل كثيرون عن سر تقديس النازيين الجدد لهذا المكان الذي ولد فيه رغم أن حياته اقتصرت هناك على بضعة أسابيع بينما عاش عدة أعوام في ليونغ؟

وتنقل صحيفة “دير ستاندارت” عن مختصين في الحركات النازية قولهم إن ذلك يرتبط على الأغلب بما يعرف بأيدولوجية “الدم والأرض” النازية التي تمنح أماكن الولادة والموت أهمية رمزية خاصة.
ففي السنوات الماضية وتحديدا في 20 أبريل/نيسان (عيد ميلاد هتلر) كان البيت يتصدر عناوين الأخبار في النمسا وألمانيا، حيث كانت صحف البلدين تنقل أخبارا عن نازيين جدد مخمورين “يحجون” إلى شارع سالزبورغر فورشتات 15 لتأدية تحيات نازية أو لالتقاط الصور وهم يضعون أكاليل الزهور أمامه.
المجلة الألمانية “دير شبيغل” استقصت حول ارتباط النازيين الجدد بهذا البيت بطريقتها، فقد اكتشفت مؤخرا تلاعب مجهولين بخرائط غوغل بحيث يظهر عنوان البيت ليس سالزبورغر فورشتات 15 وإنما سالزبورغر فورشتات 88.
وعندما تضغط على الرقم 88 يظهر أمام الباحث الشعار التالي (HH 88) وهو شعار يرمز في الأوساط النازية إلى التحية النازية المعروفة (هايل هتلر) وهي تحية تعاقب عليها القوانين النمساوية والألمانية باعتبارها جريمة خطيرة قد تؤدي إلى إصدار عقوبة سجن مشددة بحق مرتكبها.
اقرأ أيضا: منظومات الدفاع الجوي الروسية تدمر 180 مسيرة بالقرب من موسكو
وتلقت “دير شبيغل” ردا من غوغل اعتذرت فيه شركة التكنولوجيا عن الخطأ بالقول إنها حلت المشكلة علما أن تتبع الأشخاص الذين يقفون وراء مثل هذه الاختراقات صعب جدا في العادة وتحديدا عندما يكونون من خارج النمسا أو ألمانيا.

متحف “القائد”
ووفق مصادر نمساوية، فإن البيت كان في ثلاثينيات القرن العشرين، أي قبل وصول النازيين إلى السلطة، نُزلا صغيرا استخدمه النازيون لعقد اجتماعاتهم، وبعد وصول هتلر في عام 1933 إلى الحكم، تم تحويل البيت إلى متحف باسم (متحف الفورَر) أي “متحف القائد”.
وبعد نهاية الحرب وهزيمة النازيين، استعادت عائلة بومر ملكيتها للمبنى ولكن الدولة النمساوية كانت تستأجره حتى تضمن عدم استخدامه للدعاية النازية، وفي سبعينيات القرن الماضي استُخدم المبنى من قبل إحدى المدارس التقنية قبل تحويله إلى مقر لذوي الإعاقة ومنذ عام 2011 بقي المبنى المتداعي فارغا.
وبعد تواصل الجدل حول مستقبل البيت ورفض عائلة بومر تسليم ملكيته للدولة، تم الاستيلاء عليه ونزع ملكية العائلة عنه، الأمر الذي أفضى في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرار بتحويله إلى مركز للشرطة.

ورغم خضوع المبنى لقوانين حماية المباني التاريخية، فإن هذه القوانين لم تنطبق على أعمال إعادة البناء التي أُجريت مؤخرا لأن السلطات تعمدت إزالة جميع المظاهر التي تدلل عليه قبل إعادة الإعمار، ومع ذلك -تقول صحيفة دير ستاندارت- جرى الحفاظ على أسلوب البناء التقليدي المتعارف عليه في المنطقة.
ولضمان عدم تحول المبنى من جديد إلى مزار للنازيين الجدد من ألمانيا والنمسا وحتى من دول أخرى، جرى إتلاف مخلفات البناء أو التخلص منها ووضعها في مكان سري.
وأمام المبنى بقي فقط حجر تذكاري وضعته الدولة عندما رفضت العائلة المالكة وضع لوحة تذكارية أمامه، أما الفكرة من وضع الحجر التذكاري فهي ألا يكون من الممكن تصوير المنزل من دون أن يظهر الحجر التذكاري في الصورة والرسالة المنقوشة عليه: “من أجل السلام والحرية والديمقراطية. الفاشية لن تتكرر أبدا. ملايين القتلى يحذرون”.
المصدر: الصحافة الألمانية + دير شبيغل + ديرشتاندارت
اقرأ أيضا: أسعار الخضروات والفاكهة والأسماك والدواجن في الأسواق اليوم الثلاثاء