تفاصيل الرسالة المفتوحة.. الكرملين يرد على مقترح زيلينسكي ويعلن ترحيبه بزيارته إلى موسكو
سجل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اختراقاً دبلوماسياً جديداً في جدار الأزمة المستعصية عبر توجيه رسالة مفتوحة ومباشرة إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين يدعوه فيها إلى عقد اجتماع ثنائي عاجل ووجهاً لوجه لبحث سبل إنهاء الصراع الدامي.
وأكد زيلينسكي في مبادرته المفاجئة أن الحوار المباشر بين قيادتي البلدين هو المسار الوحيد المتبقي لتحقيق السلام الشامل وإيقاف نزيف الدماء المستمر وتجنيب القارة الأوروبية مزيداً من الدمار والخراب الدائمين.
وحسب تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية والوكالات العالمية الإخبارية فإن هذه المبادرة الأوكرانية تأتي في وقت حساس للغاية من مسار الصراع الدائم، حيث شدد زيلينسكي في رسالته على أنه من الخطأ الفادح الانتظار حتى تصبح الحرب في أوروبا محور اهتمام الولايات المتحدة مجدداً، وأشار الرئيس الأوكراني إلى أن بلاده مستعدة لإعلان وقف كامل وشامل لإطلاق النار طوال فترة المفاوضات المقترحة لضمان توفير بيئة سياسية وأمنية ملائمة لإنجاح هذا الحوار التاريخي المرتقب بين الطرفين.
وفي خطوة عملية تعكس جدية الطرح الأوكراني قدم زيلينسكي مقترحاً متكاملاً يتضمن تبادلاً شاملاً لجميع أسرى الحرب لدى الجانبين دون استثناء، واعتبر الرئيس زيلينسكي أن إتمام هذه الخطوة الإنسانية الكبيرة يمكن أن يشكل مقدمة جيدة وبناءة لإنهاء الحرب وبناء جسور الثقة المفقودة، وجاءت هذه الرسالة المفتوحة التي تعد من المبادرات القليلة جداً التي يتوجه فيها الرئيس الأوكراني مباشرة إلى سيد الكرملين منذ بدء الغزو الروسي الشامل للبلاد.
موقف الكرملين وردود الفعل الروسية على مبادرة السلام الأوكرانية
سارع الكرملين إلى الرد على المقترحات الأوكرانية الجديدة عبر تصريحات رسمية لافتة صدرت عن المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف، وبيّن المتحدث الروسي أن زيلينسكي مرحب به للمجيء إلى العاصمة الروسية موسكو لعقد هذا الاجتماع في أي وقت يشاء، ولكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين لم يطلع بعد بشكل رسمي على فحوى الرسالة المفتوحة التي نشرتها وسائل الإعلام العالمية بشكل واسع ومفاجئ.
وكان زيلينسكي قد استبعد مسبقاً في نص رسالته خيار الذهاب إلى موسكو لعقد اللقاء بالنظر إلى الظروف الأمنية والسياسية المعقدة، وتأتي هذه التطورات الدبلوماسية المتسارعة بعد أشهر طويلة من الركود والتعثر الكامل في مسار المحادثات بين روسيا وأوكرانيا، حيث لم تحقق الجولات السابقة التي احتضنتها عواصم مختلفة مثل إسطنبول وأبوظبي وجنيف أي اختراق حقيقي في القضايا الجوهرية الشائكة وعلى رأسها ملف السيادة على الأراضي الأوكرانية.
وقبيل إطلاق هذه المبادرة بفترة وجيزة جدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تشكيكه في شرعية زيلينسكي كرئيس لأوكرانيا، واعتبر بوتين خلال حديثه على هامش المنتدى الاقتصادي الدولي في سان بطرسبورغ أن مسألة شرعية القيادة الأوكرانية تحتاج إلى تحليل قانوني عميق، وذلك نظراً لانتهاء الولاية الرئاسية الرسمية المحددة بخمس سنوات في عام ألفين وأربعة وعشرين وتأجيل الانتخابات بسبب استمرار فرض حالة الأحكام العرفية في البلاد.
الوساطة الأمريكية وتصريحات ترامب المثيرة للجدل في البيت الأبيض
دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الأزمة معلقاً على المبادرة الأوكرانية الجديدة خلال حديثه مع الصحفيين في المكتب البيضاوي، وعبر ترامب عن ترحيبه الكبير بهذه الخطوة مؤكداً أنه سيكون من الرائع جداً أن يلتقي الزعيمان الروسي والأوكراني وجهاً لوجه، وأضاف الرئيس الأمريكي أنه يشعر بالسعادة البالغة لأن الطرفين ربما يتحدثان الآن عن عقد لقاء مباشر معتبراً أن للإدارة الأمريكية الحالية دوراً كبيراً في دفع الأمور نحو هذا المسار الإيجابي.
ورأى الرئيس الأمريكي أنه سيتعين على الرئيسين الروسي والأوكراني القيام بتنازلات متبادلة وصعبة للوصول إلى صيغة سلام نهائية ودائمة، وكشف ترامب عن أنه قام بالفعل باقتراح مجموعة من التنازلات على الطرفين في وقت سابق دون أن يقدم أي تفاصيل إضافية حول طبيعتها، وتتزامن هذه التحركات مع انصراف جزء كبير من اهتمام الولايات المتحدة التي تتولى الوساطة التاريخية في هذه الأزمة نحو ملفات دولية أخرى ملتهبة في الشرق الأوسط.
وتشير التقارير الدبلوماسية إلى أن مقترح زيلينسكي يهدف إلى كسر حالة الجمود وتجاوز العقبات التي تضعها القوى الدولية عبر فرض مسار تفاوضي مباشر، ويتطلع الرئيس زيلينسكي من خلال هذا التحرك الشجاع إلى وضع الرئيس الروسي أمام مسؤولياته التاريخية والأمام المجتمع الدولي بأسره، وتأمل الأوساط السياسية في واشنطن أن تسهم هذه المبادرة في فتح ثغرة في جدار الأزمة العسكرية المستعصية التي تهدد الأمن والسلم العالمي بشكل مباشر.
التصعيد العسكري الميداني وسياق الضربات الأوكرانية بعيدة المدى
جاءت رسالة زيلينسكي المفتوحة إلى الكرملين غداة هجوم أوكراني واسع ونوعي بالطائرات المسيرة الانقضاضية استهدف مدينة سان بطرسبورغ الروسية، وتعتبر هذه المدينة مسقط رأس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكانت تحتضن في ذلك الوقت بالذات فعاليات منتدى اقتصادي دولي بارز، وقد نجحت الطائرات الأوكرانية في ضرب مجمع نفطي استراتيجي وقاعدة بحرية حيوية مما شكل صدمة أمنية كبيرة داخل الأوساط العسكرية والسياسية الروسية الحاكمة.
وقد كثفت القوات المسلحة الأوكرانية في الأشهر الأخيرة من ضرباتها الانتقامية والنوعية بعيدة المدى ضد أهداف طاقوية وعسكرية حيوية في العمق الروسي، وتصف القيادة في كييف هذه الهجمات المكثفة بأنها رد عادل ومشروع على القصف الجوي الليلي المستمر الذي تشنه القوات الروسية ضد المدن والبنى التحتية، وأكد زيلينسكي في رسالته أنه إذا لم يتوصل بوتين شخصياً لاستنتاج يفيد بأن وقت إنهاء الحرب قد حان فإن أوكرانيا ستواصل القتال.
وأقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علناً بوجوب تعزيز وتطوير أنظمة الدفاع الجوي الروسية لحماية الأجواء من الهجمات الأوكرانية المتطورة والمتكررة، وأوضح بوتين أن روسيا تملك بالفعل نظام دفاع جوي قوي ولكن الأحداث الأخيرة أثبتت ضرورة تحسينه وتطويره بشكل مستمر، وجاء هذا الاعتراف الروسي النادر ليعكس حجم التحدي الكبير الذي باتت تشكله الطائرات المسيرة الأوكرانية التي نجحت في اختراق الأجواء والوصول إلى أهداف استراتيجية حساسة للغاية.
آفاق السلام ومستقبل الصراع في ظل المعطيات الميدانية والسياسية الجديدة
تظهر البيانات الميدانية الحديثة أن وتيرة تقدم القوات الروسية في المحاور القتالية قد تباطأت بشكل ملحوظ منذ أواخر العام الماضي، وتشير التقارير العسكرية إلى أن القوات الأوكرانية تمكنت بالفعل من استعادة بعض الأراضي والمواقع الاستراتيجية في عدة جبهات، ورغم ذلك فقد أشاد بوتين بإنجازات قواته في ساحة المعركة نافياً تماماً أن يكون الهجوم الروسي على أوكرانيا قد تحول إلى كارثة استراتيجية كما تروج وسائل الإعلام الغربية.
وأكد الرئيس الروسي أن قواته تتقدم بثبات على طول خط المواجهة بكامله وأن لدى موسكو رغبة حقيقية في التوصل إلى اتفاق سلمي، وفي المقابل يرى زيلينسكي أن المفاوضات المباشرة هي وحدها التي يمكن أن تفضي إلى اتفاق حقيقي وشامل بشأن الأراضي والسيادة الوطنية، وكان زيلينسكي قد عرض سابقاً تنظيم تصويت شعبي أو استفتاء عام على أي اتفاق سلام نهائي يتم التوصل إليه بعد تحقيق الوقف الكامل والشامل لإطلاق النار.
ويبقى التساؤل قائماً حول إمكانية نجاح مبادرة زيلينسكي الأخيرة في جمع الرئيسين على طاولة مفاوضات واحدة في المستقبل القريب، لا سيما وأن بوتين قد أعلن مراراً وتكراراً أنه لن يلتقي نظيره الأوكراني إلا لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق معد مسبقاً، وتترقب العواصم العالمية ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تحركات دبلوماسية قد تغير مجرى هذا الصراع الذي بات يهدد الاستقرار الاقتصادي والأمني للقارة العجوز والعالم بأكمله.

تعليقات