مازالت أصداء الملحمة البطولية، التي شهدها ميناء دمياط لإنقاذ سفينتي غاز من الانفجار بعد استهدافهما بمسيرة، حديث الساعة محليًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا، ومحل إشادات كبيرة، كان أبرزها تكريم وزير النقل للأبطال المشاركين في الملحمة ونقل تحيات الرئيس عبد الفتاح السيسي لهم.. ولكن مازالت هناك رسائل شكر وتقدير تصل لهؤلاء الأبطال، ولكن هذه المرة من الشركة المالكة للسفينة وأيضًا قبطانها وقائدها.
اقرأ أيضا: «حكاية خيط لا ينقطع».. أسرار مهنة غزل شباك الصيد في الإسماعيلية
وأكد الربان عبد الفتاح طه، كبير مرشدي الميناء، والذي شارك في ملحمة إنقاذ السفينة، أنه تلقى رسالة على هاتفه الشخصي «واتس آب» من القبطان «درازن سوسكوف»، كرواتي الجنسية، قائد السفينة، نصها: «شكرًا جزيلاً ما قمتم به من إنقاذ السفينة وأنت فعلًا بطل».

◄ محاكاة على سيناريو حريق على السفينة
وأوضح أن قبطان هذه السفينة، مصادفةً، تشاركنا في إسبانيا في عمل محاكاة لربط سفن الغاز بجوار سفينته، وطلبت خلال ذلك عمل محاكاة على سيناريو حريق على السفينة، وسبحان الله طبقنا ذلك في الواقع.
اقرأ ايضا| أبطال القاطرات البحرية.. ملحمة إنقاذ تحمي ميناء دمياط من كارثة محققة
وأضاف عبد الفتاح أنه أيضًا تلقى إيميل من الشركة المالكة للسفينة نصه: «عزيزي القبطان طه، نيابة عن شركة “انيرغوس – Energs” نود أن نعرب عن شكرنا وتقديرنا لجهودكم الكبيرة والشجاعة في قيادة السفينة “انيرغوس وينتر” وإخراجها إلى بر الأمان من رصيفها في دمياط، وذلك أثناء الحادث الذي وقع في 29 يوليو 2026 – لقد كان حسن الحظ أن تواصل مجدد – بعد لقائنا في مدريد واستخدام جهاز المحاكاة، حيث اتضحت لنا خبرتكم الواسعة – ولكن هذه المرة لنشكركم على حسن تصرفكم في التعامل مع حالة طارئة.. نتمنى لكم التوفيق وتقبلوا خالص تحياتنا».

وأشار طه إلى أن هذه الرسالة ليست شكره له وحده، ولكن الشكر لجميع الأبطال الذين شاركوا في الملحمة، من قباطين القاطرات وأطقمها من المهندسين والفنيين، وأيضًا لكافة إدارات الميناء وقيادات إدارة الأزمة والشرطة والحماية المدنية.
◄ احترافية شديدة نتيجة التدريب والمناورات
وأضاف أن حجم الأزمة كان كبيرًا، ولكن التعامل معه كان باحترافية شديدة نتيجة التدريب والمناورات المستمرة، وقال: «شعرت وكأنني في معسكر حربي ويعمل مقاتلين وليسوا مدنيين، الجميع كان يعلم أنها مهمة انتحارية، ومع ذلك لم يفكر أحد في الانسحاب، لأن التراجع يعني تسريع الانفجار ووقوع الكارثة».
ووصف رئيس الوزراء للحدث بأنه «ملحمة»، مؤكدًا أن هذا هو الوصف الأدق، لأن كل فرد في إدارة الأزمة وكل قبطان وبحار ومهندس على متن القاطرات كانوا أبطالًا، لأن أطقم القاطرات قامت بعمل شبه مستحيل، وهو توصيل حبال القطر بمجهود غير عادي، وكانوا أشبه بمقاتلين لا يعرفون المستحيل، وأدوا واجبهم باحترافية وتفانٍ وأنقذوا مقدرات الوطن.

وأكد أن جميع رسائل الشكر عظيمة، ولكن الأعظم هو تكريم وزير النقل لأبطال الملحمة ونقل تحيات الرئيس السيسي، رئيس الجمهورية، وهذا وسام شرف لا يضاهيه شرف.
◄ تحريك السفينة إلى منطقة آمنة
وذكر القبطان عبد الفتاح أن طاقم السفينة صعد على متنها بعد أيام من مغادرتها، أثناء وقوع الحادث، وأن السفينة تحركت باستخدام القاطرات دون استخدام محركاتها، وبتواجد 2 مرشدين، ربان محسن حسن ومحمد حسام، على متنها، من المكان الذي استقرت به أثناء عمليات الانطفاء إلى منطقة انتظار سفن الغاز على مسافة 15 ميلًا بحريًا من ميناء دمياط، وتم إلقاء المخطاف الخاص بها في هذه المنطقة، في انتظار وصول لجنة فنية من الشركة المالكة لها لمعاينتها.
◄ بداية الملحمة.. 4 دقائق تفصل عن الكارثة
ويعود القبطان عبد الفتاح إلى الأحداث عند بدايتها، قائلًا: «أعمل رئيس وردية المرشدين وسمعت دوي انفجار، وعلى الفور أسرعت إلى نافذة استراحة المرشدين، فوجدت تصاعد دخان ووجود حريق في نفس الوقت على سفينتين مخصصتين للغاز. على الفور أدركت حجم الكارثة وقمت باستدعاء لنش الإرشاد والقاطرات بأقصى سرعة».

وأضاف: «لم أكن أتوقع الوقت التي تمت خلاله الجاهزية من 4 إلى 5 دقائق. كانت القاطرات جاهزة ووصلت للسفن، وأن هذا وقت قياسي، وأرى أنه في دعم وتوفيق من الله عز وجل، لأننا لو كررنا استدعاء وجاهزية القاطرات مرات عديدة لن يتم جاهزيتها في هذا الوقت، لأن الوقت المناسب للجاهزية من 10 إلى 20 دقيقة، لكن تدابير الله كانت طوق النجاة للجميع».
وعلى الفور تم التواصل مع فريق إدارة الأزمة بقيادة اللواء طارق عدلي، رئيس هيئة الميناء، ونائبه اللواء أحمد حمدي، ورئيس مركزية الحركة، واللواء رفعت المارديني، رئيس مركزية الخدمات، والربان ياسر عبداللطيف، رئيس الإدارة المركزية للخدمات البحرية.
وعلى الفور تم تقسيم العمل، فتوجهت لمكان السفينة الأولى، وكلفت القبطان تامر زكي، مرشد أول الميناء، بالتوجه للسفينة الثانية، وتم توجيه 4 قاطرات بحرية لكل سفينة.

وعندما وصلنا للمكان، وجدنا اشتعال النيران في سفينتين، الأولى سفينة التغييز «المصنع» وبداخلها 60 ألف متر مكعب غاز، والسفينة الثانية سفينة التخزين وعلى متنها 8 آلاف متر مكعب غاز.
وبدأت على الفور أعمال الإطفاء، وكان القرار لابد من إبعاد السفن المشتعلة عن الميناء، لأن كل سفينة أصبحت قنبلة موقوتة، ومن هنا بدأت الملحمة.
اقرأ أيضا: ختام معسكر الفوج الأول لحكام الممتاز «ب».. واستمرار إعداد المحترفين
◄ قيادة السفينة عن بُعد.. أصعب أنواع الإرشاد
كانت السفينة الأولى أكثر اشتعالًا، فكانت أولوية تحركها، لكن كانت كل خطوة تحديًا كبيرًا. أولًا، لأن طاقم المركب نفذ خطة إخلاء فور وقوع الحادث وتركها، وأن محركاتها متعطلة، لذلك افتقدنا لأي مساعدة.
وزاد الأمر صعوبة عدم تمكن المرشد من الصعود للسفينة لقيادة عملية تحركها، وأصعب أنواع القيادة أن يقوم المرشد بإرشاد السفينة دون الصعود إليها لوجود مانع كالحريق وتوجيهها عن بُعد من على قاطرة، وهي أصعب أنواع الإرشاد على الإطلاق، وفي ظل عدم وجود طاقم على السفينة، وهو أمر يتطلب احترافية عالية جدًا.

والتحدي الآخر أن طاقم السفينة كان يساعد في تلقي حبل القاطرة لربطه لبدء قطرها، وهذا أيضًا كان تحديًا كبيرًا.
ولحسن الحظ، القانون الدولي يلزم سفن الغاز بتجهيز «أسلاك قطر» «وايرات» في المقدمة والمؤخرة للحالات الطارئة، فاستخدمنا هذه الأسلاك لربط قاطرتين للسحب، بينما استمرت قاطرتان في الإطفاء، ويزداد الأمر صعوبة لتنفيذ عمليات الإطفاء في وضع الحركة.
واستمر ذلك حتى إبعاد السفينة لمنطقة آمنة في وقت قياسي، واستمرار عمليات الإطفاء ليظهر تحديًا جديدًا، وهو عدم وجود طاقم يقوم بإلقاء المخطاف لاستقرار السفينة، فكان لابد من اختيار مكان ليتم «شحط» السفينة به لتكون مستقرة من الأسفل في قاع المياه حتى لا يجرفها التيار.
◄ 12 ساعة إطفاء و30 ساعة تبريد

وبعد شحط السفينة، انضمت القاطرتان اللتان كانتا تسحبان السفينة إلى عمليات الإطفاء، التي استمرت لمدة 12 ساعة متواصلة، وهو وقت شاق جدًا، وخلال هذه المدة كل دقيقة كانت تنذر بكارثة، وأن أول الضحايا القاطرات بأطقمها، لكنهم لم يتخلوا عن واجبهم واستمروا في أداء مهمتهم الوطنية.
وتنتهي مرحلة الإطفاء لتبدأ مرحلة التبريد، والتي استمرت لمدة 30 ساعة، لأن اشتعال الغاز خطير جدًا، وأي تسريب من الصمامات المتضررة كان سيعيد اشتعال الحريق فورًا، فاستمر التبريد حتى صعد متخصصون من الشركة لتأمين البلوف والتأكد من عدم وجود تسريب داخلي.
واستمرت عمليات التأمين بوجود قاطرات للتعامل مع أي طارئ فورًا.