7 آلاف عام من العطاء.. لماذا يحتفل المصريون بوفاء النيل في 15 أغسطس؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يحتفل المصريون بعيد وفاء النيل في 15 أغسطس من كل عام، تقديرًا لعطاء النهر الخالد وشريان الحياة الذي قامت على ضفافه الحضارة المصرية عبر آلاف السنين، حيث ترتبط هذه المناسبة بذكراه في وجدان المصريين وموسم الفيضان والخير.

اقرأ أيضا: فيديو رقص خطير.. تفاصيل ضبط فتاتين في واقعة أثارت الجدل

وفي هذا السياق، يشير خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إلى أن بداية الاحتفال بوفاء النيل ترجع إلى نحو سبعة آلاف عام، مع فجر الحضارة المصرية القديمة واستقرار المصريين على ضفاف النهر، بالتزامن مع بداية موسم الفيضان في شهر أغسطس، وهو التوقيت التقليدي لوصول مياه الفيضان المحملة بالطمي.

وقد قدّس المصريون النيل واعتبروه إلهًا للخصوبة والنماء، وأطلقوا عليه اسم «حابي»، وقدموا له القرابين والذبائح شكرًا على عطائه.

 

◄ طقوس الاحتفال بوفاء النيل في مصر القديمة

 

تمثلت طقوس الاحتفال بعيد وفاء النيل في مصر القديمة في إقامة الاحتفالات الكبرى على ضفاف النهر ابتهاجًا بموسم الفيضان «فصل آخت»، وإقامة الصلوات وتقديم الهدايا والقرابين الزراعية والحيوانية، لضمان زيادة منسوب المياه وانتشار الرخاء.

 

اقرأ ايضا| أصل الحكاية| «وفاء النيل».. رمز العطاء على مر العصور

 

كما تضمنت الاحتفالات مراسم الشكر والعرفان، من خلال خروج مواكب رسمية وشعبية ضخمة يتقدمها الكهنة، وربط موعد الفيضان ببداية التقويم أو رأس السنة الزراعية الجديدة.

 

◄ حكاية عروس النيل وعروس البحر

 

وعن حكاية عروس النيل، يوضح الدكتور ريحان أن سمك الأطوم «عروس البحر» ارتبط بالاحتفالات التاريخية لنهر النيل في مصر القديمة، وكان المصريون يقدمونه كقربان رمزي لإله النيل «حابي»، شكرًا على الفيضان والخير.

وتمثلت مظاهر الاحتفال في تزيين سمكة الأطوم بألوان زاهية وعقود من الزهور والورد، ومن طقوس الإلقاء، تماشيًا مع معتقداتهم، كانوا يلقون بها في مياه النيل تبركًا وفرحة بارتفاع منسوب المياه، كما تضمنت الاحتفالات أيضًا إلقاء الزهور والخضروات والفاكهة في النهر.

وينفي إلقاء فتاة مزينة كقربان للإله، لأن الحضارة المصرية القديمة لم تعرف التضحية البشرية، وأن الأمر لم يعدُ كونه طقوسًا رمزية، وكان يتم إلقاء دمية من الخشب أو الطين.

وما صورته السينما عن إلقاء عروس النيل وإلقاء أجمل البنات في النيل كقربان، مثل الفيلم الشهير «عروسة النيل»، فلا يوجد دليل أثري واحد يؤيد وجود عادة إلقاء فتاة في نهر النيل، ولو كان موجودًا، لذُكر ضمن مراسم جميع الأعياد المصرية القديمة.

 

◄ وفاء النيل بعد بناء السد العالي

 

ويتابع الدكتور ريحان أنه رغم بناء السد العالي وتغير طبيعة وشكل فيضان النيل، الذي تحول من فيضان مدمر إلى تدفقات مائية منتظمة يتم التحكم بها وتخزينها في بحيرة ناصر، استمر المصريون في الاحتفال بوفاء النيل إلى يومنا هذا، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الهوية المصرية وموروثًا شعبيًا أصيلًا.

وأصبح الاحتفال بعيد وفاء النيل يجمع بين التعبير عن الهوية المصرية العميقة والارتباط بالوجدان الحضاري، متجاوزًا بكثير كونه مجرد موروث شعبي عابر أو احتفال بفيضان مادي.

فلم يكن النيل يومًا مجرد ماء للجغرافيا، بل هو الكيان الذي صاغ عقول وطباع وتاريخ أبناء الوادي منذ آلاف السنين، لذا فنحن في امتنان مستمر لعطاء النيل باعتباره صانع الحياة ومصدر البقاء الأبدي.

وبعد بناء السد العالي، تحول الاحتفال من ترقب خوف الفيضان المدمر إلى احتفاء رمزي بدور الإنسان في الحفاظ على المياه وعلاقة المودة المتبادلة بين الشعب ونهره.

 

◄ رحلات المصري القديم لكشف منابع النيل

 

ونوّه الدكتور ريحان إلى دور المصري القديم في كشف منابع النيل نتيجة الاتصال ما بين مصر القديمة وبلاد كوش ويام وبونت، وتوغلوا في النوبة والسودان.

وظهر رحالة ومستكشفون في الأسرة السادسة، معظمهم من أمراء أسوان جنوبي مصر، حيث نظم حاكم الجنوب «حرخوف» أربع حملات استكشافية إلى أفريقيا بناءً على أوامر من الملكين «مر-إن-رع» و«بيبي الثاني» عام 2200 قبل الميلاد.

وحرص «حرخوف» على تسجيل وقائع رحلاته في مقبرته في أسوان.

 

اقرأ أيضا: المصريون يحتفلون بـ«عيد وفاء النيل» تقديرًا لعطاء النهر الخالد ودوره في بناء الحضارة

◄ مياه النيل والتطهر في مصر القديمة والقبطية

 

واستخدمت مياه النيل للتطهر من أجل الطقوس الدينية وغسل المتوفى، وكانت عملية الاغتسال بماء النيل، علاوة على المعنى الملموس للنظافة، تمثل رمزًا لطهارة النفس روحيًا من كل شائبة، وهي الممارسة التي استمرت في الحضارة القبطية فيما بعد.

وكان الإله الخاص بالنيل هو «حعبي أو حابي»، وكان غالبًا يصور بشكل مزدوج في الهيئة والجنس، وكانت الفكرة من ذلك أن ماء النيل تعطي الحياة لكل من الذكر والأنثى.

 

◄ النيل في الفن القبطي والطقوس الكنسية

 

وتجسّد نهر النيل بشكل فعلي ورمزي في الفن القبطي، وقد رتبت الكنيسة صلوات اللقان في ثلاث مناسبات كنسية، هي عيد الغطاس المجيد، وصلوات خميس العهد، وصلوات عيد الرسل.

وفي هذه المناسبات يوضع اللقان، وهو حوض ماء مملوء بمياه النيل، ففي لقان عيد الغطاس يصلي الكاهن ويقول: «نهر جيحون أي النيل، أملأه من بركاتك؛ بارك إكليل السنة بصلاحك؛ يا رب اسمعنا وارحمنا».

وقد رتبت الكنيسة صلوات اللقان في ثلاث مناسبات كنسية هي عيد الغطاس المجيد، وصلوات خميس العهد، وصلوات عيد الرسل، وفي هذه المناسبات الثلاث يوضع اللقان مملوءًا بمياه النيل، بالإضافة إلى صلوات أسبوع الآلام «البصخة»، فلا تنسى الكنيسة الوطن والأرض والنيل.

 

◄ مكانة النيل في العصر الإسلامي

 

وأصبح لنهر النيل مكانة كبرى في العصر الإسلامي، واهتم به حكام مصر للحفاظ على جريانه وضبطه بما يكفل لهم حياة آمنة.

فأقاموا السدود والجسور عندما كان يطغى ويزيد عن الحد الذي يكفل لهم حياة وزراعة آمنة، وأنشأوا مقاييس للنيل، أشهرها مقياس النيل بالروضة.

كما احتفلوا بالاحتفالات البهيجة الرائعة بمواسم فيضانه، وأقاموا النظم لربط سنتهم الهجرية بالسنة الشمسية التي تسير عليها مواعيد فيضان النيل والزراعة.

ودعا الإسلام إلى الحفاظ على الأنهار، ومنها نهر النيل، فقد أجمع فقهاء المسلمين على أنه لا يجوز البناء على شاطئ النهر للسكنى ولا لغيرها إلا القناطر المحتاج إليها، ولا يجوز التعدي على النهر.

اقرأ أيضا: ظاهرة النينيو “الخارقة” هذا العام سترينا ما سيحدث للكوكب في عام 2037 | علوم

‫0 تعليق

اترك تعليقاً