الإسماعيلية – فتحي البيومي
اقرأ أيضا: طرح 540 قطعة أرض صناعية بنظام “الإيجار المنتهي بالتملك” في 20 منطقة صناعية
بعيدًا عن صخب المدينة وضجيجها، وفي بقعة صحراوية لا يقطع سكونها سوى صفير الرياح ورفرفة الطيور المهاجرة، يجلس وحيدًا داخل كوخ صغير شيده من عيدان البوص وغطاه بالخيش، تحيط به أرض خلاء تمتد إلى ما لا نهاية، فلا أنيس يؤنس وحدته، ولا صوت يرافقه سوى نبضات قلبه وهو يترقب لحظة قد تغير يومه كله. عيناه لا تفارقان السماء، ويداه تستعدان في أي لحظة للإمساك بفخه، بينما يظل الصبر هو السلاح الوحيد الذي يمتلكه في مواجهة طائر لا يمنح نفسه لأحد بسهولة.
◄ حياة الصياد بين العزلة وانتظار الصقر
قد تمر ساعات طويلة دون أن يرى شيئا، وقد تنقضي أيام وأسابيع وربما شهور كاملة قبل أن ينجح في صيد واحد، لكنه لا يمل ولا يغادر مكانه، فكل طلعة شمس تحمل أملا جديدا، وكل طائر يحلق في الأفق قد يكون الفريسة التي انتظرها طويلا. إنها مهنة لا يعرف أسرارها إلا من عاشها، ولا يستطيع الاستمرار فيها إلا من امتلك نفسا طويلا وقدرة على الاحتمال.
اقرأ ايضا| «ملايين» تطير بالهواء… جزيرة سعود بالشرقية معقل الصقور النادرة | فيديو
في ضواحي محافظة الإسماعيلية، وتحديدًا بمنطقة أبو خليفة المطلة على بحيرة البلاح التي تتغذى بمياهها من قناة السويس، يعيش «ياسر مقبول» تفاصيل هذه المهنة النادرة التي توارثها جيلا بعد جيل. يقضي معظم وقته داخل كوخه الصغير، واضعا أمامه شبكة الصيد والحمام المستخدم كطعم، يراقب السماء في صمت تام حتى لا يلفت انتباه الصقر الذي يتمتع بحدة بصر وقوة ملاحظة استثنائية، فخطأ بسيط قد يضيع ساعات وربما أسابيع من الانتظار.

◄ كواليس المهنة النادرة
«بوابة أخبار اليوم»، رافقت ياسر مقبول خلال إحدى رحلات صيد الصقور، للتعرف على كواليس هذه المهنة الشاقة، وأبرز أنواع الصقور التي تعبر الأجواء المصرية، وطرق اصطيادها، والعائد الاقتصادي الذي يدفع البعض إلى تحمل مشقة الانتظار والعزلة.
أنواع الصقور في مصر
ويقول ياسر مقبول إن الصقور التي تمر فوق الأراضي المصرية ليست على درجة واحدة من الأهمية أو القيمة، فلكل نوع خصائصه وسعره وطريقة التعامل معه، وهو ما يجعل الصيادين يميزون بينها بمجرد رؤيتها في السماء.
◄ الشاهين يتصدر قائمة الصقور الأكثر طلبًا
ويأتي الشاهين على رأس القائمة، فهو الأشهر والأكثر طلبا بين الصقارين، ويعد من أسرع الطيور الجارحة في العالم وأكثرها مهارة في الانقضاض على فرائسه.
ويتميز بسهولة تدريبه مقارنة بغيره، بينما تكون الإناث أكبر حجما من الذكور بنحو 30%، ويضع من ثلاث إلى أربع بيضات في الموسم، كما يحتاج إلى معاملة هادئة بسبب سرعة انفعاله. ويوجد في مصر نوعان رئيسيان منه، هما الشاهين البحري والشاهين الجبلي، ويعد الحصول على أحدهما مكسبا كبيرا لأي صياد.

◄ الوكري والشرياص.. أنواع أخرى تجذب الصقارين
ويضيف أن الوكري من الصقور التي يقبل عليها المربون أيضا، لما يتمتع به من سرعة الاستجابة للتدريب، فضلا عن شكله المميز، إذ يغطي الريش الرمادي والبني معظم جسمه مع صدر أبيض، بينما تحيط بعينيه حلقة صفراء واضحة. ويصل طوله إلى نحو 50 سنتيمترا، ويتراوح وزنه بين 500 و600 جرام، وتكون الإناث أكبر حجما من الذكور.
اقرأ أيضا: لغز نفوق 29 سمكة قرش على شاطئ شهير في نيوجيرسي
أما الشرياص، المعروف أيضا باسم الصقر البلدي، فيعد من أصغر أنواع الصقور، إلا أنه يمتلك قدرة بصرية مذهلة تمكنه من الرؤية في ظروف الإضاءة الضعيفة، كما يتميز بسهولة ترويضه، لذلك يفضله كثير من المبتدئين في عالم الصقارة، ويتراوح طوله بين 32 و35 سنتيمترا، بينما يتراوح وزنه بين 156 و252 جراما.
رحلة الصيد

◄ خبرة طويلة لمعرفة مسارات الصقور ومواسم هجرتها
ويشرح مقبول أن صيد الصقور يحتاج إلى خبرة طويلة، فالأمر لا يعتمد على الحظ وحده، وإنما على معرفة دقيقة بسلوك الطيور ومواعيد هجرتها واتجاهات الرياح وأماكن مرورها. كما يجب اختيار موقع مرتفع ومفتوح يتيح رؤية الطيور من مسافات بعيدة، مع الحرص على البقاء داخل الكوخ حتى لا يشعر الصقر بوجود الإنسان.
ويؤكد أن أكثر طرق الصيد انتشارا هي طريقة التثبيت، حيث تثبت شبكة خفيفة ومرنة على ظهر حمامة تستخدم كطعم، ثم تلقى في المكان المناسب فور ظهور الصقر، مع مراعاة أن يكون رميها من الجهة المقابلة حتى لا يلاحظ الصقر حركة الصياد. وما إن ينقض على الحمامة حتى تتشابك مخالبه في الشبكة، فيصبح عاجزا عن الإفلات، لتبدأ بعدها عملية السيطرة عليه بحذر شديد حفاظا على الطائر وعدم إصابته.
ويشير إلى أن العملية بأكملها قد تنجح خلال دقائق، وقد تنتهي دون صيد رغم ساعات الانتظار، لذلك فإن الصياد الحقيقي لا يعرف اليأس، بل يعاود المحاولة مرة بعد أخرى حتى يرزقه الله بالفريسة.
◄ عائد قد يتجاوز مليون جنيه
وعن المقابل المادي، يقول مقبول إن أسعار الصقور تختلف بصورة كبيرة تبعا للنوع والعمر والحالة الصحية ومدى صلاحيتها للتدريب، فهناك طيور لا تتجاوز قيمتها 200 جنيه، بينما تصل أسعار بعض الصقور النادرة إلى أكثر من مليون جنيه، وفي مقدمتها صقر الشاهين الذي يحظى بإقبال كبير داخل أسواق الصقارة، نظرا لندرته وقوته وسرعته، وهو ما يجعله الأغلى ثمنا والأكثر طلبا بين هواة اقتناء الصقور.
ورغم ما قد تحققه هذه المهنة من عائد كبير في بعض الأحيان، فإن أصحابها يؤكدون أنها ليست طريقا سهلا للرزق، بل تعتمد في المقام الأول على الصبر والخبرة والتوفيق، فقد تمر شهور طويلة دون صيد واحد، ثم تأتي لحظة تغير كل شيء، ليعود الصياد إلى كوخه من جديد، منتظرا رحلة أخرى مع السماء.
اقرأ أيضا: استقرار سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه المصري خلال تعاملات اليوم 14 أغسطس 2026

