Published On 18/8/2026
|
آخر تحديث: 03:40 (توقيت مكة)
لم يكن اختيار يوم الجمعة ومكة المكرمة لتوقيع الاتفاق التاريخي بين السعودية، وتركيا، وباكستان مصادفة، أو لأسباب بروتوكولية، بل هما زمان ومكان مقصودان لإعطاء هذا الاتفاق النوعي مهابة ومعاني روحية بمقدار روحانية اليوم والبقعة المقدسة اللذين تم التوقيع فيهما، ناهيك بأن لكل واحدة من الدول الثلاث شأنها ومكانتها في التاريخ الإسلامي القديم والوسيط والحاضر، إلى جانب ما تمثله كل واحدة منها من ثقل معاصر ليس فقط على المستوى الإسلامي، بل والدولي أيضا.
وهو ما أعطى هذا الاتفاق الأهمية التي حظي بها على المستوى الدولي، وليس فقط الإقليمي، فقد جاء هذا الاتفاق في واحدة من أكثر لحظات العالم كله توترا واشتعالا بالأزمات والمواجهات، خاصة في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل منه لحظة فارقة عما قبله.
لا شك أن اتفاق مكة للدفاع المشترك يعد أول تحالف إسلامي ذي طابع إستراتيجي وعسكري في العصر الحديث، وقد تناولته التحليلات من جوانب كثيرة، إلا أن هناك ما يشبه الإجماع على أن الهدف الرئيسي لهذا التحالف يكمن في مواجهة أي مخاطر خارجية مباشرة تتعرض لها الدول الثلاث، أو إحداها سواء من دول في المنطقة، أم خارجها.
وأعلنت الدول الثلاث أن التحالف ليس موجها ضد أحد، كما أنه ليس مقتصرا عليها، وأنها ترحب بأي دول تريد الانضمام إليه، لكن لا يبدو في الأفق أي توجه لدى أي دولة في المنطقة للانضمام على الأقل في اللحظة الراهنة التي لا تزال تشهد أزمة الصراع الأمريكي الإيراني والتي انحصرت مؤقتا حول مضيق هرمز، حيث لا يظهر أنها على وشك الانتهاء في المدى القريب لا سلميا ولا عسكريا.
فقد استطاعت إيران خلال فترة الهدنة الحالية استعادة الكثير من أنفاسها وترتيب بعض أوراقها الداخلية والإقليمية، إذ صدرت قرارات المرشد مجتبى خامنئي بتعيينات قادة الجيش والحرس الثوري التي عززت حضور وتأثير التيار المتشدد المؤيد لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، ودعم حلفاء إيران في المنطقة للتحرك وإثارة النزاعات وإرباك دولها.
فقد قام قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني بزيارة العراق لدعم مليشيات الحشد، وبقية المليشيات الموالية لإيران والحيلولة دون التضييق عليها، أو سحب سلاحها، إضافة إلى تقديم المزيد من الدعم السياسي لحزب الله اللبناني، وزيادة مستوى التنسيق مع المليشيات الحوثية في اليمن التي عاودت نشاطها العسكري مؤخرا ضد المملكة، وقوات الحكومة اليمنية وحركة الملاحة في البحر الأحمر.
لا تبدو السعودية بصدد الخضوع لابتزاز الحوثيين، أو التعاطي مع رغباتهم، فموقفها السياسي في دعم الحكومة اليمنية ومساندتها هو موقف نهائي وإستراتيجي ولا رجعة فيه، وتعتبر أن إنهاء حالة اللاحرب واللاسلم أصبح هدفا مشتركا مع الحكومة اليمنية والمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي
وقد جاء توقيع اتفاق مكة في لحظة يتصاعد فيها الصراع المسلح في اليمن مجددا؛ إذ بدأت المليشيات الحوثية بإعلان استهدافها المملكة العربية السعودية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، واستهدفت عدة منشآت نفطية في جنوب المملكة، ثم قامت لاحقا باستهداف عدد من المواقع العسكرية في عدد من المحافظات اليمنية التي تخضع لسلطة الحكومة الشرعية؛ بحجة أنها مواقع تضم قوات سعودية، بينما أثبتت إحصائيات القتلى والجرحى أنهم جميعا يمنيون، وأغلبهم مدنيون.
لكن المليشيا تجاوزت كل ذلك واستمرت في استهداف العديد من المدن اليمنية، خاصة مأرب والمخا، فيما تتعامل معها القوات الحكومية بالكثير من الصبر والاكتفاء بالدفاع، واستهداف مصادر النيران.
ولا شك أن هذا الاندفاع الحوثي في استهداف المملكة والمدن اليمنية في وقت واحد له أهدافه الداخلية والخارجية في آن واحد، وإن كان هدف مساندة إيران حاضرا، لكن الأهداف الداخلية هي الراجحة والغالبة.
يرى كثير من المراقبين أن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم في اليمن إلى ما لا نهاية قد استنفد أغراضه ولم يعد له مبرراته، خاصة مع تشدد الحركة الحوثية ورفضها كل مقترحات الحل السلمي التي ترتكز على إنهاء تمردها وانضوائها في إطار حل توافقي عادل يضم جميع أطراف العملية السياسية، ويحفظ لها حضورها السياسي، وينزع سلاحها. حيث إن رؤيتها للحل السياسي ليست مقبولة من الجميع، فهي تعتبر نفسها الممثل الشرعي لليمن، وأن الطرف الذي يجب عليها التفاهم معه هو المملكة العربية السعودية، وليس الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، والتي تسيطر على ثلاثة أرباع مساحة اليمن.
اقرأ أيضا: عاجل.. 4 غارات جوية تستهدف مطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب شمالي سوريا
ومن منطلقها هذا تعمل الحركة الحوثية عبر مليشياتها المسلحة على استهداف الأراضي والمنشآت السعودية؛ بغرض الضغط عليها ودفعها لفتح خط حوار مباشر على قاعدة الفهم الحوثي للحل، وليس على قاعدة التفاهم الوطني مع الحكومة اليمنية، ومكوناتها السياسية المنضوية تحتها.
ولا تبدو الحكومة السعودية بصدد الخضوع لابتزاز الحوثيين، أو التعاطي مع رغباتهم، فموقفها السياسي في دعم الحكومة اليمنية ومساندتها هو موقف نهائي وإستراتيجي ولا رجعة فيه، وتعتبر أن إنهاء حالة اللاحرب واللاسلم أصبح هدفا مشتركا مع الحكومة اليمنية والمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي الذي لمس بوضوح مخاطر التهور المسلح الذي مارسه الحوثيون على أمن الملاحة في البحر الأحمر، بعد أن منحهم العديد من الفرص للتفاهم والحل السياسي، خاصة منذ منعه -أي المجتمع الدولي- القوات الحكومية من استعادة مدينة وميناء الحديدة أواخر عام 2018.
تثور تساؤلات كثيرة عما إذا كانت دول اتفاق مكة ستسهم في حماية المملكة والدفاع عنها أمام هجمات الحوثيين والمليشيات العراقية، إذا اندلعت حرب واسعة بين القوات الحكومية اليمنية والمليشيات الحوثية، حيث من المتوقع أن تشن هذه الأخيرة هجمات صاروخية ضد المملكة للضغط عليها مقابل وقف هذه الحرب المتوقعة بين لحظة وأخرى.
وفي تقديري أن الحركة الحوثية قد تتردد كثيرا في إيذاء المملكة ومهاجمتها إن لمست جدية كاملة لدى دول اتفاق مكة للدفاع المشترك في البدء بتنفيذه رغم القدرات العسكرية الكبيرة التي تملكها المملكة أساسا للدفاع عن نفسها وتمكنها من إحباط هذه الهجمات المتوقعة، وعدم حاجتها لأي دعم خارجي، كما سبق لها ذلك خلال حرب مأرب بين عامي 2020 و2022 التي نجحت خلالها بقدراتها الذاتية في صد غالبية الهجمات الصاروخية الحوثية.
إن استمرار ترديد أسطوانة الحل السلمي لم تعد محل ترحيب من الشارع اليمني ولا تتسق مع طبيعة الأوضاع المتردية التي انتهت إليها الهدنة ولا مع الشروط المستحيلة التي تضعها الحركة الحوثية، وبالتالي فإن الأصابع التي على الزناد تنتظر لحظة مواجهة حقيقية ظل الجميع يهرب منها منذ عدة سنوات
في كل الأحوال تبدو القوات الحكومية اليمنية هذه المرة في أفضل حالاتها، واستعداداتها العسكرية تبدو أفضل من أي مرة سابقة، فقد استفادت من هدنة السنوات الأربع في استكمال بنيتها العسكرية وتأهيل وحداتها وألويتها الميدانية، كما أن أحداث ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني الماضيين في محافظتي حضرموت والمهرة كان لها تأثيرها الإيجابي في إعادة ترتيب مسرح العمليات العسكرية، وتوحيد بوصلته في اتجاه واحد يتمثل في إنهاء تمرد الحركة الحوثية سلما أو حربا.
ولا تبدو ساحة القوات الحكومية في حال أفضل مما هي عليه كما هي في هذه اللحظة، حيث بدأت قدراتها وكفاءة أدائها تتضح في مواجهة هجمات الحوثيين التي تكثفت في الأسبوعين الماضيين إلى درجة يمكن اعتبارها إسقاطا لهدنة أبريل/نيسان 2022، والبدء في معركة شاملة تريدها الحركة الحوثية على امتداد كل مناطق التماس في محافظات الحديدة وتعز والضالع وإب والبيضاء ومأرب والجوف وصعدة وحجة.
وحتى كتابة هذا المقال لم تكن القيادة اليمنية قد أصدرت أوامرها ببدء رسمي للمعركة المنتظرة، وتكتفي بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، وتقدير مستوى استعداداتهم وحشد المجتمع الدولي ولفت نظره لطبيعة الهجمات المسلحة الحوثية التي استهدفت ميناء المخا الحكومي المطل على البحر الأحمر ودمرته تدميرا كاملا رغم أغراضه المدنية. ولا يبدو في الأفق أي احتمال ممكن للعودة إلى هدنة 2022.
وفيما تريد الحركة الحوثية حلولا سياسية على مقاسها دون أي اعتبار لبقية القوى السياسية اليمنية، فإن الحكومة اليمنية ترى أن استمرار ترديد أسطوانة الحل السلمي لم تعد محل ترحيب من الشارع اليمني ولا تتسق مع طبيعة الأوضاع المتردية التي انتهت إليها الهدنة ولا مع الشروط المستحيلة التي تضعها الحركة الحوثية، وبالتالي فإن الأصابع التي على الزناد تنتظر لحظة مواجهة حقيقية ظل الجميع يهرب منها منذ عدة سنوات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: الأرصاد تُعلن حالة طقس اليوم وتحذر من ارتفاع الرطوبة
