انقسام حزب الشعب الجمهوري.. كيف سقطت قلعة أتاتورك من الداخل؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

“كنا نتنافس سياسيا مع أردوغان. ظل يهزمنا طوال 23 عاما… وعندما فزنا العام الماضي، أخرج السيد أردوغان فأسا من تحت الطاولة وضربنا بها على رؤوسنا”

اقرأ أيضا: ياسر إدريس: المركز الأولمبي بيت الأبطال.. والوزارة شريك في صناعة الإنجاز

بهذه الحكاية التي تبدأ بصندوق اقتراع وتنتهي بفأس، شرح أوزغور أوزال مساء الاثنين 27 يوليو/تموز 2026 في أول مقابلة تلفزيونية له بصفته رئيس “الحزب الجديد” تصوره الخاص للمشهد السياسي. فقبل أقل من 3 أعوام، كان مؤتمر حزب الشعب الجمهوري قد انتخبه رئيسا خلفا لكمال كليتشدار أوغلو. وتحت قيادته تصدر الحزب انتخابات البلديات في مارس/آذار 2024، متقدما على حزب العدالة والتنمية للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين. ثم أبطل القضاء المؤتمر في مايو/أيار 2026 بسبب مخالفات شابت انتخاب مندوبيه، وأعاد كليتشدار أوغلو والهيئات السابقة إلى القيادة. حمَّل أوزال أردوغان المسؤولية السياسية عن هذا المسار دون دليل ربما ليعطي نفسه وحزبه دفعة جماهيرية، فيما بقي الحكم القضائي قائما على أسبابه المعلنة.

بعد إبعاده، أسس أوزال حزبا جديدا وانتقل إليه مع 90 نائبا. وبذلك وُلِد الحزب وفي حوزته 91 مقعدا، وانتزع صفة المعارضة الرئيسية قبل أن يخوض انتخابات أو يبني فروعه في المحافظات. كانت ولادة مقلوبة قياسا إلى المسار المعتاد للأحزاب. فقد بدأ من قمة البرلمان، حيث تحتاج الأحزاب الأخرى إلى سنوات كي تصل، وبقي عليه أن يبني ما يبدأ منه أي حزب: تنظيما وقاعدة وسببا يدفع الناس إلى انتخابه.

“ولد الحزب الجديد ولادة مقلوبة قياسا إلى المسار المعتاد للأحزاب”

هنا تظهر المسافة بين المقعد والحزب. إذ يستطيع النواب حمل مقاعدهم إلى كتلة أخرى بقرارات فردية، بينما لا تنتقل معهم تلقائيا أصوات الملايين ولا رؤساء البلديات والفروع والكوادر. ويبقى اسم حزب الشعب الجمهوري، بأسهمه الستة وتاريخه الممتد منذ عام 1923، مِلكا للكيان الذي استعاد كليتشدار أوغلو قيادته. ولهذا حُسمت هوية الحزب قانونيا، وبقيت هويته السياسية مُعلَّقة. يملك كليتشدار أوغلو الاسم والتنظيم، ويملك أوزال غالبية النواب وذكرى الفوز في الانتخابات المحلية عام 2024، ولا يملك أي منهما بعد دليلا على أن الناخبين اختاروا جانبه.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2مصيدة الأرواح الصغيرة.. لماذا أصبحت حماية الأطفال مهمة مستحيلة؟
  • list 2 of 2مارادونا في الحي الإسباني.. لماذا نجحت نابولي وأخفقت ميامي؟

end of list

إعلان

من يملك حزب الشعب الجمهوري؟

عندما خسر كمال كليتشدار أوغلو الانتخابات الرئاسية في مايو/أيار 2023، وجد حزب الشعب الجمهوري نفسه أمام هزيمة أثقل من مجرد خسارة سباق انتخابي مُعتاد. فقد دخلت المعارضة الانتخابات وهي تعتقد أن الأزمة الاقتصادية والاستياء الذي أعقب زلزال فبراير/شباط يمنحانها أفضل فرصة لإنهاء حكم الرئيس رجب طيب أردوغان. ولذا جمع كليتشدار أوغلو حول ترشحه 6 أحزاب، وحصل كذلك على دعم الحركة السياسية الكردية. إلا أن أردوغان فاز في جولة الإعادة، وحافظ تحالفه على الأغلبية البرلمانية، وتفرقت الأحزاب التي التفت حول كليتشدار أوغلو.

نقلت الهزيمة الخلاف إلى داخل الحزب، إذ رأى أنصار كليتشدار أوغلو أنه وسَّع قاعدة المعارضة وأوصلها إلى منافسة أردوغان في جولة ثانية، وتمسكوا باستمرار السياسة التي جمعت المحافظين والقوميين والأكراد حول مرشح واحد. بينما حمَّله خصومه مسؤولية اختيار نفسه مرشحا وإدارة حملة انتهت بخسارة جديدة، وطالبوا بتغيير القيادة وطريقة اختيار المرشحين وعلاقة المركز بالفروع. أخذ هذا المعسكر اسم “تيار التغيير”، وهي عبارة جمعت في البداية كل الرافضين لبقاء الإدارة القديمة، قبل أن تتحول إلى تحالف يقوده أوزغور أوزال وأكرم إمام أوغلو.

“نقلت هزيمة كليتشدار أوغلو أمام أردوغان الخلاف إلى أروقة حزب الشعب الجمهوري”

كان أوزال يرأس الكتلة البرلمانية للحزب ويعرف شبكته الداخلية ومندوبي مؤتمره. وكان إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، يملك ثقلا انتخابيا لا يتوافر لأي مسؤول حزبي آخر بعد انتصارين في انتخابات عمودية المدينة منذ عام 2019. أراد إمام أوغلو تغيير القيادة مع الاحتفاظ بمنصبه البلدي وموقعه مرشحا رئاسيا محتملا. فتولَّى أوزال خوض المنافسة داخل الحزب، وساعد إمام أوغلو في جمع رؤساء فروع ومندوبين حوله، ثم ترأس هيئة إدارة المؤتمر العام الثامن والثلاثين في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. نشأت من هذا التعاون قيادة ذات مركزين، يتولى أوزال فيها إدارة الحزب، ويوفر إمام أوغلو الثقل الشعبي والمشروع السياسي.

كمال كليتشدار أوغلو (يمين) وأوزغور أوزال يحضران المؤتمر العادي الثامن والثلاثين لحزب الشعب الجمهوري عام 2023
كمال كليتشدار أوغلو (يمين) وأوزغور أوزال يحضران المؤتمر العادي الثامن والثلاثين لحزب الشعب الجمهوري عام 2023 (الفرنسية)

كشف اقتراع المؤتمر دقة التوازن داخل الحزب. فقد حصل أوزال في الجولة الأولى على 682 صوتا، مقابل 664 لكليتشدار أوغلو، وبقي المرشحان دون عتبة الفوز البالغة 684 صوتا. وفي الجولة الثانية، انتقل مزيد من المندوبين إلى أوزال ففاز بـ812 صوتا مقابل 536، وأنهى 13 عاما من رئاسة كليتشدار أوغلو.

كانت أمام أوزال 5 أشهر فقط قبل انتخابات البلديات. وقد راجعت القيادة الجديدة بعض الترشيحات التي استقرت داخل شبكات الحزب المحلية، واستخدمت استطلاعات ومشاورات مع الفروع، ورفعت شعار “تحالف تركيا” لاستمالة ناخبي المعارضة من دون اتفاق رسمي بين أحزابها. واعتمدت الحملة على رؤساء البلديات الذين فازوا خلال رئاسة كليتشدار أوغلو عام 2019، وفي مقدمتهم أكرم إمام أوغلو في إسطنبول ومنصور يافاش في أنقرة. وبهذا حملت انتخابات 2024 بصمة القيادة الجديدة وميراث المرحلة السابقة معا.

“منحت صناديق 31 مارس/آذار تيار التغيير النتيجة التي احتاج إليها لإثبات جدوى القيادة الجديدة”

منحت صناديق 31 مارس/آذار تيار التغيير النتيجة التي احتاج إليها لإثبات جدوى القيادة الجديدة. فقد حصل حزب الشعب الجمهوري في اقتراع المجالس البلدية على 37.8%، مقابل 35.5% لحزب العدالة والتنمية. وفاز بـ14 من أصل 30 بلدية كبرى، و21 بلدية في مراكز المحافظات، و314 بلدية قضاء. احتفظ إمام أوغلو بإسطنبول بأكثر من 51%، وتجاوز يافاش 60% في أنقرة، وأضاف الحزب إلى خريطته مدنا مثل بورصة وبالِق أسير ومانيسا، ليصبح بذلك الحزب الأول في تصويت المجالس البلدية للمرة الأولى منذ عقود.

إعلان

شارك أوزال في صنع هذا الفوز من موقع رئيس الحزب، إذ اختار المرشحين، وأدار الحملة، وخفَّف أثر انهيار تحالف المعارضة عبر تشجيع التعاون بين الناخبين. وجاءت النتيجة أيضا من عوامل تجاوزت قراراته، فقد ضغط التضخم وتراجع القوة الشرائية وتذمر المتقاعدين على مرشحي الحكومة، وانخفضت المشاركة من قرابة 85% عام 2019 إلى نحو 78%. امتنع قسم من ناخبي حزب العدالة والتنمية، وانتقل قسم إلى حزب الرفاه الجديد، واستفاد مرشحو حزب الشعب الجمهوري من التصويت الكردي الإستراتيجي ومن أصوات قوميين ومحافظين معارضين. كما حمل إمام أوغلو ويافاش رصيدا شخصيا بنته إدارتاهما على مدار 5 أعوام.

كمال كليتشدار أوغلو يتوسط منصور يافاش (يسار) وأكرم إمام أوغلو عام 2023
كمال كليتشدار أوغلو  يتوسط منصور يافاش (يسار) وأكرم إمام أوغلو عام 2023 (الفرنسية)

نزاع على الشرعية لم ينتهِ

غير أن الانتصار الذي منح القيادة الجديدة شرعيتها الانتخابية لم ينه النزاع على شرعيتها داخل الحزب. فقد طعن مندوبون وأعضاء سابقون في المؤتمر الذي أوصل أوزال إلى الرئاسة، واتهموا مسؤولين في تيار التغيير بعرض أموال ووظائف بلدية وترشيحات وبطاقات تُسوِّق على بعض المندوبين مقابل أصواتهم، إلى جانب طلب تصوير أوراق الاقتراع وترويج خبر انسحاب كليتشدار أوغلو قبل الجولة الثانية. وردَّ الحزب بأن المؤتمر جرى تحت إشراف الهيئات الانتخابية، وأن الشهادات الواردة في القضية متنازعة، فيما استمرت محاكمات جنائية مرتبطة بالاتهامات من دون أحكام نهائية.

رُفِضَت دعاوى الإبطال أمام محكمة أنقرة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ثم قلبت محكمة الاستئناف القرار في 21 مايو/أيار 2026. وقد رأت المحكمة أن الأدلة والإفادات تكشف إفسادا لإرادة المندوبين ومخالفة للقواعد الملزمة للديمقراطية داخل الأحزاب، واعتبرت المؤتمر باطلا منذ انعقاده. امتد أثر الحكم إلى المؤتمرات والقرارات التي بُنيت عليه، فعاد كليتشدار أوغلو ومجلس الحزب وهيئة الانضباط السابقة إلى مواقعهم، وأُبعِد أوزال والهيئات المنتخبة في عهده إلى حين حسم الطعن أمام محكمة التمييز.

“حوَّل الحكم الخلاف الداخلي إلى صراع على شرعيتين”

وبهذا، حوَّل الحكم الخلاف الداخلي إلى صراع على شرعيتين. إذ استند أوزال إلى تفويض المؤتمر وفوز البلديات عام 2024، ووصف إبعاده بأنه “انقلاب قضائي”، فيما قدم كليتشدار أوغلو عودته بوصفها تكليفا بإصلاح الحزب وحماية إرادة مندوبيه. أما الحكومة، فأحالت القضية إلى منشئها داخل حزب الشعب الجمهوري، ودافعت عن حق القضاء في مراقبة الديمقراطية الحزبية.

حاول معسكر أوزال استعادة القيادة بعقد مؤتمر استثنائي يعيد انتخابه، وجمع 833 توقيعا موثقا من المندوبين لهذا الغرض. واختارت إدارة كليتشدار أوغلو مراجعة التوقيعات وبدء مؤتمرات الفروع قبل الوصول إلى مؤتمر عام، فتقلَّصت مساحة التسوية بين الطرفين. وعندما تعذر حسم النزاع داخل المؤسسة، اتجه أوزال ورفاقه إلى تأسيس حزب جديد.

أعاد الانشقاق توزيع القوة التي كانت مجتمعة تحت سقف واحد. بقي اسم حزب الشعب الجمهوري وشعاره الشهير ومقره العام وحساباته وأصوله وسجل عضويته لدى المؤسسة التي يقودها كليتشدار أوغلو. وظلت فروع المحافظات والأقضية تابعة للشخصية القانونية نفسها، حتى في الأماكن التي أعلن رؤساؤها رفض قيادة كليتشدار أوغلو، إذ إن استقالة رئيس الفرع تنهي صفته الشخصية، وتترك المقر والحساب وسجل الأعضاء للحزب القديم.

“أصوات 2024 لا يملك أي من الطرفين صكا بها، إذ لن تعرف وجهتها إلا عندما يتنافس الحزبان للمرة الأولى”

انتقل في الاتجاه الآخر معظم التمثيل البرلماني وعدد من المسؤولين الذين أداروا الحزب بعد عام 2023، ما يمنح أوزال القدرة على قيادة المعارضة الرئيسية داخل البرلمان، والتحدث باسم كتلة كبيرة، وتوزيع الأدوار في اللجان وهيئة رئاسة المجلس. وتظل سلطته البرلمانية منفصلة عن الفروع والحسابات والأصول المسجلة باسم حزب الشعب الجمهوري. أما البلديات، فتتحرك وفق قرارات رؤسائها ومجالسها وتنظيماتها المحلية، وقد تتوزع هذه العناصر بين الحزبين. لذلك بقيت خريطتها أكثر سيولة من الخريطة البرلمانية.

إعلان

حسم الحكم سلطة التصرف بالاسم والمؤسسة لمصلحة إدارة كليتشدار أوغلو، بينما انتقلت إلى أوزال غالبية التمثيل البرلماني وجانب من القوة المحلية التي تكونت خلال رئاسته. أما أصوات 2024، فلا يملك أي من الطرفين صكا بها، إذ لن تعرف وجهتها إلا عندما يتنافس الحزبان للمرة الأولى.

حين ينجح المنشقون

تبدأ وراثة الأحزاب عادة حين يلتقي خروج المنشقين حاجة تشكَّلت في المجتمع، ويقدمون للناخب عرضا سياسيا يفهم منه ما الذي سيتغير في حياته، ثم يبنون تنظيما يحملهم إلى المدن والبلدات والبرلمان عبر صناديق الاقتراع. وفي سيناريو آخر، قد تمنحهم المقاعد التي ورثوها حضورا مبكرا في البرلمان، من دون أن تحمل إليهم أصوات الذين انتخبوهم تحت اسم حزب آخر.

ويقدم التاريخ الحزبي التركي سوابق لهذه اللحظة بنقيضيها. فقد سبق أن هزم منشقون أحزابهم الأصلية وورثوا مجالها الانتخابي، ونجحوا في إعادة تشكيل المجال الذي خرجوا منه، وفي المقابل فإن هناك كتلا برلمانية عادت انكماشا وضمورا عند أول احتكاك بالصندوق.

“سبق أن هزم منشقون أحزابهم الأصلية وورثوا مجالها الانتخابي، وفي المقابل فإن هناك كتلا برلمانية عانت انكماشا وضمورا عند أول احتكاك بالصندوق”

أتت التجربة الأولى في 7 يونيو/حزيران 1945، حين قدَّم جلال بايار وعدنان مندريس وفؤاد كوبريلي ورفيق كورالتان إلى كتلة حزب الشعب الجمهوري الحاكم وقتها وثيقة عُرفت لاحقا باسم “مذكرة الأربعة”. وطالب أصحابها بتوسيع الحريات وتقوية رقابة البرلمان وفتح المجال أمام المنافسة. رفضت الكتلة المذكرة، وتوالى خروج مقدميها، الذين سرعان ما أسسوا الحزب الديمقراطي في يناير/كانون الثاني 1946.

كان العدد ضئيلا، لكن البلاد التي خرجوا إليها كانت تتغيَّر. فقد أنهكت الحرب العالمية الثانية الاقتصاد، ورفعت الأسعار، ووسَّعت تدخل الإدارة في الأسواق، وضاق الفلاحون والتجار والحرفيون بالضرائب والتداخل بين الحزب والدولة. ومن ثمَّ التقط الحزب الديمقراطي الجديد هذه التذمرات، ومنحها لغة سياسية وفروعا وصلت إلى المدن والبلدات والقرى، فتحول الخلاف الذي بدأ بين 4 نواب وقيادتهم إلى معارضة لحكم الحزب الواحد.

ظهرت قوة هذا التحول بعد تعديل قواعد الانتخابات عام 1950، حين أصبح التصويت سريا والفرز علنيا ودخل الإشراف القضائي إلى العملية الانتخابية. حصل الحزب الديمقراطي على 55.2% من الأصوات و416 مقعدا، مقابل 39.6% و69 مقعدا لحزب الشعب الجمهوري. احتاج المنشقون إلى 5 أعوام كي يعودوا إلى المؤسسة التي خرجوا منها حكاما، بعدما وجد الناخب في حزبهم طريقا إلى نظام سياسي مختلف.

(Original Caption) 5/22/1950-Ankara, Turkey-The new President of the Turkish Republic and members of the new Adnan Menderes cabinet are shown together following the ceremonies in the National Assembly at Ankara on May 22, 1950, when Celal Bayar was elected the third President of Turkey and Adnan Menderes was appointed Prime Minister to form the new government (composed of members of the Democratic Party which carried the general legislative lections held in Turkey on May 14, 1950.)
جلال بايار وعدنان مندريس يتوسطان أعضاء من حكومة الحزب الديمقراطي الأولى عام 1950 بعد خمس سنوات من انشقاقهم عن حزب الشعب الجمهوري (غيتي)

ورث الحزب الديمقراطي المؤسسة التي خرج منها بعدما تحول إلى عنوان للانتقال من حكم الحزب الواحد. أما الوراثة الثانية، التي شهدها المجال المحافظ بعد أكثر من نصف قرن، فسلكت طريقا مختلفا. إذ خرج التجديديون من حركة راسخة، ثم أعادوا تركيب جمهورها داخل مشروع أوسع منها. بنت حركة “الرؤية الوطنية” التي قادها نجم الدين أربكان شبكة من الأحزاب والجمعيات والفروع والبلديات، وصارت الإطار الرئيسي للإسلام السياسي التركي. ومع نهاية التسعينيات، انقسمت قيادتها بين تقليديين حافظوا على اللغة السياسية الموروثة وتجديديين أرادوا توسيع المجال المحافظ.

ظهر الانقسام في مؤتمر حزب الفضيلة عام 2000، حين حصل عبد الله غُل، مرشح التجديديين، على 521 صوتا أمام 633 صوتا لرئيس الحزب رجائي قوطان. وبعد إغلاق المحكمة الدستورية الحزب في يونيو/حزيران 2001، أسس التقليديون حزب السعادة، وأنشأ التجديديون بقيادة رجب طيب أردوغان وغُل وبولنت أرينتش حزب العدالة والتنمية.

“بعد إغلاق حزب الفضيلة أسس التقليديون حزب السعادة، وأنشأ التجديديون بقيادة رجب طيب أردوغان وغُل وبولنت أرينتش حزب العدالة والتنمية”

حمل المؤسسون خبرة طويلة في البلديات والعمل التنظيمي، وأعادوا تقديمها تحت عنوان “الديمقراطية المحافظة”. وقد جمع خطابهم القيم الدينية واقتصاد السوق والإصلاح السياسي والسعي إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، فاحتفظوا بجزء كبير من جمهور الحركة الإسلامية، وجذبوا رجال أعمال الأناضول وشرائح من يمين الوسط فقدت ممثلها السياسي.

إعلان

فتحت الأزمة الاقتصادية عام 2001 أمام العدالة والتنمية مجالا أوسع، بعدما أفقرت قطاعات واسعة وأسقطت الثقة بأحزاب الائتلاف الحاكم. فقد حصل العدالة والتنمية في انتخابات 2002 على 34.3% و363 مقعدا، مقابل 2.49% لحزب السعادة، ثم ارتفعت حصته إلى 46.6% عام 2007. فورث الحزب قسما من المجال الإسلامي، وأضاف إليه ناخبين رأوا فيه مشروعا للاستقرار والحكم، حتى صار الفرع أكبر من الأصل.

جاء الحزبان الديمقراطي والعدالة والتنمية عند نهاية مرحلتين عجزتا عن استيعاب التحولات الاجتماعية. ورافق الأول الانتقال إلى التعددية، وصعد الثاني بعد انهيار نظام أنهكته الائتلافات والأزمة الاقتصادية. وفي الحالتين، أصبحت قصة المجتمع الذي أراد الانتقال أكبر من قصة السياسيين الذين انشقوا.

أسماء خلقت أحزابا

أما بولنت أجاويد، فنقل مركز الثقل الانتخابي إلى حزبه من دون أن يبني مؤسسة قادرة على الاحتفاظ به طويلا. فقد تأسس حزب اليسار الديمقراطي عام 1985 خلال المرحلة التي أُغلقت فيها أحزاب ما قبل انقلاب 1980 وفُرض الحظر السياسي على قادتها. تولت رهشان أجاويد رئاسته، ثم عاد زوجها بولنت إلى العمل السياسي مستندا إلى مكانته التاريخية في يسار الوسط. حصل الحزب على 8.53% عام 1987، وارتفع إلى 14.6% عام 1995.

بلغ الحزب ذروته في انتخابات 1999، حين حصل على 22.19% و136 مقعدا، وهبط حزب الشعب الجمهوري إلى 8.71% وخرج من البرلمان. اجتمعت وراء النتيجة صورة أجاويد زعيما نزيها وصاحب خبرة، وتفتت يسار الوسط، والموجة القومية التي أعقبت اعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. وبعد عامين، ضربت الأزمة الاقتصادية الحكومة، وتدهورت صحة أجاويد، وانقسمت كتلته البرلمانية، فهبط الحزب إلى 1.22% في انتخابات 2002. وبهذا، انتقل الجمهور مع الزعيم في لحظة صعوده، ثم تفرق عندما اهتزت الظروف التي صنعت مكانته.

“في حالة بولنت أجاويد انتقل الجمهور مع الزعيم في لحظة صعوده، ثم تفرق عندما اهتزت الظروف التي صنعت مكانته”

وبين وراثة المجال كاملا وفقدانه بعد صعود عابر، يقدم الحزب الجيد مسارا ثالثا، يقوم على اقتسام الجمهور مع المؤسسة الأم والعيش إلى جانبها من دون إزاحتها. بدأت قصته بعد انتخابات 2015، عندما حاولت ميرال أكشنار وعدد من القيادات القومية عقد مؤتمر استثنائي لتغيير دولت بهتشلي، رئيس حزب الحركة القومية. امتد النزاع إلى القضاء والفروع، ثم خرج المعارضون وأسسوا الحزب الجيد في أكتوبر/تشرين الأول 2017. احتفظ الحزب بمرجعيته القومية، وفتح خطابه أمام يمين الوسط والمعارضين للنظام الرئاسي، وتعاون مع حزب الشعب الجمهوري ضمن تحالف المعارضة. وفي عام 2018، انتقل إليه مؤقتا 15 نائبا من حزب الشعب الجمهوري خلال الجدل حول أهليته للمشاركة في الانتخابات، فدخل السباق بكتلة برلمانية وفرصة لاختبار قوته باسمه.

Turkish Prime Minister Bulent Ecevit casts his ballot at a polling station in Ankara on Sunday, April 18, 1999. Ecevit's party was climbing in the polls prior to Sunday's national election which pit him against rival secularists and a pro-Islamic party in control of Turkey's main cities. Turnout Sunday was high with voters forming long lines even before the polling stations opened. Ecevit turned up early and stood in line to cast his vote.(AP Photo/Burhan Ozbilici)
بولنت أجاويد يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع في أنقرة يوم الأحد 18 أبريل/نيسان 1999 (أسوشيتد برس)

حصل الحزب الجيد على 9.96% و43 مقعدا، مقابل 11.10% و49 مقعدا لحزب الحركة القومية. تقاسم الحزبان جانبا من الجمهور القومي، واحتفظ الأصل بقاعدته وتنظيمه وموقعه داخل التحالف الحاكم. وقد وفَّر التعاون مع حزب الشعب الجمهوري للحزب الجيد نفوذا إضافيا، ثم تراجعت أصوات مرشحيه لرئاسة البلديات إلى 3.77% عندما خاض انتخابات 2024 منفردا. ولذا أثبت الحزب قدرته على البقاء إلى جانب الحركة القومية، غير أن قوته بقيت مرتبطة بمساحة سياسية تتسع وتضيق وفق موقعه داخل المعارضة. ولذا استطاع الحزب الجيد اقتطاع مساحة انتخابية مستقلة، وإن بقي عاجزا عن إزاحة أصله.

“استطاع الحزب الجيد اقتطاع مساحة انتخابية مستقلة، وإن بقي عاجزا عن إزاحة أصله”

أما أحمد داود أوغلو وعلي باباجان، فتكشف تجربتاهما أن المناصب السابقة والعلاقات الواسعة والحضور الإعلامي قد تمنح الحزب مكانا في النقاش العام من دون أن تمنحه جمهورا يختاره. فقد أسس أحمد داود أوغلو حزب المستقبل عام 2019، وأنشأ علي باباجان حزب الديمقراطية والتقدم في العام التالي.

وقد دخل الرجلان تجربتيهما بخبرة في الحكومة والدولة وعلاقات واسعة وحضور إعلامي، وقدما نقدا لتجربة العدالة والتنمية سياسيا واقتصاديا. غير أن حزب العدالة والتنمية احتفظ بمعظم ناخبيه المحافظين وفروعه وبلدياته، وظهر المشروعان أقرب إلى مراجعة نظرية للتجربة منهما إلى بديل سياسي. وقد دخل الحزبان انتخابات 2023 على قوائم حزب الشعب الجمهوري، وفاز 15 مرشحا لحزب الديمقراطية والتقدم و10 مرشحين لحزب المستقبل. وفَّرت القوائم مقاعد وحضورا وطنيا، ثم أظهرت الانتخابات المحلية حجم القاعدة المستعدة إلى اختيارهما مباشرة، حين حصل مرشحو الديمقراطية والتقدم لرئاسة البلديات على 0.33%، وجمع مرشحو المستقبل 0.07%.

هكذا انتزع الحزب الديمقراطي الحكم من الحزب الذي خرج منه، ووسَّع العدالة والتنمية المجال المحافظ الذي نشأ فيه، وعاش الحزب الجيد إلى جانب الحزب الأم، فيما بقيت الأحزاب الأحدث أصغر من أسماء مؤسسيها. وتضع هذه السوابق أوزال أمام اختبار مركب، يجمع بين التقاط حاجة اجتماعية تتجاوز أزمة الحزب، وبناء تنظيم يصل إلى الناخب، وتقديم فارق سياسي يبرر الاسم الجديد.

Turkey's Prime Minister Ahmet Davutoglu (L), accompanied by his deputy Ali Babacan, greets parliamentarians during a swearing-in ceremony in the Turkish Parliament in Ankara, Turkey, June 23, 2015. REUTERS/Umit Bektas
أحمد داود أوغلو (يسار) أسس حزب المستقبل عام 2019، وأنشأ علي باباجان حزب الديمقراطية والتقدم في العام التالي (رويترز)

روافد الحزب الجديد

خرج أوزغور أوزال من أول اجتماع مغلق لكتلة الحزب الجديد، ظهر الثلاثاء 28 يوليو/تموز، وأعلن أن إجراءات التأسيس اكتملت، وعلى الفور بدأ مجلس الحزب وهيئة الانضباط والإدارة المركزية ممارسة مهامهم. بدت الصورة، من داخل البرلمان، صورة حزب استقر في مكانه واستعد للعمل. وفي اليوم نفسه، كان سجل الأحزاب لدى محكمة التمييز يروي نصفا آخر من الحكاية. ثبَّت اسم أوزال رئيسا، وأورد تاريخ التأسيس وعنوان المقر، ثم وضع أمام عدد الأعضاء صفرا، في وقت خلا الموقع الرسمي من دليل للفروع في المحافظات والأقضية.

اقرأ أيضا: رسميا .. بيراميدز يعلن التعاقد مع خالد عوض

يضع القانون لهذه المفارقة موعدا نهائيا. فمنذ تعديل قانون الأحزاب سنة 2022، فقدت الكتلة البرلمانية وظيفتها القديمة بوصفها طريقا مستقلا إلى الانتخابات. وصار على الحزب الراغب في دخولها أن ينظم نفسه في 41 محافظة على الأقل، وينشئ فروعا في ثلث أقضية كل محافظة، ويعقد مؤتمره العام قبل موعد الاقتراع بـ6 أشهر. تمنح المقاعد أوزال منابر البرلمان وأدوات الرقابة وصفة المعارضة الرئيسية، فيما تتوقف أهلية حزبه الانتخابية على عمل أقل ظهورا يجري في سجلات العضوية ومقار الأقضية وقاعات المؤتمرات. وإذا جاءت الانتخابات مبكرة، فسيجد نفسه أمام سباقين متزامنين، أحدهما مع خصومه على أصوات البلاد، والآخر مع الوقت كي يصل اسمه إلى ورقة الاقتراع.

“على الحزب الراغب في دخول الانتخابات أن ينظم نفسه في 41 محافظة على الأقل، وينشئ فروعا في ثلث أقضية كل محافظة، ويعقد مؤتمره العام قبل موعد الاقتراع بـ6 أشهر”

تمنح كتلة من 91 نائبا اختصارا مهما لهذا الطريق. فالنواب يعرفون لجان البرلمان وأبواب الإدارة الحزبية ودوائرهم المحلية، ويحمل كل واحد منهم شبكة من العلاقات مع رؤساء البلديات والوجهاء والمنظمات المدنية ووسائل الإعلام في محافظته. ويمكنهم، حين يعودون من أنقرة، أن يفتحوا للفكرة الجديدة بابا في المدن التي انتُخبوا عنها. أما قيمتهم في صندوق الاقتراع، فتنتظر قياسا آخر.

لهذا يكتسب انتقال البلديات وزنا أكبر من عدده المجرد. وقد قال أوزال إن أكثر من 200 رئيس بلدية أبلغوه رغبتهم في الانضمام، وإنهم سيبدأون إعلان مواقفهم اعتبارا من 28 يوليو/تموز. ظلت القوائم المنشورة حتى مساء ذلك اليوم جزئية ومتغيرة، واختلط فيها من أكمل انتقاله بمن أعلن نيته أو أجل قراره. لذلك عبَّر الرقم عن الموجة التي يتوقعها أوزال أكثر مما عبَّر عن حصيلة مسجلة ونهائية.

ولم تجر هذه الموجة على صورة واحدة. ففي محافظة دنيزلي، انتقل رئيس البلدية الكبرى بولنت نوري تشاوش أوغلو ومعه رؤساء عدد من الأقضية، فتحرك مركز محلي تحيط به شبكة من المسؤولين والكوادر. وفي أورلا بمحافظة إزمير، رافق التنظيم رئيس البلدية في الاستقالة، ولحق به 23 عضوا من إجمالي 15 عضوا في المجلس البلدي. أما أتيمسغوت في أنقرة، فقد وزَّعت قوتها بين الحزبين، حيث بقي رئيس البلدية أردال بشكتشي أوغلو في حزب الشعب الجمهوري، وغادر رئيس فرع القضاء ومنظمتا النساء والشباب و14 عضوا في المجلس إلى حزب أوزال.

أورغور أوزال في مؤتمر أثناء رئاسته لحزب الشعب الجمهوري
أورغور أوزال في مؤتمر أثناء رئاسته لحزب الشعب الجمهوري (الأناضول)

تكشف المدن الثلاث أن عبارة انتقال البلدية تخفي وراءها دوائر متمايزة. فقد ينتقل الرئيس ويبقى المجلس، أو يغادر التنظيم ويبقى الرئيس، أو تتحرك الشبكة كلها في اتجاه واحد. وتظل الميزانية والموظفون والمباني والخدمات ملكا للشخصية القانونية العامة للبلدية، بينما يحمل السياسي معه رأس مال من طبيعة أخرى، فريقا يعرف الأحياء والجمعيات والفاعلين المحليين وطرق إدارة الحملات ومراقبة الصناديق. وتزداد قيمة هذا المورد حين تتحرك حلقاته معا، لأن الحزب يحصل عندها على عصب محلي يعمل باسمه، بدلا من اسم مشهور يقف وحيدا فوق فرع فارغ.

وسيخوض أوزال هذا التحول بمال أقل من حضوره السياسي، حيث بقيت أصول حزب الشعب الجمهوري وحساباته لدى المؤسسة القديمة، ويرتبط التمويل الحكومي العام للأحزاب بحصول الحزب باسمه على 3% على الأقل في آخر انتخابات عامة. لذلك يبدأ الحزب الجديد باشتراكات أعضائه وتبرعات مؤيديه ومساهمات نوابه، مع بقاء ميزانيات البلديات خارج النشاط الحزبي بحكم القانون.

“إذا أمكن عد النواب ورؤساء البلديات والمقار، فإن الناخب يظل أكثر مراوغة”

وإذا أمكن عد النواب ورؤساء البلديات والمقار، فإن الناخب يظل أكثر مراوغة. فينتقل بصمت داخل صندوق الاقتراع، ولا يترك خلفه بيان استقالة يكشف وجهته الجديدة. وقدمت استطلاعات سبقت التأسيس أول تقدير لهذا المزاج. ففي استطلاع أجرته مؤسسة راوست للأبحاث ومعهد إسطنبول للأبحاث السياسية ومؤسسة فريدريش إيبرت بين 3-10 يوليو/تموز، وشمل 1985 شخصا في 20 محافظة، بلغ تأييد الحزب المفترض بقيادة أوزال 35.6% بعد توزيع المترددين، وقال 69% من ناخبي حزب الشعب الجمهوري عام 2023 إنهم سيختارونه.

الأهم أن روافد هذا التأييد تجاوزت الحزب القديم. فقد أبدى 39% من ناخبي الحزب الجيد استعدادهم لاختيار المشروع الجديد، إلى جانب 20% من ناخبي حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، و18% من ناخبي الحركة القومية، و9% من ناخبي العدالة والتنمية. وأيده أيضا 22% ممن امتنعوا عن التصويت عام 2023 و26% من الناخبين الجدد. وتوحي هذه الخريطة بقدرة على جمع أطراف متعددة من المعارضة واختراق محدود لقاعدة الحكم، وهي قدرة لا تزال افتراضية بقدر ما كان الحزب نفسه افتراضيا عند إجراء الدراسة.

تتمثل مهمة أوزال في تحويل التحالف الانتخابي الذي استطاع تكوينه في انتخابات عام 2024 والعابر للاتجاهات إلى بيت سياسي يعرف كل مكون فيه سبب بقائه. ويبدو أن الناخبين أنفسهم يدركون صعوبة المهمة. فقد أظهرت دراسة راوست أن 50.2% من المشاركين، و60.3% من ناخبي حزب الشعب الجمهوري، يريدون للمشروع الجديد أن يختلف عن المؤسسة التي خرج منها. وطالب 42.6% من ناخبي الحزب بأسماء لم تتصدر السياسة من قبل.

برنامج الحزب الجديد

صدرت الإجابة الأولى عن هذه التحديات في برنامج من 41 صفحة نُشر يوم التأسيس. ووضع الحزب نفسه داخل القيم الاجتماعية الديمقراطية وفلسفة الجمهورية والأسهم الستة، ودعا إلى نظام برلماني وفصل للسلطات وحكومات محلية أقوى. وتبنى دولة اجتماعية وسياسة إنتاج نشطة، وربط المسألة الكردية بالديمقراطية والمواطنة المتساوية وحق اللغة الأم، وجعل عضوية الاتحاد الأوروبي وتقوية موقع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي من مرتكزات سياسته الخارجية.

تحمل الوثيقة معظم المشروع الذي صاغه حزب الشعب الجمهوري خلال قيادة أوزال عام 2025، بما فيه تحالف تركيا الذي أراد جمع اليسار واليمين والقوميين والمحافظين وأصحاب الهويات المختلفة. خرج أوزال من المؤسسة حاملا البرنامج الذي بناه داخلها، فاختصره ووضع فوقه اسما جديدا. تمنح هذه الاستمرارية ناخبي 2024 جسرا آمنا إلى الحزب الوليد، وتجعل الجدة السياسية رهينة ما سيأتي بعد الوثيقة.

“خرج أوزال من المؤسسة حاملا البرنامج الذي بناه داخلها، فاختصره ووضع فوقه اسما جديدا”

وفوق هذه البنية تتحرك ثلاث شرعيات متفاوتة. يملك أوزال المؤسسة والكتلة البرلمانية وخيوط بناء الفروع، يمنح أكرم إمام أوغلو المشروع ثقله الشعبي الأكبر وقاعدته في إسطنبول، فيما قد يفتح منصور يافاش (الذي تثار روايات متعارضة حول موقفه النهائي) له بابا نحو قوميين ومحافظين معارضين تضيق بهم الهوية اليسارية الصريحة. أيد إمام أوغلو تأسيس الحزب من محبسه، ويتمسك أوزال بترشيحه للرئاسة. فيما هنأ يافاش القيادة الجديدة، لكنه بقي حتى الآن عضوا في حزب الشعب الجمهوري.

في غضون ذلك، يترك غياب عضوية موثقة لإمام أوغلو موقعه الحزبي معلقا على نتائج معاركه القضائية، ويحفظ بقاء يافاش داخل المؤسسة القديمة مساحة لمراجعة حساباته قبل اتخاذ قرار يصعب الرجوع عنه. أما أوزال، فيقدمهما شريكين في الطريق، ويعد كل من لم يعلن رفض المشروع واقفا إلى جانبه.

يريد أوزال لحزبه أن يشمل حزب الشعب الجمهوري ويحمله ويتجاوزه. إلا أن هذا التوجه يحمل طموحا وإقرارا بالمأزق في آن واحد. إذ يحتاج الحزب إلى البقاء قريبا من البيت القديم كي يصطحب ناخبيه، وإلى الابتعاد عنه بما يكفي كي يمنح الآخرين سببا لدخوله. فإذا استهلك جهده في إثبات أنه الممثل الأصدق لتاريخ حزب الشعب الجمهوري، سيظل فرعا ينازع الأصل على الميراث. أما طريقه إلى حزب مستقل، فيبدأ عندما تنتقل معركته من اسم الحزب إلى الاقتصاد والحكم والأسئلة التي يفتح الناس أعينهم عليها كل صباح.

ANKARA, TURKEY - MAY 24: Ousted Republican People's Party (CHP) leader Ozgur Ozel adresses to supporters after being forcibly evicted by police from the party’s headquarters on May 24, 2026 in Ankara, Turkey. Police forcibly took control of the headquarters of Turkey’s main opposition Republican People's Party (CHP) in Ankara, using tear gas and rubber bullets to remove party leader Ozgur Ozel and his supporters after he refused to leave the building. The intervention followed a Turkish court ruling that annulled the CHP’s 2023 congress over alleged voting irregularities, removing Ozel from office and reinstating former opposition leader Kemal Kilicdaroglu. The decision triggered clashes and protests among rival groups of party supporters. (Photo by Serdar Ozsoy/Getty Images)
أوزال (وسط) يريد لحزبه أن يشمل حزب الشعب الجمهوري ويحمله ويتجاوزه. إلا أن هذا التوجه يحمل طموحا وإقرارا بالمأزق في آن واحد (غيتي)

من يستفيد من انقسام المعارضة؟

بعد ثلاثة أيام من تأسيس حزب أوزغور أوزال، استعار المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر تشليك اسم مسلسل أمريكي قديم، وقال إن تطورات حزب الشعب الجمهوري بدأت تشبه “منطقة الشفق”، مقدما الحزب الجديد بوصفه امتدادا لخلاف كان يدور بين جناحين وانتقل إلى حزبين خرجا من الأصل نفسه. اختار تشليك بذلك الرواية التي يفضل الحزب الحاكم تثبيتها في ذهن الناخب. فالمعارضة، وفق هذا التأطير، تغير أسماء تنظيماتها ومواقع قياداتها، ثم تعود إلى نزاعها القديم قبل أن تقدم سياسة جديدة.

يبدأ مكسب حزب العدالة والتنمية قبل الوصول إلى الصندوق. فقد خرج حزب الشعب الجمهوري من بلديات عام 2024 متصدرا التصويت الوطني ومسيطرا على أكبر المدن، وقدم بلدياته بوصفها طريقه إلى الحكم، ثم أعادت الأزمة الاهتمام إلى القيادة والمؤتمرات والمقرات، وأضاف الانشقاق أخبار انتقال النواب والبلديات والكوادر. وبهذا، يستطيع الحزب الحاكم وضع كل تطور لاحق داخل هذه القصة، فيصبح انتقال رئيس بلدية دليلا على تصدع المعارضة المحلية، وبقاء آخر علامة على تعثر أوزال، والخلاف حول المرشح الرئاسي سؤالا عن القدرة على إدارة الدولة. وهكذا يستعيد حزب العدالة والتنمية صورة التنظيم الأكثر تماسكا وخبرة.

“تتحقق أفضل فرص الحزب الحاكم إذا استمر أمامه حزبان قادران على الحياة، يملك كل منهما ما يكفي لمنافسة الآخر ويعجز كلاهما عن حسم المجال لصالحه”

تتحقق أفضل فرص الحزب الحاكم إذا استمر أمامه حزبان قادران على الحياة، يملك كل منهما ما يكفي لمنافسة الآخر ويعجز كلاهما عن حسم المجال. عندها تتوزع طاقة المعارضة بين مواجهة الحكومة والصراع على البلديات والمرشحين، وتتحول كل قائمة انتخابية إلى مقياس لحجم الطرفين قبل أن تكون أداة لمنافسة الحكم. أما انتقال أغلبية الناخبين إلى أحدهما، فيقصر الأزمة ويعيد بناء مركز واضح للمعارضة، فيما يسمح التنسيق بينهما بتخفيف كلفة الانقسام من دون الحاجة إلى توحيد المؤسستين.

وتتغير الفائدة الانتخابية باختلاف الصندوق. ففي انتخابات البلديات، يفوز المرشح المتقدم في جولة واحدة، ولذلك يستطيع تشتت محدود أن يقلب نتائج المناطق المتقاربة. على سبيل المثال، حُسمت بلدية غازي عثمان باشا في إسطنبول عام 2024 بفارق 848 صوتا، وفاز حزب الشعب الجمهوري في أردهان بفارق 174 صوتا. وإذا دخل حزبا أوزال وكليتشدار أوغلو هذه السباقات بمرشحين متنافسين، فقد يفوز حزب العدالة والتنمية من دون حتى أن يستعيد الناخبين الذين فقدهم.

في المقابل، قد تفضي انتخابات الرئاسة إلى جولة ثانية تعيد جمع الناخبين حول مرشح واحد، غير أن بلوغها ثم الفوز بها يحتاجان إلى شخصية يقبلها جمهور الحزبين وتحافظ على الأكراد والقوميين والمحافظين المعارضين الذين التقوا في انتخابات عام 2024. تجعل مواقع إمام أوغلو ويافاش وعلاقة الحزبين بالحركة السياسية الكردية اختيار هذا المرشح أصعب امتحان للتنسيق. فقد يدفع التنافس على الناخب القومي أحد الطرفين إلى خطاب يبعد الأكراد، فيما يدفع التقارب معهم قطاعا قوميا نحو الحزب الجيد أو الحركة القومية.

فرص أردوغان.. قد تزيد

تتسع فرصة أردوغان كلما عجز خصومه عن تركيب مرشح يجمع هذه المصالح المتباينة. وقد يحاول الحزب الحاكم تغذية هذه الفوارق باستقطاب شخصيات بقيت خارج توزيع النفوذ الجديد، ومخاطبة المحافظين الذين صوتوا للمعارضة احتجاجا على الاقتصاد بلغة الاستقرار والخبرة. ويمنحه الاقتراع المبكر أفضلية إضافية أمام حزب ما زال يبني فروعه ويستكمل شروط مشاركته، فكلما ضاق الوقت ارتفعت قيمة التنظيم الجاهز الذي راكمه حزب العدالة والتنمية خلال سنوات الحكم.

وقد يعمل الانشقاق في اتجاه معاكس إذا أثبت أوزال قدرة حزبه على اجتذاب ناخبين من خارج حزب الشعب الجمهوري وهي فرضية لم تختبر بعد. في غضون ذلك، يستطيع أردوغان استثمار الوقت الذي ينفقه خصومه في الصراع على الاسم والشرعية، وتتسع مكاسبه إذا حملوا خلافهم إلى صناديق الاقتراع. أما في حال وصل طرفا الشقاق إلى صيغة للتوافق، فإن ذلك يعيد عناوين المنافسة إلى الاقتصاد وملفات الحكم ويمهد الطريق أمام مواجهة انتخابية ربما تفوق سخونتها سخونة الاقتراع الرئاسي والبرلماني الأخير في 2023.

اقرأ أيضا: ضبط شخصين بالإسكندرية بعد ظهورهما في فيديو أثناء ممارسة أعمال البلطجة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً