كشفت دراسة علمية حديثة أن تصميم المركبات والموائل الفضائية لا يقتصر على توفير الحماية الجسدية لرواد الفضاء، لكنها تلعب دورا هاما في الحفاظ على صحتهم النفسية والعاطفية، خاصة مع اقتراب تنفيذ بعثات طويلة الأمد إلى القمر والمريخ قد تستمر لأشهر أو حتى سنوات.
اقرأ أيضا: ماذا يريدون؟! | بوابة أخبار اليوم الإلكترونية
وأعد الدراسة باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعة كولورادو بولدر في الولايات المتحدة، حيث بحثوا العلاقة بين عناصر تصميم بيئة المعيشة داخل المركبات الفضائية، مثل الإضاءة والخصوصية والمساحات المشتركة، وبين الحالة النفسية والاجتماعية لرواد الفضاء، بما يشمل القلق والإرهاق والحنين إلى الوطن وجودة العلاقات بين أفراد الطاقم.
الهدف من تصميم المركبات
وأوضحت ميش لين، الباحثة الرئيسية بالدراسة وطالبة الدكتوراه في مختبر الأنظمة البشرية ومختبر الأنظمة الهندسية بمعهد MIT، أن العيش في الفضاء يمثل تحديا كبيرا، مؤكدة أن الاهتمام لم يعد يقتصر على ضمان بقاء الإنسان داخل المركبة، لكن أصبح يشمل توفير بيئة تحافظ على سلامته النفسية وقدرته على العمل والإنتاج خلال الرحلات الطويلة.
اقرأ أيضا| فريق رصد فلكي بمعهد القومي البحوث الفلكية يوثق تطورات المذنب 220P/McNaught
وأضافت أن المهام المستقبلية إلى القمر والمريخ تتطلب تصميم موائل تضمن شعور الطاقم بالأمان والراحة والسعادة، إلى جانب الحفاظ على كفاءتهم طوال مدة المهمة.
العزلة والضغط النفسي أبرز التحديات
وأشارت الدراسة إلى أن البيئات المغلقة، مثل المركبات الفضائية والغواصات والقواعد البحثية في القارة القطبية الجنوبية، تصمم عادة لمواجهة المخاطر الجسدية، إلا أن العيش داخلها لفترات طويلة قد يفرض ضغوطا نفسية كبيرة.
وأوضح الباحثون أن العزلة والحبس المستمر قد يؤثران في النوم والمزاج والقدرات الذهنية، كما قد ينعكسان على العلاقات بين أفراد الطاقم. ويزداد الأمر تعقيدا في الفضاء بسبب غياب تعاقب الليل والنهار بصورة طبيعية، ما يؤدي إلى اضطراب الإيقاع اليومي للجسم.
ولفتت الدراسة إلى أن رواد الفضاء في الرحلات المستقبلية إلى المريخ قد يقضون أشهرًا أو سنوات مع المجموعة نفسها، بعيدا عن أسرهم وأصدقائهم، مع فرص محدودة للغاية لمغادرة بيئة المعيشة.
اقرأ أيضا| وزير التعليم العالي يتلقى تقريرًا حول رصد أقوى وألمع وميض لأشعة جاما
خريطة تضم 68 عاملا مؤثرا
واعتمد فريق البحث على مراجعة موسعة للدراسات السابقة المتعلقة بقابلية السكن في الفضاء والبيئات القاسية الأخرى، بهدف تحديد العلاقة بين خصائص التصميم والصحة السلوكية.
وأسفرت الدراسة عن إعداد خريطة علمية تضم 68 عاملا و167 علاقة توضح كيف يمكن لعناصر البيئة المختلفة أن تؤثر في الصحة النفسية والسلوكية والأداء الوظيفي لرواد الفضاء.
وركز الباحثون على 14 حالة وتجربة نفسية يمكن أن تتأثر بتصميم الموطن الفضائي، من بينها القلق، والاستقلالية، والفضول، والإرهاق، والحنين إلى الوطن، بالإضافة إلى قوة العلاقات الاجتماعية بين أفراد الطاقم.
الإضاءة والخصوصية تصنعان الفارق
وأظهرت الدراسة أن الإضاءة تعد من أهم العناصر المؤثرة، إذ تساعد في تنظيم النوم والحفاظ على الساعة البيولوجية للجسم، كما تبين أن توفير قدر مناسب من الخصوصية داخل أماكن المعيشة يسهم في خفض مستويات التوتر ويمنح أفراد الطاقم شعورا أكبر بالاستقلالية.
اقرأ أيضا: الدفاع الروسية: تدمير 4 قاطرات استخدمت في نقل شحنات عسكرية بأوكرانيا
وأشار الباحثون أيضا إلى أن تصميم المساحات المشتركة والممرات والمداخل يؤثر في عدد مرات التقاء أفراد الطاقم بشكل طبيعي، وهو ما ينعكس على تكوين الصداقات وتعزيز التماسك الاجتماعي داخل البعثة.
تقليل الحنين إلى الوطن
واقترحت الدراسة إضافة عناصر تصميم تساعد رواد الفضاء على تكوين ارتباط أكبر بالمكان الذي يعيشون فيه، بما يقلل من الشعور بالحنين إلى الوطن، مثل تخصيص مساحات شخصية، أو منح أفراد الطاقم القدرة على إعادة ترتيب بعض أجزاء بيئة المعيشة بما يتناسب مع احتياجاتهم.
وأكدت ميش لين أن هذه الدراسة تعد الأولى التي ترسم بصورة واضحة الروابط بين تصميم الموائل الفضائية والصحة السلوكية، مشيرة إلى أن هذا الربط لم يكن موثقًا بهذا الشكل من قبل.
فوائد تمتد إلى الأرض
ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة لا تقتصر على استكشاف الفضاء، بل يمكن الاستفادة منها أيضا في تصميم أماكن الإقامة والعمل في البيئات القاسية على الأرض، مثل الغواصات ومنصات النفط ومحطات الأبحاث في القارة القطبية الجنوبية، حيث يقضي الأشخاص فترات طويلة في العزلة.
كما أتاح الفريق البحثي نتائج الدراسة عبر منصة إلكترونية تفاعلية تحمل اسم Human-Environment Connection and Interaction Atlas (HECIA)، والتي تساعد المهندسين والمصممين على استكشاف تأثير عناصر التصميم المختلفة في الصحة النفسية.
ورغم ذلك شدد الباحثون على أن الأداة لا تقدم نموذجا موحدا يصلح لجميع البيئات، إذ تختلف احتياجات كل موطن وفقًا لطبيعته والقيود الهندسية الخاصة به ما يستدعي تصميم حلول تناسب كل مهمة على حدة.
اقرأ أيضا: 3 أشلاء و15 مصابًا.. النيابة تصدر 4 قرارات بعد حادث مول التجمع