أن تتصدى لقوة عظمى فهو أمر كبير، وأن تتبع ذلك بالتصدي للقوة العظمى الأخرى فهو أمر أكبر وأعظم، وربما لم يقدر على تحقيقه في عالمنا المعاصر إلا دولة واحدة هي أفغانستان.
اقرأ أيضا: وظيفة صيفية تقوده لكنز.. طالب يعثر على ذهب بـ10.5 ملايين دولار في بلجيكا | أخبار
كانت البداية مع الاتحاد السوفيتي الذي غزا أفغانستان أواخر عام 1979 لحماية الحكومة الشيوعية آنذاك، وسرعان ما تحول الأمر من نزهة سريعة متوقعة إلى ورطة حقيقية وصراع استنزاف طويل، انتهى باضطرار السوفييت إلى الانسحاب أوائل 1989.
لم يخرج الاتحاد السوفيتي مهزوما فحسب، بل إنه خرج من الحياة السياسية كلها، وتحول بنهاية عام 1991 إلى 15 دولة مستقلة تتقدمها روسيا التي كانت حجر الأساس في هذا الاتحاد.
بهذا الانهيار أصبحت الولايات المتحدة القطب الأوحد في هذا العالم، وبعد عشر سنوات قامت باجتياح أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2001 بدعوى الرد على هجمات 11 سبتمبر التي استهدفتها في الشهر السابق.
ربما ظن الجميع أن حظ الولايات المتحدة سيكون أفضل، فسرعان ما سقطت حكومة طالبان وتشكّلت حكومة مدعومة أمريكيا، لكن هذه لم تكن النهاية بل بداية لمقاومة استمرت 20 عاما جعلت من هذا الصراع أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة.
وكما انسحب الاتحاد السوفيتي في النهاية، لاقت الولايات المتحدة المصير نفسه، فانهارت الحكومة المدعومة منها، ثم خرج آخر جنودها من أفغانستان بنهاية أغسطس/آب 2021، تاركة السلطة مجددا لحركة طالبان.
لكنّ خروج الاحتلال لا يعني تجاهل آثاره، فالأرقام تتحدث عن مئات الآلاف من القتلى الأفغان، فضلا عن اضطرار الملايين للنزوح داخل البلاد أو الهجرة خارجها، ناهيك عن تدمير البنية التحتية والاقتصادية.

يوم الفتح
منذ بداية الأسبوع الحالي، وذكرى رحيل الاحتلال الأمريكي تفرض نفسها على اهتمامات وكالات الأنباء والصحافة العالمية، لكن شتان الأمر بين الداخل الأفغاني والخارج الدولي خصوصا الغربي.
“قبل 5 سنوات، وبنصر الله جل جلاله، وجهاد وتضحيات الشعب الأفغاني البطل، تحررت أفغانستان من الاحتلال الأمريكي، وفُتحت العاصمة والولايات من قِبل قوات الإمارة الإسلامية “،، هكذا بدأ البيان الذي أصدرته “إمارة أفغانستان الإسلامية ” يوم السبت الماضي 15 أغسطس/آب، بمناسبة “الذكرى الخامسة ليوم الفتح “.
أما ختام البيان، فجاء كالتالي: “وترغب أفغانستان في العيش مع جميع دول العالم في أجواء يسودها السلام والطمأنينة، ولا تسمح لأي جهة باستخدام الأراضي الأفغانية ضد أي طرف، كما تطالب الدول الأخرى بعدم الانخراط في أي مؤامرات ضد أفغانستان، واحترام أرضها وسيادتها ومصالحها “.
وبدوره، قال المتحدث باسم حكومة طالبان ذبيح الله مجاهد في منشور على منصة إكس: “سيظل يوم النصر هذا محفورا بأحرف من ذهب في تاريخ أفغانستان “.
وترافقت مع التصريحات احتفالات في العاصمة كابل ومدن رئيسية، حيث جاب شبان الشوارع بسيارات ودراجات وهم يحملون أعلام الإمارة، في حين تزيّنت الشوارع بلافتات تعتبر أن “15 أغسطس/آب هو اليوم الذي رفعت فيه الأمة الأفغانية راية الإيمان والشرف والاستقلال “.
وحسب وكالة رويترز، فقد شاركت مركبات مدرعة تابعة لطالبان في عرض خارج السفارة الأمريكية السابقة في كابل، رافعة الأعلام واللافتات ومحتفية بما وصفته الحكومة بأنه “يوم النصر ” على الهيمنة الغربية.
الصورة بعيون الغرب
لكن إن تركت أفغانستان وتجولت بين وكالات الأنباء والصحف الغربية ستجد صورة أخرى تظهر خصوصا في مناسبات كهذه، ولا تتحدث إلا عن قمع تمارسه طالبان أو حريات يفتقدها الأفغان.
حتى لحظة التحرر من الاحتلال، لا ترى فيها وكالة الأنباء الألمانية إلا أولئك المتعاونين مع الاحتلال الذين تشبث بعضهم بالطائرات في مطار كابل أملا في المغادرة مع القوات الأمريكية، وتصف ذلك بأنه مشهد اليأس والخوف والشعور بالخذلان.
ربما لا تكون الأوضاع في داخل أفغانستان وردية، أو لنقل إنها بالتأكيد ليست كذلك، لكن نظرة على الإعلام الغربي في هذه الذكرى تفاجئك بأن الحديث يبدو سلبيا بدرجة كبيرة، فهم لا يرون في هذه الدولة وتلك الحكومة إلا تغييبا للحريات وتضييقا على النساء وحظرا للموسيقى وأزمات اقتصادية وحقوقية تتسابق منظمات دولية إلى الحديث عن تفاقمها.
في الحقيقة لا يمكن القول إن اتهامات الغرب كلها زائفة أو كاذبة، فالقيود على النساء لا يمكن إنكارها، لكنّ زملاء لي عاشوا في هذا البلد يلفتون النظر إلى أنها تتعلق في الأساس بتقاليد قبلية متجذرة لدى عرقية البشتون التي تمثل أغلبية السكان.
هناك أيضا منع الفتيات من التعليم الثانوي والجامعي والذي تقول منظمة اليونسكو إنه طال نحو 2.5 مليون فتاة، إضافة إلى حرمانهن من بعض الوظائف، فضلا عن قيود على السفر دون ولي، وكذلك الذهاب للصالات الرياضية والحدائق العامة.
التواتر وشهادات العيان قد تؤكد لك هذه السلبيات، لكن في الوقت نفسه لن تمنعك غالبا من وصفها بالمغرضة إذا قارنت موقف الدول الغربية هنا بمواقفها من انتهاكات تتعرض لها قوى المعارضة، وكذلك النساء وغيرهم في بلاد أخرى لا يبدو الغرب ناقما على حكوماتها.

هل من إنجازات؟
سنبدأ بتحري إجابة طالبان نفسها، حيث تقول الحركة إنها نجحت في تثبيت الأمن وتعزيز البنية التحتية والحد من تجارة المخدرات، مع إقرارها بأنها لا تزال تواجه انتقادات تعرقل اعتراف المجتمع الدولي بها.
مراسل الجزيرة ناصر شديد يؤكد من جانبه أن الحكومة الأفغانية سعت لتثبيت شرعيتها داخليا من خلال الاهتمام بمشروعات البنية التحتية، ويضرب مثالا على ذلك بتوسعة طرق وإنشاء جسور ومشروعات سكك حديدية، فضلا عن توسعة شبكات الري وبناء مئات السدود لحماية المزارعين.
وينقل المراسل عن شهاب الدين دلاور، العضو في مفاوضات الدوحة التي جمعت بين واشنطن وطالبان، أن الأخيرة التزمت باتفاق الدوحة الموقع بينها وبين الولايات المتحدة، رغم وقوع 3500 خرق من الجانب الأمريكي.
أما المحلل السياسي عبيد الله بهير، فذهب إلى مدى أبعد، معتبرا ما وصلت إليه طالبان اليوم من تطور اقتصادي وأمني “أشبه بمعجزة؛ لأنها تولت الحكم في ظل وضع أمني سيئ “.
شهادة غربية
اللافت أن وسائل الإعلام الغربية التي تحمل على طالبان في العموم لم تنكر وجود تحسن في الحياة، خصوصا في مجال فرض الأمن، حيث قالت مجلة “إيكونوميست ” البريطانية إن مراسلها قام برحلة برية داخل أفغانستان قطع خلالها نحو ألف كيلومتر، ووجد أن طالبان تفرض سيطرة كاملة على البلاد، وأن الوضع يبدو هادئا إلى حد كبير، باستثناء مناوشات متقطعة على الحدود مع باكستان.
تضيف المجلة نفسها أن طالبان أرست سلاما مستقرا نسبيا، وتدير دولة حديثة بشكل أفضل بكثير مما كانت عليه في التسعينيات.. “حينها، لم يكن قادتها يعرفون الكثير عن الحياة خارج قراهم البشتونية في جنوب البلاد. أما الآن، فقد رأى كثير منهم العالم الأوسع، لا سيما دول الخليج حيث قضى العديد منهم بعض الوقت خلال الحرب “.
صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أقرت هي الأخرى بأن أفغانستان شهدت في السنوات الماضية بعض الاستقرار، مشيرة في تقرير لها عن الذكرى إلى أن أعلام طالبان ترفرف في شوارع كابل رغم وجود أزمات داخلية وخارجية.
وتحدثت وكالة الصحافة الفرنسية عن تحقيق نمو بنسبة 4.8% خلال عام 2025، مشيرة في الوقت نفسه إلى تراجع مستوى المعيشة، خصوصا مع عودة أكثر من 6 ملايين أفغاني من إيران وباكستان إلى البلاد منذ عام 2023.
أما وكالة رويترز فلفتت النظر إلى نجاحات حققتها طالبان على أصعدة أخرى منها الدبلوماسية، مشيرة إلى أن بعض الدول بدأت في إعادة تقييم حدود نفوذها في أفغانستان والحاجة إلى التعامل مع الحكومة هناك.

هل تجري مياه في نهر العلاقات؟
قبل الحديث عن احتمالات التغيير في علاقات أفغانستان بالعالم الخارجي، من المهم أن نلخّص الواقع في إجابة بارزة فرضت نفسها خلال السنوات الخمس الماضية؛ مفادها أن دولة واحدة فقط في العالم هي التي اعترفت بحكومة طالبان، وهي للمفارقة روسيا، وريثة الاتحاد السوفيتي.
لكن يبدو أن مياها جديدة تستعد للجريان في هذا النهر، فرغم أن روسيا ما زالت الوحيدة في القائمة، فإن الواقع يشير إلى توسع علاقات أفغانستان بالعديد من الدول وإن استمر غياب الاعتراف الرسمي.
وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي تطرق إلى هذا الأمر في لقاء خاص مع الجزيرة تحدث فيه عن تعاملات رسمية تجري مع دول عديدة بشكل طبيعي، مؤكدا أن بلاده لا تستعجل الاعتراف الرسمي بها.
بشكل أكثر تفصيلا، قال الوزير إن كابل تتعامل حاليا مع أكثر من 40 بعثة دبلوماسية بين سفارات وقنصليات نشطة في دول مختلفة، إضافة إلى عشرات البعثات الأجنبية والمنظمات العاملة في كابل، رغم عدم إعلان الاعتراف الرسمي.
وأشار متقي في هذا الشأن إلى أن إصدار التأشيرات وقبول الجوازات وتبادل الوفود والعقود الاقتصادية، كلها أمور تجري بالفعل مع العديد من الدول، مضيفا أن بلاده تواصل بناء روابطها الدبلوماسية تدريجيا.
الانخراط دون اعتراف
نموذج “الانخراط دون اعتراف “، هو التعبير الذي اختاره مراسل الجزيرة نت حميد الله محمد شاه، للتعبير عن توسّع علاقات أفغانستان مع العالم دون اعتراف رسمي، قبل أن يقدم أبرز النماذج لهذا التوسع فيما يلي:
الصين.. المناجم والتعدين
تُعَد الصين من أبرز شركاء طالبان، رغم عدم اعترافها الرسمي بالحكومة الأفغانية، وتدير بكين سفارتها في كابل، وتتعامل مع الحكومة في ملفات الأمن والتجارة والاستثمار، خصوصا مع رغبتها في منع تحول الأراضي الأفغانية إلى مصدر تهديد لإقليم شينجيانغ.
اقتصاديا، يمثل التعدين أحد أبرز مجالات التعاون، كما دخلت شركات صينية قطاع النفط في شمال أفغانستان، بينما تسعى كابل إلى جذب مزيد من الاستثمارات الصينية في التعدين والطاقة والبنية التحتية.
باكستان.. من حليف تاريخي إلى خصم على الحدود
تمثل باكستان الحالة الأكثر تعقيدا في علاقة طالبان بدول الجوار، حيث كانت لسنوات الأكثر ارتباطا بالحركة، لكنها بعد عودة طالبان للحكم دخلت في خلافات متصاعدة معها، خصوصا بشأن الحدود وحركة طالبان باكستان.
وتتركز الخلافات حول خط ديورند، الذي ترفض أفغانستان الاعتراف به حدودا دولية نهائية، إضافة إلى اتهام باكستان حركة طالبان الأفغانية بالسماح لمسلحي حركة طالبان الباكستانية بالعمل من الأراضي الأفغانية، وهو ما تنفيه كابل.
أوزبكستان.. أفغانستان كجسر إلى المحيط الهندي
تتقدم أوزبكستان في قائمة الدول الأكثر نشاطا في بناء علاقات اقتصادية مع حكومة طالبان. فقد وقعت الدولتان في 2026 عشرات الاتفاقيات التجارية والاستثمارية، وبلغت قيمة الاتفاقيات المعلنة نحو 520 مليون دولار.
لكنّ المشروع الأهم إستراتيجيا هو خط السكك الحديدية الذي يربط أوزبكستان بأفغانستان ثم باكستان، والذي يمكن أن يمنح دول آسيا الوسطى منفذا إلى موانئ بحر العرب.
تركمنستان.. الطاقة قبل السياسة
تتعامل تركمنستان مع الحكومة الأفغانية بمنطق مختلف نسبيا، إذ تركّز على المصالح الاقتصادية وأمن الحدود ومشروعات الطاقة.
الهند.. نفوذ عبر التجارة
أعادت الهند بناء علاقاتها مع كابل بصورة تدريجية بعد أن كانت من أبرز داعمي الحكومة الأفغانية السابقة.
تتركز المصالح الهندية في التجارة والتنمية، وهي تدرك أن ترك الساحة الأفغانية بالكامل للصين وباكستان وإيران قد يضر بمصالحها الإستراتيجية، ولذلك تحاول الحفاظ على حضورها دون الاعتراف الرسمي بطالبان.
طالبان والعالم العربي
بعد الانسحاب الأمريكي، أبقت السعودية وقطر والإمارات على تمثيلها الدبلوماسي في كابل، في خطوة عكست استمرار التعامل مع السلطة القائمة، دون أن ترقى إلى مستوى الاعتراف الرسمي. أما سلطنة عُمان والكويت ومصر، فيتركز تواصلها مع كابل بصورة أساسية في المجال الإنساني وتقديم المساعدات، دون انخراط سياسي أو اقتصادي واسع.
ماليزيا.. تقارب سياسي مشروط
شهدت العلاقة بين ماليزيا وحكومة طالبان تطورا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة، خصوصا على المستوى السياسي.
اقرأ أيضا: لوموند: حصيلة دونالد ترمب الكارثية في الشرق الأوسط | سياسة
وأبدت كوالالمبور استعدادا لتوسيع العلاقات مع كابل، بينما بحث مسؤولون ماليزيون مسألة الاعتراف بطالبان في إطار أوسع يرتبط بموقف منظمة التعاون الإسلامي.
إندونيسيا.. دبلوماسية إسلامية
تحتفظ إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، بقنوات اتصال مع طالبان، وركّزت على الحوار السياسي والمساعدات الإنسانية.
تركيا.. تجارة ونفوذ ناعم
تواصل تركيا التعامل مع حكومة طالبان في مجالات التجارة والاستثمار والنقل، مع إبقاء موقفها السياسي دون اعتراف رسمي.
وتشارك الشركات التركية في قطاعات البناء والخدمات والطاقة، بينما تسعى أنقرة إلى توسيع تجارتها مع أفغانستان وربطها بشبكاتها الاقتصادية الممتدة في آسيا الوسطى.

صفحة الحرب انطوت
نعود إلى العلاقات المعقدة بين أفغانستان والغرب لنرصد ما يبدو تغيرا واضحا وإن كان بطيئا تكررت علاماته في الأعوام القليلة الأخيرة.
الجانب الأفغاني كان واضحا في توصيل رسالة بهذا الشأن خلال حوار أجراه وزير الخارجية أمير خان متقي مع صحيفة نيويورك تايمز، حيث اعتبر أنّ “صفحة الحرب قد طويت “، مؤكدا رغبة بلاده في فصل جديد من التعاون الإيجابي والعلاقات المبنية على الاحترام المتبادل.
وأضاف متقي أن بإمكان الولايات المتحدة “إعادة فتح سفارتها، والحفاظ على وجود دبلوماسي، والاستثمار ” في ثروات أفغانستان المعدنية الهائلة، وفي السدود والطرق، وهي مشاريع تشير نيويورك تايمز إلى أن واشنطن وحلفاءها أنفقوا عليها مليارات الدولارات في السابق.
كما أشار الوزير الأفغاني إلى أن بلاده تتفاوض بشأن اتفاقيات الهجرة مع دول أوروبية، مشيرا إلى تحقيق تقدم في هذا الصدد دون أن يكشف عن مزيد من التفاصيل.
وأكدت وسائل إعلام غربية هذه الاتصالات، مشيرة إلى اجتماعات عقدتها الحكومة الأفغانية مع ممثلين لألمانيا وفرنسا، كما التقى وفد دبلوماسي أفغاني بدبلوماسيين من 15 دولة من الاتحاد الأوروبي في بروكسل خلال يونيو/حزيران الماضي لبحث قضايا تتعلق بالهجرة واللجوء.
وتعلق نيويورك تايمز على ذلك بالإعراب عن اعتقادها أن طالبان تعتبر استعادة نوع من العلاقة مع واشنطن بمثابة الإنجاز الأكبر في مسارها الدبلوماسي، خصوصا في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب التي تعطي أهمية كبيرة للصفقات والمصالح التجارية والاقتصادية.
وتضيف الصحيفة أن طالبان تحاول تقديم نفسها للولايات المتحدة باعتبارها سلطة قادرة على فرض الأمن والاستقرار وتهيئة بيئة مناسبة للاستثمار الأجنبي، وإن كانت هذه الرغبة تصطدم بعقبات كبيرة في واشنطن، حسب تقدير الصحيفة.
عقبات وصعوبات
فالإدارة الأمريكية لا تبدو مستعدة حاليا لتطبيع العلاقات مع طالبان، وفق نيويورك تايمز التي تقول إن واشنطن اتخذت خلال الفترة الماضية خطوات زادت من المسافة بين الطرفين.
هناك أيضا رفض طالبان لمطالب علنية من ترمب باستعادة السيطرة على قاعدة باغرام الجوية، التي احتلتها القوات الأمريكية لمدة 20 عاما؛ إضافة إلى مطالبته بإعادة أسلحة تركتها القوات الأمريكية في أفغانستان لدى انسحابها منها وكذلك الإفراج عن مواطن أمريكي تنفي طالبان احتجازه.
واستغل الوزير متقي حواره مع الصحيفة الأمريكية ليؤكد أن التاريخ أثبت أن الأفغان لا يمكنهم القبول بوجود عسكري أجنبي على أراضيهم أو التسامح معه، محاولا الدفع باتجاه علاقة تقوم على الاستثمار والتجارة بدل القواعد العسكرية.
لكنّ وزارة الخارجية الأمريكية ردت على احتمالية تطبيع العلاقات الدبلوماسية بالنفي متهمة حركة طالبان بالفشل في تحقيق الاستقرار في أفغانستان والوفاء بالتزاماتها بمكافحة الإرهاب، مضيفة أنها لا تتواصل مع طالبان إلا “عندما يكون ذلك في مصلحة الشعب الأمريكي “.
هل من جديد في الموقف الغربي؟
الاتجاه العام في صحف غربية كبرى يبدو مخالفا لهذا التوجه الأمريكي، حيث عبّرت العديد منها عن اعتقادها بأن واشنطن يجب أن تتجه نحو تغيير نظرتها وموقفها من أفغانستان وحكومتها.
تقول مجلة إيكونوميست إن الولايات المتحدة نسيت أفغانستان إلى حد كبير، وهذا خطأ؛ لأن البلاد يمكن أن تتسبب مجددا في اضطرابات جيوسياسية إذا جرى تجاهلها، فضلا عن أن استمرار عزلها قد يجعلها أكثر عرضة للوقوع في فلك الصين أو روسيا.
وتقول المجلة إن الدول الغربية بحاجة إلى نهج جديد يقوم على الاعتراف بعدة حقائق صعبة مفادها: عزل طالبان لم يثمر، واستهدافها بفرض عقوبات على مسؤوليها وتجميد الاحتياطيات المالية الأفغانية بالخارج لم يفلح، والحركة لن تختفي ولن تتغير، وإذا لم يتعاون الغرب فسيفعل ذلك آخرون، والمتشددون في طالبان لن يغيّروا أيديولوجيتهم لمجرد استقدام سفراء أو استعادة أموال مجمدة.
وتعتقد إيكونوميست أن هناك ملامح لنهج غربي جديد بدأت في الظهور بالفعل، مشيرة إلى أن المفاوضات التي جرت بين الأوروبيين والأفغان بشأن المهاجرين وطالبي اللجوء، وكذلك إلى قيام واشنطن بتبادل معلومات استخبارية مع طالبان بشكل سري في إطار الحرب على الجماعات الإسلامية المتطرفة.
أما نيويورك تايمز، فتشير إلى دعوات متزايدة من محللين ودبلوماسيين أمريكيين سابقين بضرورة تجديد الحوار الأمريكي الأفغاني.
ونقلت الصحيفة عن روبين رافيل، وهي دبلوماسية أمريكية سابقة، أن أمام ترمب فرصة لتحقيق ما عجز عنه الرئيس السابق جوزيف بايدن في هذا الشأن، مؤكدة أن “تجاوز حالة الشلل الراهنة قد يتيح فرصا جديدة للوصول إلى المعادن، ويعزز العلاقات مع جيران أفغانستان في آسيا الوسطى، ويواجه الصين وروسيا اللتين تربطهما علاقات تجارية ودبلوماسية مع أفغانستان “.
كما تنقل عن مايكل كوغلمان، وهو خبير بشؤون جنوب آسيا، أن ملف المعادن هو الخيار الأمثل الذي يجب طرحه على إدارة ترمب، حيث تزخر أفغانستان باحتياطيات هائلة غير مستغلة من الليثيوم والنحاس وخام الحديد، فضلا عن عناصر أرضية نادرة.
المصدر: الجزيرة + وكالات + الصحافة الأميركية + الصحافة البريطانية
اقرأ أيضا: مباشر.. مباراة الهلال ضد الرائد في كأس خادم الحرمين الشريفين