فخ الإنقاذ.. كيف تزرع البنوك المركزية بذور الأزمة المقبلة؟ | اقتصاد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تواجه البنوك المركزية الكبرى مفارقة متزايدة في إدارة الأسواق، إذ إن الأدوات التي طورتها لمنع الأزمات المالية وضمان استمرار السيولة قد تشجع في الوقت نفسه على تراكم الديون والرافعة المالية، وتخفض بصورة غير مباشرة تكلفة اقتراض الحكومات، لتتحول شبكة الأمان التي تمنع انهيار السوق اليوم إلى أحد مصادر هشاشتها في الأزمة التالية.

وتعود جذور المشكلة إلى توسع دور البنوك المركزية، خصوصا خلال أزمتي 2008 و2020، من “المقرض الأخير” للبنوك إلى “صانع السوق الأخير”، عبر التدخل لضمان استمرار أسواق السندات الحكومية والخاصة عندما تتوقف السيولة أو تبدأ موجات البيع القسري.

لكن صحيفة وول ستريت جورنال ترى أن نجاح هذه السياسة يحمل خطرا جانبيا، إذ إن اقتناع المستثمرين بأن البنوك المركزية ستمنع تعطل أسواق التمويل يقلص المخاطر المتصورة ويشجع على مزيد من الاقتراض، خصوصا لدى صناديق التحوط التي بنت مراكز ضخمة في الدين الحكومي.

تريليونات تحت الرافعة

وتظهر المشكلة بوضوح في سوق سندات الخزانة الأمريكية، إذ تشير تقديرات بنك الاحتياطي الفدرالي في دالاس إلى أن صناديق التحوط أنهت عام 2025 بحيازات تبلغ 2.4 تريليون دولار من سندات الخزانة، مقابل 600 مليار دولار قبل عقد من الزمان.

The German share price index DAX graph is pictured following the European Central Bank’s Governing Council meeting in Frankfurt, at the stock exchange in Frankfurt, Germany, June 11, 2026. Picture taken with a mobile phone. REUTERS/Timm Reichert REFILE - CORRECTING DATE FROM
أدوات إنقاذ الأسواق مصدر محتمل لهشاشة جديدة مع زيادة اعتماد المستثمرين على تدخل البنوك المركزية وقت الأزمات (رويترز)

وتستخدم الصناديق إستراتيجيات تستهدف فروقا سعرية صغيرة بين السندات وعقودها الآجلة أو المقايضات، مما يدفع بعضها إلى استخدام رافعة مالية تصل إلى 100 ضعف لتحقيق عائد مجد.

وبحسب منصة إنفستنغ دوت كوم، فإن توقع استمرار السيولة في أسواق إعادة الشراء “الريبو” والسندات الحكومية يسهل تمويل هذه الصفقات، في حين يؤدي الطلب الإضافي على السندات إلى خفض عوائدها وتكلفة الاقتراض الحكومي.

ووصف كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا هيو بيل هذه المفارقة بقوله إن “الهشاشة تنشأ من الآليات التي أُدخلت لتقليل الهشاشة”، محذرا من دائرة تبدأ بتدخل البنك المركزي، ثم زيادة الرافعة، ثم نشوء مخاطر جديدة تستدعي تدخلا آخر.

وهذه المخاطر ظهرت فعليا عام 2020، عندما أسهم انهيار صفقات المراجحة بين سندات الخزانة وعقودها الآجلة في دفع الاحتياطي الفدرالي إلى التدخل. وذكرت وول ستريت جورنال أن مؤشرات اضطراب في صفقات المقايضة ظهرت مجددا خلال عام 2025 بالتزامن مع الضغوط التي دفعت الرئيس دونالد ترمب إلى التراجع عن خطته للرسوم الجمركية.

دعم الاقتراض الحكومي

ولا تتوقف التداعيات عند الاستقرار المالي، إذ يخشى بيل من انتقال أثر ضمانات البنوك المركزية إلى السياسة النقدية، لأن زيادة قدرة المستثمرين على شراء السندات بالرافعة المالية تبقي عوائد الدين الحكومي أدنى مما كانت ستكون عليه في ظروف أخرى.

وتنشأ بذلك معادلة يستفيد منها الجميع مؤقتا، إذ تقترض الحكومة بعائد أقل، في حين يحقق القطاع المالي أرباحا من فروق الأسعار، بينما يرى البنك المركزي سوقا سائلة تعمل بكفاءة، لكن انهيار المراكز ذات الرافعة المرتفعة يمكن أن يقلب هذه المعادلة ويجبر السلطات على تدخل أكبر.

وتشير وول ستريت جورنال إلى أن مشتريات البنوك المركزية الضخمة للسندات في عام 2020 نجحت في استعادة السيولة، لكنها تركت سيولة نقدية كبيرة أسهمت في تعقيد مواجهة التضخم لاحقا، خصوصا مع أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية على أوكرانيا.

إنقاذ بلا تيسير

ويقدم بنك إنجلترا في عام 2022 نموذجا مختلفا، عندما اشترى السندات الحكومية البريطانية بصورة مؤقتة ومحددة لوقف عمليات البيع القسري التي نفذتها صناديق التقاعد ذات الرافعة المالية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مسار تشديد السياسة النقدية.

اقرأ أيضا: معلمة مسلمة تدرب أطفالا مسيحيين على الصلوات الخمس في بريطانيا.. ما حقيقة الفيديو؟ | أخبار

FILE PHOTO: Renovations continue at the Federal Reserve Board building in Washington, D.C., U.S., November 14, 2025. REUTERS/Elizabeth Frantz/File Photo
دور البنوك المركزية توسع من إقراض البنوك وقت الأزمات إلى ضمان استمرار السيولة في أسواق السندات (رويترز)

وبحسب إنفستنغ دوت كوم، أوقف التدخل دوامة البيع دون التخلي عن السياسة النقدية المتشددة، وهو نموذج يقترب من مبدأ الاقتصادي البريطاني والتر باجهوت القائم على توفير السيولة في الأزمات مقابل ضمانات جيدة وبسعر عقابي، لمنع الإنقاذ من تشجيع المخاطرة.

لكن التجربة الأمريكية في أزمة البنوك عام 2023 أظهرت الوجه الآخر للمشكلة، إذ قبِل الاحتياطي الفدرالي سندات الخزانة كضمان بقيمتها الاسمية بدلا من قيمتها السوقية المنخفضة، قبل أن تستخدم مؤسسات سليمة برنامج الطوارئ كمصدر تمويل رخيص.

وذكرت وول ستريت جورنال أن هذا الاستخدام جعل البرنامج أقرب إلى قناة لتيسير السياسة النقدية من الباب الخلفي، مما دفع الفدرالي إلى تشديد شروطه قبل انتهاء العمل به.

دائرة يصعب كسرها

وتتمثل المعضلة في تصميم أدوات قادرة على إنقاذ الأسواق عند الضرورة دون تحويلها إلى ضمان دائم للمستثمرين، فترك أزمة السيولة دون تدخل قد يهدد النظام المالي، بينما يؤدي ضمان الإنقاذ مسبقا إلى ما يعرف بـ”المخاطر الأخلاقية”، ويشجع المستثمرين على تحمل مخاطر أكبر.

وبحسب إنفستنغ دوت كوم، يكمن التحدي في استعادة سيولة الأسواق أثناء الطوارئ دون مكافأة الإفراط في المخاطرة، خصوصا بعدما أصبحت برامج الإنقاذ قادرة على التأثير في السياسة النقدية نفسها.

وهكذا تدخل البنوك المركزية دائرة يصعب كسرها، حيث يقلل الإنقاذ الخوف من المخاطر، وانخفاض الخوف يشجع على زيادة الرافعة المالية، وتراكم الرافعة يجعل الأسواق أكثر هشاشة، ثم تفرض الأزمة التالية إنقاذا جديدا. والمفارقة أن نجاح البنك المركزي في إخماد أزمة اليوم قد يزرع، من دون قصد، بذور الأزمة المقبلة.

اقرأ أيضا: التحالف الوطني يواصل تنفيذ قوافل المرحلة الثالثة من مبادرة «إيد واحدة» ببني سويف

‫0 تعليق

اترك تعليقاً